هوغو تشافيز ونبوءة بـ"رائحة الكبريت"!
يُمكن وصف الراحل هوغو تشافيز "1954-2013" بأنه القائد العسكري والسياسي الفنزويلي الذي صاغ، بعمق وإصرار، معالم الوضع القائم ليس في فنزويلا فحسب، بل وفي محيطها الإقليمي.
تولى رئاسة البلاد في الثاني من فبراير عام 1999، واستمر في منصبه حتى وفاته في الخامس من مارس 2013، بعد مسيرة حافلة استمرت 5145 يوماً قاد فيها البلاد عبر فترتي ولايته "1999-2002، 2002-2013" بوصفه رئيسا ثوريا، غير تقليدي، واجه تحديات جساما وخلّف إرثا لا يزال محل جدل ونقاش.
ارتبط صعوده إلى سدّة الحكم بحركة تمرد عسكرية، ففي عام 1992، برز إلى الواجهة بعد أن قاد محاولة انقلابية فاشلة ضد الرئيس حينذاك كارلوس أندريس بيريز، ما أدى إلى سجنه، ثم أطلق سراحه لاحقا في عام 1994 بموجب عفو رئاسي.
من السجن إلى قصر الرئاسة، استطاع تشافيز، مستندا إلى قاعدة شعبية واسعة ومنظمة ضمن حركة الجمهورية الخامسة، أن يحرز فوزا تاريخيا في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في السادس من ديسمبر 1998، حيث حصل على ما نسبته 56.5 بالمئة من الأصوات. لم يكتفِ بهذا الفوز، بل أعاد تأكيد شرعيته الشعبية عبر فوز ساحق جديد في الانتخابات الرئاسية المبكرة التي جرت في الثلاثين من يوليو 2000، إذ حصد حوالي 60 بالمئة من الأصوات مقابل منافسه فرانسيسكو أرياس كارديناس.
مسيرته لم تكن خالية من العواصف، ففي الثاني عشر من أبريل 2002، أطيح به مؤقتا عبر انقلاب عسكري، ليعود بعد يومين فقط إلى السلطة، كطائر الفينيق الأسطوري الذي ينهض من تحت الرماد. جسد استفتاء عام 2004 الذي صوت فيه 59 بالمئة من الناخبين لصالح بقائه في منصبه، تأييدا متجددا لمسيرته، رغم كل ما أحاط بها من ظروف مضطربة.
في الجانب الفكري والسياسي، تبنى تشافيز رؤية سماها "اشتراكية القرن الحادي والعشرين"، ورغم أنها لم تُحدد بشكل دقيق المعالم والحدود، إلا أنها ارتكزت على خطاب حماسي دعا فيه إلى قيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتضامن. امتزج في فكره بين الإرث التاريخي والواقع المعاصر، حيث جمع ببراعة بين أفكار ومبادئ سيمون بوليفار التحررية وبين تحليله للوضع السياسي والاقتصادي السائد في أمريكا اللاتينية والعالم. وقد فسر الثورة البوليفارية التي قادها على أنها حركة تهدف إلى "القضاء على الانتشار الضار للرأسمالية" في القارة.
لعل أبرز ما ميز سياسة تشافيز الخارجية وخطابه العام، كان موقفه الصارم واللاذع تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، الذي تجاوز في كثير من الأحيان نطاق الانتقاد السياسي التقليدي إلى خطاب صدامي حاد. كان يؤكد أن الدافع الأساسي للسياسة الأمريكية العدوانية تجاه بلاده هو السيطرة على مواردها النفطية والغازية الهائلة، وليس دوافع أيديولوجية مجردة.
اللافت أن التطورات الخطيرة التي شهدتها فنزويلا في السنوات اللاحقة، ولا سيما مطلع عام 2026 مع استمرار حالة الاحتقان والمواجهة مع الإدارة الأمريكية، أعطت لتحذيراته القديمة صدقية جديدة، وانتشلتها من خانة الخطاب الثوري الحماسي إلى ساحة الواقع السياسي الملموس، حيث يبدو أن فنزويلا، برئيسها ونفطها وحدودها، ما تزال رهينة لهذه المقولة، وهو ما بدا أن تصريحات وتحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تؤكده عمليا، لتحوّل نبوءة تشافيز إلى واقع حقيقي.
