مباشر

أولى أزمات ترامب بعد الخسارة.. هل يكون هيغسيث كبش فداء لاحتواء الغضب الانتخابي من حرب إيران؟

تابعوا RT على
تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أولى أزماتها السياسية المفتوحة على خلفية الحرب على إيران.

يأتي ذلك بعدما تحولت خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي إلى نقطة انطلاق لمواجهة داخل الحزب بشأن المسؤولية عن الحرب وتداعياتها، مع تصاعد الضغوط على وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي بات مرشحا لتحمل جانب كبير من كلفة الإخفاقين السياسي والعسكري. 

مسؤولية هيغسيث وتمسك ترامب

فبينما يسعى عدد من المشرعين الجمهوريين وحلفاء الإدارة إلى تحميل هيغسيث مسؤولية الدفع نحو الحرب دون استراتيجية واضحة للخروج منها، يتمسك ترامب بوزيره ويرفض علنا فكرة إقالته، في موقف يكشف عن تناقض بين رغبة الرئيس في احتواء تداعيات الهزيمة الانتخابية ومحاولة بعض المحيطين به البحث عن مسؤول يمكن تحميله تبعات القرارات التي اتخذتها الإدارة.

ونقلت شبكة "سي إن إن" عن مصادر جمهورية أن هيغسيث لعب دورا رئيسيا في إقناع ترامب بشن الحرب على إيران، وأنه بالغ في تقدير قدرة القوات الأمريكية على تحقيق انتصار سريع، وواصل الدفع باتجاه التصعيد رغم عدم ظهور مؤشرات على أن العمليات العسكرية تقرب طهران من الاستسلام.

وتشير هذه الانتقادات إلى أن الخلاف لم يعد محصورا في تقييم أداء وزير الحرب، بل امتد إلى جدوى الاستراتيجية العسكرية نفسها، بعدما تحولت المواجهة إلى استنزاف مفتوح يفاقم الضغوط الاقتصادية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة، وهي عوامل انعكست على موقف الناخبين من الحزب الجمهوري.

الكلفة الباهظة

وفي دلالة على اتساع الاعتراف داخل الإدارة بكلفة الحرب الانتخابية، قال نائب الرئيس جي دي فانس، الأربعاء، إن "سبب خسارتنا هو الحرب"، من دون أن يحدد المسؤول عن قرار شنها.

كما نقلت "سي إن إن" عن مسؤول جمهوري مقرب من البيت الأبيض قوله إن هيغسيث قدم معلومات غير دقيقة أو مضللة بشأن الجداول الزمنية والأهداف والغايات العسكرية منذ بداية المواجهة.

ترامب يتمسك بهيغسيث.. لكن دائرة الرئيس تبحث عن بدائل

على الرغم من تصاعد الانتقادات، لم يظهر ترامب استعدادا للتخلي عن وزير الحرب، بل دافع عنه علناً عقب إعلان نتائج الانتخابات، قائلا إنه يؤدي "عملا جيدا للغاية"، نافيا وجود توجه لإقالته.

ووفق تقرير لوكالة "رويترز" الأربعاء 4 نوفمبر، جاء موقف ترامب متزامنا مع تزايد التكهنات بشأن مستقبل هيغسيث، إذ نقلت الوكالة عن مستشار للرئيس أن الوزير قد يكون ضمن قائمة المسؤولين المعرضين للاستبدال، مضيفا أن شخصا ما سيتحمل المسؤولية السياسية عن الحرب، وأن ترامب لن يكون ذلك الشخص.

لكن الوكالة نقلت أيضا عن ترامب تأكيده عدم تفكيره في استبدال وزير الحرب، فيما أحال البيت الأبيض الوكالة إلى تصريحات الرئيس العلنية بهذا الشأن.

وتكشف هذه المعطيات عن مسارين متوازيين داخل الإدارة: الأول يتمثل في تمسك ترامب شخصيا بهيغسيث وثقته به، والثاني في إدراك بعض مستشاريه أن استمرار الوزير في منصبه قد يجعل البنتاغون محوراً لتحقيقات وانتقادات سياسية متصاعدة، خصوصاً مع انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين.

وتكتسب المقارنة مع تجربة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن دلالة سياسية في هذا السياق؛ إذ أقال وزير الدفاع دونالد رامسفيلد في اليوم التالي لانتخابات التجديد النصفي عام 2006، بعدما شكلت حرب العراق عاملاً أساسياً في خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس. غير أن ترامب اختار حتى الآن مساراً مختلفاً، معلناً دعمه لهيغسيث بدلاً من تقديم تنازل سياسي سريع لاحتواء تداعيات الحرب. 

هل يواجه هيغسيث عزلا فعليا أم ضغطا سياسيا؟

على المستوى التشريعي، انتقلت الضغوط على هيغسيث من التصريحات والانتقادات إلى مسار أكثر جدية. فقد أعلن النائب الجمهوري توماس ماسي عزمه إعادة طرح مواد عزل وزير الحرب والتسبب في تصويت داخل مجلس النواب فور عودة الكونغرس إلى الانعقاد الأسبوع المقبل، ما لم يقدم هيغسيث استقالته.

وكان ماسي قد تقدم بالفعل في سبتمبر الماضي بمواد لعزل الوزير، متهماً إياه بإساءة استخدام منصبه من خلال تنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران دون الحصول على موافقة الكونغرس.

وبحسب "سي إن إن"، يتوقع عدد من المصادر الجمهورية تمرير التصويت المرتقب في مجلس النواب، وهو تطور يكتسب أهمية خاصة لأنه يعكس استعداد بعض الجمهوريين للانضمام إلى تحرك يستهدف مسؤولاً في إدارة حزبهم، بدلاً من الاكتفاء بالانتقادات السياسية.

