وفي مقال نشرته صحيفة "معاريف" العبرية، قالت الخبيرة معيان بشان: "بذل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كل ما في وسعه مساء أمس (الاثنين) على منصة المؤتمر الصحفي ليبث للجمهور الإسرائيلي وللعالم صورة نصر مطلق. وتحدثت الكلمات التي تم اختيارها بعناية عن إزالة تهديد وجودي، وعن إنجازات تاريخية وعن صمود وطني".
إلا أنه "في حين سعى عبر الخطابة المكتوبة إلى رسم واقع مستقر وآمن، فإن جسده -أداة عمله الأكثر مهارة على مدار الأعوام الثلاثين الماضية- كشف قصة مختلفة تماما. فوتيرة التأطير اللفظي، دارت على المنصة دراما غرائزية من الضغط، والغضب، والجهد الفائق لضبط النفس".
وعند "تفكيك" ظهور نتنياهو طوال المقابلة والمؤتمر الصحفي، تتكشف "أربعة أنماط سلوكية فسيولوجية رئيسية تعري المظهر الرسمي وتعرض الحقيقة العاطفية'، حيث أوضحت الخبيرة ذلك كالآتي:
وضعية الهجوم مقابل آليات التهدئة: الحرب بين اليمين واليسار
طوال المقابلة، كان من الواضح أن نتنياهو بعيد كل البعد عن الهدوء. في الواقع، لقد كان يعمل في وضع هجومي واضح، حيث غطت وجهه مرارا وتكرارا تعبيرات دقيقة وخاطفة من الغضب، لاسيما في مواجهة أسئلة الصحفيين.
إلا أن العنصر المثير للاهتمام حقا والذي لفت انتباهي كان الفروق الفسيولوجية الدقيقة للتهدئة الذاتية، والتي كشفت عن شدة العاصفة الداخلية. وكانت العلامة الأولى هي التشبث بالمنصة، حيث لم يكن مسترخيا بل عكس توترا عضليا مرتفعا للغاية. إن كفّي اليدين اللتين انغلقتا بقوة على خشب المنصة لم تكن الغاية منهما تثبيت الجسد فحسب، بل دلّتا على تأهب فسيولوجي متزايد وعلى محاولة نشطة لكبح عاصفة داخلية والحفاظ على السيطرة.
لكن الإيماءة الأكثر دراماتيكية، والتي تكررت طوال الخطاب، كانت وضعية كفّي اليدين: فقد قبض نتنياهو كف يده اليسرى على شكل قبضة، ثم غلفها بقوة باستخدام كف يده اليمنى.
في التحليل السلوكي، نعلم أن الجانب الأيسر من الجسد يعكس ويعبر عن عالمنا العاطفي، ويمثل الجانب الأيمن الجزء العقلاني والتنفيذي والقوي في الشخصية. وعندما تغلف كف اليد اليمنى وتغطي قبضة اليد اليسرى بهذا الشكل، فإن التفسير المهني يكون واضحا: هناك عاصفة عاطفية هائلة تحدث داخل نتنياهو. الكيان الأيمن، المخطط والعقلاني في بنية شخصيته، يجد نفسه مضطراً لـ "تولي القيادة" على العاطفة المتفجرة، واحتجازها بشكل نشط ومحاولة إخماد نيرانها.
إلى جانب هذه الآلية، برزت إيماءة أخرى تكررت - وهي تشبيك كفّي اليدين بحيث تكون الأصابع متداخلة مع بعضها البعض بقوة. كخبيرة في لغة الجسد، فإن هذه الوضعية مألوفة لدي جيداً كحالة كلاسيكية لـ "القفل النفسي" - وهو فعل مادي يوقف فيه الشخص المشاعر السلبية القوية، أو الإحباط أو التوتر، ويمنعها جسدياً من الانفجار والظهور.
وهذا التشخيص يحظى بالطبع بدعم مطلق في الأبحاث الرائدة عالميا في مجال التحليل غير اللفظي؛ بدءا من جو نافارو (المسؤول الرفيع السابق في الـ FBI) الذي يعرّف ذلك بأنه مؤشر واضح على التسامي والتوتر (Stress Indicator) حيث إنه كلما زاد الضغط قوة، كانت محاولة حجب العاطفة السلبية أكثر كثافة، ووصولا إلى الباحثين ألان وباربرا بيز اللذين وجدا أن هذه وضعية "إحباط مكبوت"، تميز السياسيين الذين يمسكون أنفسهم بالقوة كي لا يستجيبوا بعدوانية. وجسد نتنياهو، بهذا المعنى، رفض ببساطة التعاون مع النص المسترخي للنصر.
خلف تصريحات النصر: إيماءة التوسل اللاشعورية
ثمة إيماءة أخرى غير عادية، تكاد لا تصدق، ترتبط بمحاولة نتنياهو الهوسية لخلق إقناع يتجاوز الكلمات نفسها بكثير. فخلال المؤتمر الصحفي أدلى بتصريحات مختلفة هدفت إلى تعداد وتبرير أفعاله، مثل: "يجب الفهم بأن إيران كانت تركض نحو السلاح النووي وأنا أوقفتهم". ولكن في لحظات الذروة هذه بالذات، خان الجسد الرسالة القيادية.
بينما يلفظ هذه الكلمات القوية، أو عندما يمارس إستراتيجيته الثابتة في التخويف ويحذر من أن "بوابات إسرائيل كان يمكن أن تتحول إلى ركام"، التصقت كفا يديه ببعضهما البعض في حركة تشبه الصلاة أو طلب المساعدة - وهي إيماءة توسل كلاسيكية. النص الخفي لهذه الوضعية واضح تماماً، هذا رجل يتوسل لكي يقتنعوا بكلماته المنطوقة.