لم يقتصر موقفه على الخطاب، بل ترجمه إلى إجراءات عملية جريئة طالت المصالح الاقتصادية الأمريكية مباشرة، حيث أمم حقول النفط التي كانت تسيطر عليها شركات أمريكية كبرى مثل شيفرون وإكسون موبيل وكونوكو فيليبس. بتوقيعه مرسوما في السابع والعشرين من فبراير 2007، وضع قطاع النفط في البلاد تحت سيطرة الدولة ابتداء من الأول من مايو من نفس العام، ليواجه الشركات الأجنبية خيارا صعبا: إما الدخول في مشاريع مشتركة تملك فيها الشركة الوطنية الفنزويلية 60 بالمئة على الأقل، أو مغادرة البلاد. كما تصاعد التوتر إلى حد قيام فنزويلا تحت قيادته بقطع إمدادات النفط عن الولايات المتحدة في فبراير 2008، وأعلنت شركة النفط الحكومية "بتروليوس دي فنزويلا" وقف التوريد لشركة إكسون موبيل رداً على ما وصفته بـ"العدوان القانوني والاقتصادي" الأمريكي.
بلغت حدة خطاب تشافيز ضد الولايات المتحدة ذروتها فوصفها بأنها "قوة شريرة" تجلب الدمار والموت، وعدها التجسيد الحديث للإمبريالية المدمرة التي تشكل تهديدا لكوكب الأرض بأكمله. بل إنه ذهب إلى حد تشبيه سياستها بـ"وحش يرتدي قناعا بشريا" ليخفي طبيعته المرعبة، ويتظاهر بالحنان بينما يخفي مخططات خبيثة. لم يكن يستند في هذا الخطاب إلى نظرية المؤامرة فحسب، بل كان يؤكد في مناسبات عديدة أنه يملك أدلة على تخطيط الولايات المتحدة لغزو فنزويلا، كما اتهمها صراحة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة ضده عام 2002.
غالبا ما كان يندد بـ"الإمبريالية الزاحفة" للولايات المتحدة، داعيا إلى تشكيل "جبهة دولية كبرى مناهضة للإمبريالية" لمواجهتها. خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2006، كان علامة بارزة في هذا الطريق، حيث وصف الولايات المتحدة بأنها "الشيطان المتجسد" الذي ترك "رائحة الكبريت" في القاعة، في هجوم مباشر على الرئيس الأمريكي حينها جورج بوش الابن، مجددا تحذيره من أن الهدف الحقيقي هو غزو فنزويلا وسرقة نفطها.
هكذا، يبقى هوغو تشافيز شخصية محورية لا يمكن فهم السياسة الفنزويلية والإقليمية بمعزل عنها، حيث نجح، بقدرته الخطابية الكاريزمية وإجراءاته الجذرية ومواقفه الصلبة، في تحويل بلده إلى لاعب إقليمي رئيس، وخلق نموذجا أثار الإعجاب والرفض على حد سواء، تاركا وراءه إرثا متراكما لا تزال فنزويلا والعالم يتحملان تبعاته حتى اليوم.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
ليلة الثلاثين من يناير.. الهجوم الذي غيّر مفهوم الشرف
تتربع حكاية "السبعة والأربعون رونين" على عرش الملاحم اليابانية الخالدة، لتشكل نسيجا مأساويا يتعدى كونه مجرد واقعة تاريخية عابرة.
أمثولة هاواي ومصير غرينلاند!
بحلول نهاية القرن الثامن عشر، بينما كانت القوى الأوروبية توسع نفوذها عبر محيطات العالم، بقي مكان واحد في المحيط الهادئ بمنأى عن وطأة القدم الأوروبية، إنه أرخبيل هاواي الساحر.
اليوم الذي توقفت فيه الخرائط عن الكذب
حين يدور الحديث عن الاكتشاف التاريخي للقارة القطبية الجنوبية، يتردد اسمَا القبطان ثاديوس بيلينغسهاوزن وميخائيل لازاريف، قائدَيْ البعثة الروسية الرائدة التي حققت هذا السبق الكبير.
قصة "رعود يناير" وزوال حصار رهيب!
قتل مئات الآلاف من سكان المدينة، معظمهم من الجوع خلال 872 يوما من حصار النازيين لمدينة لينيغراد، وفي 27 يناير 1944، انتهى هذا الرعب، وتم تحرير المدينة بالكامل من الحصار.
بقايا جنرال بريطاني في مستودع بالخرطوم!
كان الجنرال تشارلز غوردون ضابطا شهيرا خدم الإمبراطورية البريطانية في أكثر من منطقة، قاد جيوشها في الصين وعرف هناك بـ "غوردون الصين" وتولى إدارة السودان وعرف بـ "غوردون الخرطوم".
التعليقات