لكن جدية هذا المسار تحتاج إلى التمييز بين ثلاث مراحل مختلفة: طرح مواد العزل والتصويت عليها في مجلس النواب، ثم إحالة القضية إلى مجلس الشيوخ لمحاكمة الوزير، وصولاً إلى إدانته وعزله، وهي مراحل لا تعني إحداها بالضرورة تحقق الأخرى.

فتمرير قرار العزل في مجلس النواب يتطلب أغلبية بسيطة، بينما تتطلب الإدانة في مجلس الشيوخ أغلبية الثلثين، ما يجعل إبعاد هيغسيث نهائياً عبر هذا المسار أكثر تعقيداً من مجرد تمرير التصويت الأولي.

كما أن تحرك ماسي لا يمثل وحده موقفاً جماعياً للحزب الجمهوري، لكنه يكتسب وزناً إضافياً مع وجود انتقادات علنية من أعضاء جمهوريين آخرين، بينهم السيناتور توم تيليس، الذي اعتبر أن على الكونغرس إعادة تقييم قدرة هيغسيث على إدارة العلاقة مع المشرعين وتأمين الدعم اللازم لميزانية الدفاع المقترحة.

وعليه، فإن التصويت المرتقب قد يتحول إلى اختبار سياسي لمدى تماسك الجمهوريين خلف وزير الحرب، حتى إذا لم يصل إلى إقالته فعليا.

الكونغرس الديمقراطي يفتح جبهة جديدة ضد البنتاغون

ولا تقتصر المخاطر التي تواجه هيغسيث على التحرك الجمهوري، إذ يستعد الديمقراطيون، بعد فوزهم بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، لتوسيع الرقابة البرلمانية على وزارة الحرب مع بدء الكونغرس الجديد أعماله في يناير المقبل.

وتشمل الملفات المحتملة إدارة الحرب على إيران، والتغييرات التي أجراها هيغسيث في القيادات العسكرية العليا، وسياسة واشنطن تجاه أوكرانيا، فضلاً عن الضربات الأمريكية ضد قوارب يُشتبه في استخدامها لتهريب المخدرات في المياه القريبة من أمريكا اللاتينية.

ووفق "رويترز"، تعهد الديمقراطي آدم سميث، المرشح لرئاسة لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، بممارسة رقابة مكثفة على أداء الوزارة، بما يشمل ما وصفه بتراجع الطابع غير الحزبي للمؤسسة العسكرية.

وتكمن أهمية هذه الجبهة في أنها تمنح خصوم هيغسيث منصة رسمية لاستدعاء المسؤولين ومراجعة القرارات العسكرية ومساءلة قيادة البنتاغون، بدلاً من الاقتصار على المواجهة الإعلامية والسياسية.

كما أن هذه التحقيقات قد تضع ترامب نفسه أمام أسئلة بشأن دوره في اتخاذ قرار الحرب، ومدى استناده إلى تقديرات عسكرية واضحة، وهو ما يفسر جزئياً حساسية الرئيس تجاه المطالب بإبعاد وزيره. 

أزمة تتجاوز مصير وزير الحرب

لا يبدو أن إبعاد هيغسيث، حتى لو تحقق، سيكون كافياً لإنهاء الأزمة السياسية التي تواجه إدارة ترامب. فالمسألة الأساسية تتعلق بقرار الحرب على إيران، وأهدافها، وكلفتها، وغياب تصور واضح بشأن إنهائها، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالرئيس وليس بوزير الحرب وحده.

ويعني تحويل هيغسيث إلى كبش فداء أن الجمهوريين قد يسعون إلى الفصل بين المسؤولية التنفيذية عن إدارة العمليات والمسؤولية السياسية عن قرار شنها، بما يسمح باحتواء جانب من الغضب الانتخابي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع ترامب.

لكن هذا الخيار يحمل مخاطر بدوره، إذ إن استبدال وزير الحرب قد يفتح الباب أمام مراجعة أوسع للاستراتيجية الأمريكية، بينما قد يؤدي الإبقاء عليه إلى استمرار استهداف البنتاغون برلمانيا، وتعقيد قدرة الإدارة على تمرير أولوياتها الدفاعية.

وفي الوقت نفسه، لا تمنح خسارة الجمهوريين الانتخابات الديمقراطيين سلطة مباشرة لإنهاء الحرب أو تغيير قيادة البنتاغون، لكنها تتيح لهم أدوات رقابية وتشريعية أوسع، وتضع الإدارة أمام بيئة سياسية أكثر صعوبة خلال العامين المتبقيين من ولاية ترامب.

وبذلك، تبدو أزمة هيغسيث اختباراً مبكراً لقدرة ترامب على حماية فريقه من تداعيات قراراته العسكرية، ولحدود الولاء داخل الحزب الجمهوري عندما تتحول كلفة السياسة الخارجية إلى خسارة انتخابية. وبين تمسك الرئيس بوزيره ومحاولات تحميله المسؤولية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان هيغسيث سيغادر منصبه، بل ما إذا كانت إدارة ترامب قادرة على تجاوز تداعيات الحرب دون إعادة النظر في مسارها.

يذكر أن شبكة "سي بي إس نيوز" الأمريكية أفادت بأن الرئيس ترامب يستطلع آراء مستشاريه بشأن إقالة وزير الحرب هيغسيث، عقب الهزيمة التي مني بها الجمهوريون في انتخابات الكونغرس.

المصدر: CNN + روسيا اليوم (RT)

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا