أعمق خندق في الكوكب!
في الثالث والعشرين من يناير عام ألف وتسعمائة وستين، حقق البشر إنجازاً استثنائيا ببلوغ قاع خندق ماريانا لأول مرة في التاريخ.
سجلت أجهزة الرصد في تلك الرحلة عمقا قياسيا بلغ أحد عشر ألفا وخمسمائة وواحدا وعشرين مترا، ثم جرى تعديل هذا الرقم لاحقا ليصبح عشرة آلاف وتسعمائة وثمانية عشر مترا.
قاد هذه المغامرة العلمية الفريدة المستكشف السويسري جاك بيكارد، نجل مصمم الغواصة الشهيرة "يو إس إس ترييستي"، إلى جانب زميله الأمريكي دون والش، مستخدمين نفس تلك الغواصة الثورية.
يقع خندق ماريانا، المعروف أيضا باسم "خندق تشالنجر ديب"، في غرب المحيط الهادئ، ويُعد أعمق نقطة معروفة على سطح الكوكب. يتخذ هذا الخندق البحري شكل هلال يبلغ طوله حوالي ألفين وخمسمائة وأربعين كيلومترا، بينما يصل متوسط عرضه إلى تسعة وستين كيلومترا. تقع أعمق منطقة فيه، المسماة "تشالنجر ديب"، في قطاعه الجنوبي الغربي، على بعد نحو ثلاثمائة وأربعين كيلومترا من جزيرة غوام. تشير المصادر العلمية إلى تفاوت في قياس أقصى عمق له بين عشرة آلاف وثمانية وعشرين مترا وأحد عشر ألفا وأربعة وثلاثين مترا تحت مستوى سطح البحر.
استغرقت رحلة الهبوط التاريخية إلى الأعماق السحيقة أربع ساعات وثماني وأربعين دقيقة، تمكنت خلالها الغواصة "ترييستي" من الوصول إلى عمق عشرة آلاف وتسعمائة واثني عشر مترا. وقد أظهرت الحسابات الحديثة أن أقصى عمق للخندق يبلغ عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وأربعين مترا.
سُمي الخندق بهذا الاسم نسبة إلى جزر ماريانا المجاورة، حيث تتراوح درجات الحرارة في قاعه البارد بين واحد وأربع درجات مئوية فقط. يواجه أي جسم في هذا العمق ضغطا هائلا يقدّر بحوالي ألف وستة وثمانين بارا، أي ما يزيد على ألف ضعف الضغط الجوي المعتاد عند سطح البحر.
صمم الغواصة "ترييستي" المهندس والمستكشف السويسري أوغست بيكارد، والد جاك، مستندا إلى مفاهيم هندسية مبتكرة. تميز التصميم بدمج العبقرية السويسرية مع الصناعة الإيطالية الدقيقة، قبل أن تقوم البحرية الأمريكية بشرائها عام ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين. اعتمدت فكرتها على هيكل مليء بالبنزين لتوفير الطفو، مع كرة ضغط فولاذية سميكة لحماية الطاقم من قوى لأعماق الساحقة.
أثناء الغطس، لاحظ بيكار ووالش مفاجأة علمية كبيرة؛ فقد رأيا كائنات حية نشطة، تشمل قشريات تشبه الروبيان وسمكة مسطحة تشبه سمكة الفلوندر، ما دحض الاعتقاد السائد بعدم إمكانية وجود حياة على مثل هذه الأعماق السحيقة. كما اكتشفا أن قاع البحر في تلك المنطقة صلب ومستقر، وهو أمر لم يكن متوقعا.
من الاكتشافات بالغة الأهمية التي قدمتها الرحلة أنها إثبات وجود حركة صاعدة للكتل المائية قرب القاع، ما أدى إلى التخلي عن خطط كانت مطروحة لدفن النفايات النووية في أعماق الخندق، خشية أن تحمل تلك التيارات المائية المواد المشعة مرة أخرى نحو السطح.
ظلت رحلة "ترييستي"، المأهولة الوحيدة إلى أعمق نقطة في المحيط لمدة اثنين وخمسين عاما، ما يبرز ضخامة التحدي التقني والأهمية التاريخية لتلك البعثة. لم تتكرر المحاولة إلا في عام ألفين واثني عشر، عندما نزل المخرج السينمائي جيمس كاميرون بمفرده في غواصة "ديب سي تشالنجر" إلى عمق عشرة آلاف وثمانمائة وثمانية وتسعين مترا.
