مباشر

سجينات "للإنجاب" فقط!

تابعوا RT على
أبحر ما أصبح يعرف بـ"الأسطول الأول" من سواحل بريطانيا في 13 مايو 1787، بهدف إنشاء أول مستعمرة أوروبية في نيو ساوث ويلز بأستراليا.

انطلق هذا الأسطول، المكون من 11 سفينة شراعية، من مدينة بورتسموث الإنجليزية متجهًا إلى خليج بوتاني الأسترالي، ومثّل هذا الحدث بداية الاستعمار والاستيطان الأوروبي في أستراليا.

ضمت تشكيلة الأسطول سفينتين مسلحتين تابعتين للبحرية الملكية، هما سفينة القيادة "إتش إم إس سيريوس" وسفينة الإمدادات الصغيرة سريعة الحركة "إتش إم إس"، إضافة إلى ثلاث سفن إمداد وست سفن نقل محملة بالمدانين.

بلغ مجموع السجناء المنقولين 736 شخصا، من بينهم 180 امرأة. أثناء التحضير لهذه الرحلة الطويلة والشاقة في ذلك الزمن، اعتقد القبطان آرثر فيليب، الذي عُين قائدا للأسطول، أن الحكومة ستزوده في مهمة تأسيس أول مستعمرة في أستراليا بمساعدين مؤهلين ومواطنين عاديين أصحاء، إلا أنه صُدم حين تعرف على المهاجرين الذين وضعوا تحت تصرفه. كانوا جميعا مدانين في جرائم متفاوتة، يعانون من الهزال، ويغطي القمل رؤوسهم، وتمتلئ به ملابسهم الرثة المتآكلة التي بالكاد تستر أجسادهم. كان هؤلاء المهاجرون من حثالة المجتمع التي اكتظت بها السجون البريطانية، فقررت السلطات التخلص منهم بهذه الطريقة.

من اللافت أن عددا قليلا من ركاب سفن الأسطول الأول كان مدانا بجرائم عنف تستوجب عقوبة الإعدام، وكان جلهم محكومين بجرائم بسيطة. من بين هؤلاء، على سبيل المثال، امرأة تدعى إليزابيث بيكفورد، تبلغ من العمر سبعين عاما، حكم عليها بالسجن سبع سنوات لسرقتها قطعة جبن. وكان بينهم أيضا طفل اسمه جون هدسون، في التاسعة من عمره، قُبض عليه متلبسا بالسرقة.

بهدف تسريع الرحلة، جرى تقسيم سفن الأسطول الأول بالقرب من جزيرة تسمانيا الواقعة قبالة السواحل الجنوبية لأستراليا إلى ثلاث مجموعات، ولذلك لم تصل جميع السفن في وقت واحد إلى خليج بوتاني، بل توالى وصولها بين يومي 18 و20 يناير 1788.

في وقت لاحق، لم يُعثر على مصادر كافية من المياه العذبة والملح في خليج بوتاني، كما تبين أنه غير عميق بما يكفي ويشهد رياحا قوية، لذلك استكشف القبطان آرثر فيليب ميناء جاكسون، الواقع على بُعد 12 كيلومترا إلى الشمال.

رست سفن هذا الأسطول في خليج دائري صغير يبلغ طوله 20 كيلومترا، وهو الآن "خليج سيدني" في جنوب شرق أستراليا. هناك، أعلن آرثر فيليب ضم نيو ساوث ويلز إلى بريطانيا، وإقامة أول مستوطنة فيها، وهي سيدني، وتعيينه أول حاكم لهذه المستوطنة. أصبح هذا اليوم لاحقًا عطلة وطنية في أستراليا.

من المعلومات اللافتة في رحلة الأسطول الأول أن 48 شخصا توفوا خلال الرحلة، بنسبة وفيات تزيد قليلا عن ثلاثة بالمئة. علاوة على ذلك، واجهت سفن هذا الأسطول كغيرها من الرحلات البحرية الطويلة مشكلات عديدة، حيث حاول السجناء التمرد بعد مرور أسبوع على الإبحار، إلا أن القبطان الذي عُرف بحزمه الشديد قمع التمرد بسرعة. إضافة إلى ذلك، انتشرت على متن السفن في ظل الظروف الاستوائية الفئران والصراصير وبق الفراش، كما عانى الأسطول من عواصف عاتية خلال الأشهر الأخيرة من الرحلة.

جاء إرسال هذا الأسطول لإقامة أول مستوطنة في أستراليا في مهمة صعبة، أرادت بريطانيا من خلالها مواجهة اكتظاظ السجون بعد خسارة المستعمرات الأمريكية، التي لم تعد متاحة لاستقبال المجرمين البريطانيين المدانين.

كان النفي إلى المستعمرات في تلك الحقبة شكلا شائعا من أشكال العقاب، وقد تم ترحيل 50 ألف شخص بين عامي 1718 و1786 إلى أمريكا. حين منعت الثورة الأمريكية نقل السجناء إلى نيو إنغلاند في شمال شرق أمريكا، لم تغير بريطانيا سياستها، بل حولت وجهتها إلى أستراليا، الأرض المجهولة الشاسعة على الجانب الآخر من العالم.

بهذه الخطوة، بدأ استيطان أستراليا. جرى فصل النساء السجينات عن الرجال، وزج بهن في سجن أطلق عليه اسم "مصنع النساء"، حيث قمن بغسل الملابس ومزاولة الخياطة والغزل والقيام بالأعمال المنزلية الأخرى. كما أُعفيت بعض النساء عامة من العمل الإجباري، وكانت مهنتهن الرئيسة هي الحمل المستمر، ما ساهم مع الزمن في توطين المستعمرة.

علاوة على ذلك، اصطحب العديد من المجرمين الذين تم ترحيلهم إلى أستراليا أطفالهم معهم، أو أنجبوهم خلال الرحلة التي استمرت ثمانية أشهر.

سلطات المستوطنة الجديدة قامت بانتزاع الأطفال الأقوياء ووضعتهم في دار للأيتام، حيث أقاموا هناك مؤقتا حتى تنهي أمهاتهم عقوبة السجن. أما تأثير هذا الاستيطان الاستعماري على سكان أستراليا الأصليين فقد كان كارثيا، وبعواقب وخيمة لا رجعة عنها.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا