حلف الناتو – تغيير في المهام والمسار بضغط أمريكي
أربعة دبلوماسيين يتحدثون لموقع بوليتيكو حول الضغوط الأمريكية على حلف الناتو لتغيير مساره. والعراق وكوسوفو أبرز الأمثلة. فيكتور جاك – Politico
تضغط الولايات المتحدة، بقيادة ترامب، على حلف الناتو لتقليص أنشطته الخارجية، بما في ذلك إنهاء مهمة رئيسية للحلف في العراق. كما مارست الولايات المتحدة ضغوطًا في الأشهر الأخيرة لتقليص عملية حفظ السلام التابعة للحلف في كوسوفو ومنع أوكرانيا وحلفاءها في منطقة المحيطين الهندي والهادي من المشاركة رسمياً في القمة السنوية للحلف في أنقرة في يوليو.
وتعكس هذه الجهود مسعى البيت الأبيض للتعامل مع حلف الناتو كتحالف دفاعي أوروبي أطلسي بحت، والتراجع عن عقود من التوسع في إدارة الأزمات والشراكات العالمية والمبادرات القائمة على القيم، والتي لطالما أثارت حفيظة الرئيس الأمريكي وقاعدته الشعبية.
بالتالي تسعى واشنطن إلى تقليص "الأنشطة الخارجة عن نطاق اختصاص الحلف"، التي تتجاوز مهامه الأساسية في الدفاع والردع. وقد بات هذا التوجه يُعرف بـ"العودة إلى الوضع السابق"، وفقًا لما ذكره 4 دبلوماسيين، مُنحوا جميعاً حقّ عدم الكشف عن هويتهم للتحدث بحرية عن هذه المسألة الداخلية الحساسة.
وقد تُفضي هذه الجهود إلى تقليص سريع لأنشطة الناتو في مناطق النزاع السابقة، فضلًا عن استبعاد عواصم مثل كييف وكانبرا من المناقشات الرسمية هذا الصيف. وامتنع البيت الأبيض عن التعليق علناً على برامج الشراكة وعمليات الناتو العالمية عند تواصل موقع بوليتيكو معه.
تأتي هذه التفاصيل الجديدة بعد أن أوضح نائب وزير الدفاع الأمريكي، إلبريدج كولبي، مؤخراً رؤية الإدارة لما أسماه "الناتو 3.0". وقال كولبي لوزراء دفاع الحلفاء الأسبوع الماضي: "لا يمكن أن تكون كل مهمة على رأس الأولويات، ولا يمكن أن تكون كل قدرة مُحسّنة إلى أقصى حد". وأكد كولبي على التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا، مضيفاً أن: "مقياس الجدية يكمن في قدرة القوات الأوروبية على القتال والصمود والانتصار في السيناريوهات الأكثر أهمية للدفاع عن الحلفاء".
وتثير الحملة الأمريكية ردود فعل سلبية من بعض الحلفاء؛ حيث قال أحد الدبلوماسيين الأربعة إن التخلي عن مبادرات الحلف الخارجية "ليس النهج الصحيح". وأضاف: "الشراكات أساسية للردع والدفاع".
لقد قلّص ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي، التزامات الولايات المتحدة في الخارج وسحب القوات وأفراد الناتو من أوروبا وأسند بعض المناصب القيادية العليا في الحلف إلى أوروبيين، ساعياً إلى إعادة توجيه سياسته الخارجية نحو "الأمن القومي الجوهري".
حلف الناتو يجب أن يخرج من العراق
يحتفظ حلف الناتو ببعثة استشارية تهدف إلى تعزيز المؤسسات الأمنية العراقية؛ كالشرطة ومنع عودة تنظيم الدولة الإسلامية. أوقد تم إنشاء هذه العملية في عهد الرئيس ترامب خلال ولايته الأولى عام 2018، وجرى توسيع نطاقها مراراً منذ عام 2021 بناء على طلب بغداد.
لكن واشنطن طلبت من حلفائها إنهاء مهمتها في العراق في أقرب وقت ممكن في سبتمبر، وفقاً لما ذكره دبلوماسيان. ومن المقرر أن تسحب الولايات المتحدة نحو 2500 جندي من العراق بموجب اتفاقية مبرمة مع الحكومة العراقية عام 2024، وهو ما صرّح به مسؤول في الإدارة الأمريكية لموقع بوليتيكو بأنه جزء من "التزام ترامب بإنهاء الحروب إلى الأبد"، مؤكداً أن هذه الخطوة تتم "بالتنسيق الوثيق" مع بغداد.
قال تامر بدوي، الخبير في الشأن العراقي والباحث المشارك في مركز البحوث التطبيقية بالشراكة مع مركز أبحاث الشرق، إن مهمة الناتو بحد ذاتها ليست "حاسمة" لأمن البلاد. لكن إلغاءها بالتزامن مع انسحاب أمريكي قد يعزز نفوذ الجماعات المسلحة، على حد قوله، ويزعزع استقرار حكومة إقليم كردستان الشمالية.
