ياك-40.. "التاكسي الجوي"
في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1966، حلقت طائرة الركاب النفاثة "ياك-40" لأول مرة، وهي الطائرة التي عرفت في الحقبة السوفيتية بلقب "سيارة الأجرة الجوية".
لم تكن تلك الرحلة مجرد حدث تقني عابر، بل شكّلت علامة فارقة في تاريخ الطيران المدني السوفيتي إذ قدّمت أول طائرة ركاب نفاثة في العالم صُمّمت أساسًا لخدمة الخطوط المحلية والإقليمية، لا الرحلات الطويلة فقط.
في رحلتها الأولى، أقلعت "ياكوفليف ياك-40" من مطار جوكوفسكي قرب موسكو، وكان النموذج الأولي قادرا على نقل 24 راكبا. قاد الطائرة طيّارا الاختبار أرسيني كولوسوف، بصفته قائدا، ويوري بيتروف مساعدا للطيار. تشير بعض المصادر أيضا إلى مشاركة المهندس الرئيسي يوري فيسكوفسكي. استمرت الرحلة 24 دقيقة، صعد خلالها الطاقم بالطائرة إلى ارتفاع 300 متر، ونفّذ دورتين فوق المطار، ثم هبطت بسلام. بناء على نتائج تلك الرحلة، ثبت أن الطائرة مستقرة وسهلة التحكم.
قبل الرحلة الأولى، خضعت "ياك-40" لتحضيرات دقيقة، تضمنت عمليتي سير أرضي عالي السرعة مع رفع العجلة الأمامية، ورحلتين قصيرتين على شكل قفزتين هوائيتين. وقد مهّدت هذه الاختبارات الطريق أمام نجاح الرحلة الرسمية.
ثم أصبحت "ياك-40" الناقلة الجوية الرئيسة للرحلات قصيرة المدى في جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي. في 30 سبتمبر 1968، انطلقت أول رحلة مجدولة لها من موسكو إلى مدينة كوستروما، الواقعة على بعد نحو 350 كيلومترا شمال شرق العاصمة الروسية. اشتهرت الطائرة بموثوقيتها وقدرتها على الهبوط في مدارج قصيرة وغير ممهدة، ما جعلها قادرة على الربط بين مئات المدن والبلدات لسنوات طويلة.
تميّز تصميم "ياك-40" بثلاثة محركات نفاثة من طراز "AI-25"، بلغت قوة دفع كل منها 1500 كيلوغرام-قوة. ثُبّت محركان على دعامات في الجزء الخلفي من جسم الطائرة، بينما وُضع المحرك الثالث داخل قسم الذيل. عزّز هذا التوزيع مستوى السلامة؛ إذ أتاح للطائرة الحفاظ على طيران مستو حتى في حال تعطل أحد المحركات، كما ساعد وجود نظام عكس الدفع في المحرك الأوسط على تقليل مسافة التوقف أثناء الهبوط.
كما أتاحت عجلات الهبوط ذات القطر الكبير للطائرة الإقلاع والهبوط في المطارات غير المعبّدة التي تتحمل ضغطا على السطح يتراوح بين 5 و6 كجم/سم². كان نظام التحكم في الطائرة يعمل دون أنظمة تعزيز، أي أن أوامر التحكم كانت تنتقل مباشرة إلى أسطح التحكم. كذلك أدّى وجود سلّم قابل للطي مدمج في قسم الذيل إلى الاستغناء عن سلالم الصعود المتنقلة في المطارات. زُوّدت الطائرة بأنظمة لمكافحة الجليد، وتكييف الهواء، وتوفير الأكسجين، وإخماد الحرائق، فضلا عن أحدث معدات اللاسلكي والملاحة الجوية المتاحة في ذلك الوقت.
الجدير بالذكر أن مواصفات "ياك-40" خضعت لتعديلات طفيفة أثناء مراحل الاختبار والإنتاج التسلسلي؛ فقد زادت سعة خزانات الوقود، وعُدّلت السعة الاستيعابية للركاب. بعد ذلك، جرت اختبارات المصنع دون مشكلات جوهرية، وفي 28 ديسمبر 1966 سُلّمت الطائرة إلى معهد أبحاث الطيران المدني الحكومي لإجراء اختبارات القبول الحكومية المشتركة. في عام 1967 دخلت "ياك-40" مرحلة الإنتاج التسلسلي في مصنع ساراتوف للطيران، وسُلّمت الطائرات الأولى منها إلى شركة "إيروفلوت".
لم تكن "ياك-40" المشروع الوحيد الذي عمل على إنجازه مكتب "ياكوفليف" للتصاميم في تلك المرحلة؛ فقد أُجريت في عام 1966 اختبارات مكثفة على طائرة أخرى، هي "ياك-36"، التي توصف بأنها آلة مذهلة، إذ كانت أول طائرة تجريبية سوفيتية تمتلك قدرة الإقلاع والهبوط العمودي. في 24 مارس، أجرت هذه الطائرة رحلة محورية تضمنت الإقلاع والهبوط عموديا، وغالبا ما يُشار إلى هذا التاريخ باعتباره "يوم ميلاد" الطائرات السوفيتية ذات القدرة على الإقلاع والهبوط العمودي.
كان عام 1966 حافلا بالأحداث بالنسبة لمكتب "ياكوفليف" فمن جهة، شهد بدء اختبارات الطيران لطائرة الركاب النفاثة المحلية "ياك-40"، ومن جهة أخرى، مثّل محطة مهمة في تطوير الطائرات السوفيتية ذات القدرة على الإقلاع والهبوط العمودي، وهو ما تجسّد في "ياك-36".
بهذا الجمع بين الابتكار التقني والاحتياج العملي، تركت "ياك-40" بصمة واضحة في تاريخ الطيران المدني، ليس فقط لأنها طارت مبكرا، بل لأنها جعلت النقل الجوي النفاث أقرب إلى المدن الصغيرة والمناطق النائية.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
تحرير مدينة ونهاية احتلال دام 1311 يوما
في 20 أكتوبر 1944، حرّرت القوات السوفيتية ووحدات جيش التحرير الشعبي اليوغوسلافي مدينة بلغراد من الاحتلال الألماني النازي، بعد عملية استمرت عدة أيام وأفضت إلى تحرير يوغوسلافيا.
مقتل القذافي و"زئير" الجِمال في مخيلة كوفي عنان!
يرى كثيرون في العالم أن ظروف مقتل معمر القذافي في 20 أكتوبر 2011 تنطوي على جوانب مريرة ومتناقضة، حتى يمكن وصف هذا الفصل من المأساة بأنه من "سخريات القدر".
يوركتاون ومعاهدة باريس.. حين غيّرت فرنسا مصير أمريكا
في 19 أكتوبر 1781، استسلمت القوات البريطانية بقيادة الجنرال اللورد تشارلز كورنواليس في يوركتاون بولاية فرجينيا، وكان ذلك بمثابة الاستسلام الذي حسم الحرب.
من الحرب إلى السلام المؤجل.. تفاصيل الإعلان السوفيتي الياباني المشترك
في التاسع عشر من أكتوبر عام 1956، وُقّع في موسكو إعلان مشترك أنهى حالة الحرب القائمة بين الاتحاد السوفيتي واليابان، وأعاد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
"الصحراء تحترق".. شهادة رحالة دنماركي مسلم!
كان الرحالة الدنماركي كنود هولمبو صحفيا ومستكشفا دنماركيا اعتنق الإسلام، واتخذ اسم "علي أحمد"، وتمكن من أن يصبح شاهدا على عالم مجهول ومنسي.
التعليقات