لقد رأينا هذا مرارا وتكرارا، حتى عندما صرح بالحقائق بشأن الموضوع الأكثر حساسية: "لقد أعدنا جميع المختطفين". الكلمات تقول "أنا أعدت، انظروا ماذا فعلت"، لكن لغة الجسد تصرخ: "أرجوكم، أنا أتوسل، اقبلوا هذا، واعترفوا بإنجازي". إن الانتقال الحاد بين خطاب القوة وبين فسيولوجية التوسل يشير إلى فجوة عميقة بين الصورة العامة وبين الحاجة الماسة إلى نيل الاعتراف والتأييد.
عندما تنهار الآلية الصوتية: الصراع بين العقل والعاطفة
كان العنصر الأكثر إثارة للقلق في ظهور رئيس الوزراء مساء أمس مرتبطا بصوته. فطوال المقابلة، سُجلت أربع لحظات مختلفة على الأقل واجه فيها نتنياهو صعوبة في نطق الكلمات بشكل واضح وارتبك تماماً في هجائها والتعبير عنها. هذه ظاهرة لا تميزه على الإطلاق - إذ "يُعتبر نتنياهو، وبحق، أحد أكثر الخطباء صقلا وفصاحة في السياسة العالمية".
ولكي ندرك ما حدث هناك، يجب أن نفهم فسيولوجيا الصوت. إن إنتاج الكلام هو عملية معرفية معقدة، تتأثر مباشرة بالسؤال حول من يدير المنظومة في تلك اللحظة، العقل أم العاطفة. وعندما يكون الشخص في عاصفة عاطفية ونفسية هائلة، ولكنه يطالَب ببث رباطة جأش، والتحدث بمنطق وممارسة التفكير السليم أمام الكاميرات، ينشأ في الدماغ صراع جبابرة: من سيتولى القيادة على آلية الكلام؟ ما هي الكلمات التي سيتم اختيارها وبأي طريقة ستُقال؟
هذا الصراع اللاشعوري هو ما يخلق حالات الانسداد، وكثرة الـ "أمم..." والمقاطع الصوتية المتقطعة، بل وقد يشوش تماما القدرة على نطق الكلمة بطريقة متماسكة. وإذا تركنا جانبا للحظة السيناريوهات الفسيولوجية الأخرى المقلقة مثل السكتة الدماغية، فإن التفسير السلوكي يشير إلى شيء واحد: ضغط شديد بشكل غير مسبوق.
إنها مستويات من التوتر عالية جداً لدرجة أنها زعزعت مساء أمس حتى الأسس العاطفية والصوتية لرجل صمد حتى اليوم أمام ضغوط يصعب على الشخص العادي تخيلها.
هندسة الوعي على المنصة: زرع الرسالة اللاشعورية
إحدى الأدوات الرائعة التي أدرّسها عندما أحلل لغة الجسد هي الطريقة التي يمتلك بها السياسيون المهرة القدرة على زرع رسائل لاشعورية تم التخطيط لها مسبقا، من بين الكلمات ومن داخل النص الخفي، عبر إيماءات جسدية دقيقة. ومساء أمس حصلنا على صورة مثالية لذلك!
فقد صرح نتنياهو: "لقد غيرنا كل عقيدتنا الأمنية، وغيرنا أنفسنا أيضا". ولكن في اللحظة الدقيقة التي نطق فيها بكلمات "وغيرنا أنفسنا أيضاً"، قام بحركة واضحة بكلتا يديه بشكل متطابق وأشار إلى صدره، إلى نفسه. وبهذا الفعل، زرع نتنياهو في عقول المشاهدين رسالة لاشعورية محددة: أنا تغيرت.
من واقع خبرتي المهنية، وخلال سنوات طويلة حللت فيها العديد من السياسيين من جميع أنحاء العالم ونتنياهو بشكل خاص، لم يكن هذا الفعل عفويا. لقد استهدف الإشارة والضمان سياسيا بأنه لن يكون هناك رحيل جماعي للمصوتين من قاعدته الانتخابية، كل أولئك المؤيدين الذين خاب أملهم أو يئسوا منه نهائيا خلال ولايته الحالية. ومن خلال هذه الإيماءة، أرسل إشارة مباشرة إلى لاوعيهم: "لقد فهمت، وتغيرت، وواكبت هذه الفترة الصعبة"، وكل ذلك جنبا إلى جنب مع التأكيد اللفظي على أن المنظومة الأمنية برمتها قد تغيرت وتكيفت مع الواقع الجديد.
خلاصة
كما هو الحال دائما، عندما يتعلق الأمر ببنيامين نتنياهو، فإن الدراما الحقيقية لا توجد أبدا في النص المكتوب الذي يتم توزيعه على المراسلين السياسيين، بل في الفجوة بين الكلمات والجسد. ومساء أمس، "تمددت الآليات الأكثر مهارة للقائد المتمرس حتى الحد الأقصى لحدودها الفسيولوجية، تاركة لنا، نحن المشاهدين، لمحة نادرة عما يحدث حقا خلف كواليس المنصة".
المقالة تعبر فقط عن رأي معيان بشان، المتخصصة في مجال لغة الجسد، قراءة ملامح الوجه (الفراسة)، وتحليل السلوك البشري.
المصدر: "معاريف"