لكن هذا الطلب الأمريكي يواجه معارضة داخل التحالف؛ فقد قال أحد الدبلوماسيين: "ليس هذا هو الوقت المناسب للانسحاب من العراق لأن الحكومة تريدنا هنا". وأضاف دبلوماسي آخر أن "غالبية" الحلفاء متفقون على ضرورة تقليص حجم المهمة في العراق، ولكن على مدى فترة زمنية أطول، مع الإبقاء على عملية أصغر حجماً.
تقليص القوات في كوسوفو
أشارت الولايات المتحدة أيضًا إلى رغبتها في إنهاء قوة كوسوفو (KFOR) بقيادة الناتو. وهو ما يثير قلقاً بالغاً لدى الحلفاء الأوروبيين، حتى وإن كانت المناقشات حول هذا الأمر لا تزال في مراحلها الأولى.
وتضم بعثة حفظ السلام الدولية حالياً، والتي انطلقت عام 1999 بعد حروب يوغوسلافيا، نحو 4500 جندي. وقالت الباحثة السياسية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إنجيلوشي مورينا، إن البعثة لا تزال "ضرورية" للأمن الإقليمي. وأضافت أن انسحاب الناتو قد يشجع الانفصاليين الصرب في شمال كوسوفو، مما قد يؤدي إلى تقليدهم من قِبل الصرب في جمهورية صربسكا بالبوسنة والهرسك.
وقال دبلوماسي رفيع المستوى في حلف الناتو: "نشعر بقلق بالغ" إزاء محاولات إنهاء المهمة لأن "الأمور في غرب البلقان يمكن أن تتصاعد بسرعة".
أفاد مسؤول في حلف الناتو، متحدثاً باسم الحلف، لموقع بوليتيكو، بأنه "لا يوجد جدول زمني محدد لمهمة الناتو في العراق أو لقوة كوسوفو"، مضيفاً: "تعتمد هذه المهام على الحاجة وتخضع لمراجعة دورية ويتم تعديلها وفقاً لتطورات الظروف".
وحتى الآن، لم يُتخذ أي قرار بشأن إنهاء أي من العمليتين. ويجب على جميع الحلفاء الـ 32 الموافقة على بدء وإنهاء أي مهمة، وهي عملية تتضمن عادة ضغوطاً ومساعي حثيثة من عدة حلفاء، وليس من الولايات المتحدة وحدها.
لا حلفاء إضافيين
تضعط الولايات المتحدة على حلفائها لعدم دعوة أوكرانيا والشركاء الرسميين الأربعة للحلف في منطقة المحيطين الهندي والهادي - أستراليا ونيوزيلندا واليابان وكوريا الجنوبية - إلى الاجتماعات الرسمية في قمة الناتو المقرر عقدها في أنقرة في يوليو.
وأضافوا أنه لا يزال من الممكن دعوة الدول إلى فعاليات جانبية، مبررين ذلك جزئياً بتقليل عدد اجتماعات القمة. وقالت أوانا لونجيسكو، المتحدثة السابقة باسم الناتو والباحثة في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن: "إن إبقاء دول الناتو الشريكة على هامش القمة سيرسل إشارة مفادها أن التركيز ربما ينصب بشكل أكبر على قضايا الناتو الأساسية". أما المسؤول المتحدث باسم الناتو فقال إن الحلف "سيعلن عن مشاركة الشركاء في القمة في الوقت المناسب".
في غضون ذلك، اقترح موظفو حلف الناتو إلغاء المنتدى العام من اجتماع هذا العام، وهو حدث جانبي يستضيف قادة الدول وخبراء الدفاع ومسؤولين حكوميين في حلقات نقاشية متنوعة، والتي عادة ما تعزز حضور القمة السنوية. ووفق مسؤول في الناتو: "قرر الناتو عدم تنظيم منتدى عام هذا العام، ولكنه سيستضيف منتدى صناعات الدفاع التابع لقمة الناتو على هامش قمة أنقرة".
كما أبلغ موظفو الناتو العواصم بأن هذه الخطوة تهدف إلى خفض التكاليف في ظل نقص الموارد. لكن الدبلوماسيين الأول والثاني أشارا إلى أنهما يعتقدان أن هذا القرار قد يكون مدفوعاً بشكل غير مباشر بضغوط أمريكية، نظراً لحملة واشنطن الأوسع نطاقاً لخفض تمويل المنظمات الدولية.
قالت الصحفية أوانا لونجيسكو، المتحدثة السابقة باسم حلف الناتو: إن إلغاء المنتدى يتماشى مع "تقليص دور قسم الدبلوماسية العامة" في عهد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، الذي سعى إلى تقليص حجم القسم وإعادة هيكلته منذ توليه منصبه في أواخر عام 2024.
وأخيراً عبر أحد الدبلوماسيين الأربعة بأنه في وقت يسعى فيه الحلف لإقناع الرأي العام بمزايا أنشطته وزيادة الإنفاق الدفاعي، فإن ذلك "ضار للغاية". وأضاف زميل له آخر: "يتعين على الناتو أن يوضح ما يحدث، وما ينوي فعله".
المصدر: Politico
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
التعليقات