يُعرَّف النفط الاصطناعي بأنه بديل من صنع الإنسان للنفط الخام الطبيعي، وهو من الناحية الكيميائية خليط من الهيدروكربونات التي تُنتج عبر عمليات صناعية. يُعرف أحيانًا بأنه "مركب هيدروكربوني يُصنَّع من أول أكسيد الكربون والهيدروجين"، ويتميز بخصائص قريبة من تلك الموجودة في البترول الطبيعي.
استغلت ألمانيا صناعتها الكيميائية المتقدمة في تلك الحقبة لبناء مشروع صناعي ضخم يهدف إلى تحويل الفحم إلى نفط. ازدادت هذه الحاجة إلحاحًا مع تراجع الواردات بسبب الحرب، إلى جانب انخفاض الإنتاج المحلي من النفط. كانت الأبحاث في هذا المجال قد بدأت قبل الحرب العالمية الأولى، وفي ثلاثينيات القرن العشرين، نُفذت برامج واسعة النطاق لبناء قدرات إنتاجية كبيرة.
ساعد ألمانيا في ذلك توفر كميات هائلة من الفحم، إلى جانب توافر التكنولوجيا اللازمة التي شكَّلت حجر الأساس لهذا النشاط الصناعي الحيوي. اعتمد الألمان على الفحم المتوفر لديهم لإنتاج الوقود الذي كانوا في أمس الحاجة إليه. ورغم أن هذا البديل لم يكن فعّالا من الناحية الاقتصادية، إذ كان يتطلب حوالي خمسة أطنان من الفحم لإنتاج طن واحد من الوقود، إلا أنه مثَّل ضرورة استراتيجية قصوى.
اعتمدت ألمانيا في إنتاج الوقود الاصطناعي على أسلوب "تسييل الفحم" بشكل أساسي، والذي تم عبر عمليتين رئيسيتين. الأولى هي عملية بيرجيوس، التي تعتمد على هدرجة الفحم، حيث يُسخَّن خليط من الفحم والهيدروجين تحت ضغط عالٍ وبوجود عوامل محفزة مثل أكسيد الحديد أو القصدير أو الموليبدينوم. يؤدي ذلك إلى تسييل الفحم، ثم يُفكك السائل الناتج إلى جزيئات هيدروكربونية قصيرة تُستخدم في تخليق البنزين. أما الثانية فهي عملية فيشر-تروبش، التي تهدف إلى الحصول على هيدروكربونات سائلة من غاز التخليق، وهو خليط من أول أكسيد الكربون والهيدروجين. يتم التخليق بوجود عوامل محفزة مثل النيكل أو الكوبالت أو الحديد، وتحت درجات حرارة وضغوط مرتفعة. استُخدمت هذه الطريقة بشكل واسع لإنتاج البنزين ووقود الديزل وزيت الوقود.
بحلول عام 1940، كانت المصانع التي تعمل بكلا الطريقتين قد انتشرت في ألمانيا. في عام 1944، بلغ الإنتاج السنوي للوقود الاصطناعي حوالي 6.5 مليون طن. كان إنتاج طن واحد من هذا الوقود يتطلب حوالي أربعة أطنان من الفحم الحجري، أو ما بين ثمانية إلى عشرة أطنان من الفحم البني.
الجدير بالذكر أن الوقود الاصطناعي كان أغلى من الوقود التقليدي، إلا أنه ساهم، ولو جزئيا، في تعويض النقص الحاد في إمدادات النفط. استُخدم هذا الوقود في تشغيل السيارات والمركبات العسكرية المتنوعة، وكذلك الطائرات، حيث تم إنتاج أنواع مختلفة من بنزين الطائرات مع إضافات خاصة لرفع قدرتها على مقاومة الاحتراق المبكر.
علاوة على ذلك، طوّر الألمان إنتاج زيوت الهيدروكربون الاصطناعية، وهي مواد تشحيم تُصنع كيميائيا من مواد خام غير عضوية مثل الفحم والغاز ومنتجات تكرير الفحم، بدلا من الاعتماد على البترول الطبيعي.
ازداد إنتاج هذه الزيوت بشكل ملحوظ خلال الحرب العالمية الثانية نظرا لصعوبة الحصول على النفط الخام. اعتمد الكيميائيون الألمان على تطوير مصانع متخصصة لإنتاج الزيوت الاصطناعية من الفحم الحجري والفحم البني، ومن البارافين الذي يُعد منتجا ثانويا لتكرير النفط. تميزت هذه الزيوت بعدة خصائص مقارنة بالزيوت المعدنية، من أبرزها ثباتها تحت ظروف التشغيل المتنوعة، وقوة طبقتها الواقية العالية.
واصلت ألمانيا إنتاج النفط والوقود الاصطناعي من الفحم بشكل مكثف خلال ثلاثينيات القرن العشرين، خاصة مع تزايد ضغوط سياسة الاكتفاء الذاتي النازي قبل الحرب العالمية الثانية، وبلغ الإنتاج ذروته خلال سنوات الحرب بين عامي 1939 و1945. في النهاية، تحوّل نظام الإمداد المعقد إلى مشكلة كبرى بالنسبة لآلة الحرب النازية الضخمة المنتشرة على مساحات شاسعة.
أدرك الحلفاء هذه النقطة كموطن ضعف استراتيجي، فمنذ عام 1943، جعلوا تدمير مصانع الوقود الاصطناعي الألمانية، إلى جانب حقول نفط "بلويشتي" الرومانية التي كانت تحت سيطرة ألمانيا، أولوية قصوى في حملات القصف الاستراتيجي. بحلول عام 1944، ومع خسارة حقول رومانيا ودمار صناعة الوقود المحلية، بدأت آلة الحرب الألمانية تنهار بشكل فعلي نتيجة النقص الحاد والمتزايد في الوقود.
المصدر: RT