بالإضافة إلى هاتين الرحلتين المأهولتين، شهد الخندق زيارات لمركبات غير مأهولة مهمة. في عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين، هبطت الغواصة اليابانية المسيرة "كايكو" إلى عمق عشرة آلاف وتسعمائة وأحد عشر مترا، واستخدمت لاحقا في أبحاث بيولوجية قيّمة. كما وصلت المركبة الهجينة "نيريوس" إلى القاع في الحادي والثلاثين من مايو عام ألفين وتسعة، حيث قامت بالتصوير، وجمع عينات من الرواسب، وتسجيل قراءات فيزيائية وكيميائية دقيقة للمياه.
تثبت هذه الرحلة الاستكشافية الرائدة أن الإرادة البشرية المدعومة بالابتكار العلمي يمكنها الوصول إلى أقصى وأعمق زوايا كوكبنا. لقد كانت نقطة تحول في علوم المحيطات، وسعت فهمنا لحدود الحياة وقسوة البيئات في أعماق المحيطات، وفتحت الباب أمام حقبة جديدة من الاستكشاف في هذه المناطق التي لا تزال غاضة.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
خطوط جوية على أجنحة الحرب!
في الخامس من فبراير من عام 1919، شهد عالم النقل تحولا تاريخيا بافتتاح أول شركة طيران ركاب منتظمة في العالم على الأراضي الألمانية.
محتال أجرى 16 عملية جراحية ناجحة!
في عالم الاحتيال والخداع، تبرز أحيانا شخصيات تبلغ من الفرادة والغرابة حدا يدفع إلى التساؤل عن الحد الفاصل بين الواقع والخيال وبين البراعة والجنون.
اليوم الذي توقفت فيه الخرائط عن الكذب
حين يدور الحديث عن الاكتشاف التاريخي للقارة القطبية الجنوبية، يتردد اسمَا القبطان ثاديوس بيلينغسهاوزن وميخائيل لازاريف، قائدَيْ البعثة الروسية الرائدة التي حققت هذا السبق الكبير.
وفجأة سطع بريق أخاذ من أعماق منجم!
شهد عالم المجوهرات والأحجار الكريمة في 26 يناير عام 1905 حدثا استثنائيا، تمثل باكتشاف واستخراج أكبر ماسة عرفها التاريخ حتى ذلك اليوم.
بقايا جنرال بريطاني في مستودع بالخرطوم!
كان الجنرال تشارلز غوردون ضابطا شهيرا خدم الإمبراطورية البريطانية في أكثر من منطقة، قاد جيوشها في الصين وعرف هناك بـ "غوردون الصين" وتولى إدارة السودان وعرف بـ "غوردون الخرطوم".
اكتشاف أثري يثبت استمرارية تقنيات الحدادة لدى البدو الرحل في سيبيريا
أجرى علماء من الجامعة الفيدرالية السيبيرية دراسة على سكاكين حديدية محفوظة في متحف نهر ينيسي بشرق سيبيريا، وتوصلوا إلى أن تقاليد الحدادة لدى البدو الرحل استمرت لأكثر من ألف عام.
الساعة الخامسة فجراً... لحظة انهيار إمبراطورية تحت الركام
في الثالث والعشرين من يناير عام 1556، وفي عتمة الفجر، اهتزت الأرض في قلب الصين تحت حكم سلالة "مينغ" بقوة لم يسبق لها مثيل.
كيف ومتى فرقع "الفشار" لأول مرة؟
تذوق الأوروبيون الفشار لأول مرة في 22 يناير عام 1630. في هذه المناسبة، تلقى المستعمرون الإنجليز في أمريكا الجنوبية كيسا من حبوب الفشار هدية من زعيم للسكان الأصليين يدعى كوديكوين.
العلاقة المنسية بين الملكة فيكتوريا وخادمها عبد الكريم!
عبر العصور الطويلة، اعتاد الملوك البريطانيون إخفاء أسرارهم الشخصية بعيدا عن الأنظار، محاطين بستار كثيف من التكتم والتحفظ.
تفاصيل سرقة واسترجاع "وعاء ملح" فريد!
سُرق وعاء ملح من متحف تاريخ الفنون في العاصمة النمساوية فيينا في 11 مايو 2003. كان يمكن أن تكون الحادثة بسيطة ولا تستحق العناء، إلا أن "المملحة" ليست عادية وقيمتها 50 ميلون يورو.
هكذا أنقذ سائق سوفيتي حياة رئيس أمريكي!
في أواخر الحرب العالمية الثانية، بين الرابع والحادي عشر من فبراير عام 1945، احتضنت شبه جزيرة القرم السوفيتية واحدة من أكثر اللقاءات سرية ومصيرية في التاريخ الحديث: مؤتمر يالطا.
روبيو وفانس وأربعة أزواج من أحذية ترامب!
من المرجح أن يدخل دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي 47 والذي يشغل المنصب لولاية ثانية غير متتالية، التاريخ الأمريكي والعالمي باعتباره أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل على الإطلاق.
التعليقات