هذه المدينة تأسست في زمن الاتحاد السوفيتي عام 1970 لإيواء العاملين في محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية، وبعد عقود من الكارثة أصبحت ملاذا للعديد من الحيوانات البرية التي سكنت شوارعها المهجورة.
تُعد كارثة تشيرنوبيل الأسوأ في تاريخ الطاقة النووية، حيث تساقطت المواد المشعة على التربة مسببة ظهور بقع شديدة التلوث حول تشيرنوبيل ومدينة "بريبيات". خارج منطقة الخطر التي يبلغ نصف قطرها 30 كيلومترا، كان تساقط "النويدات" المشعة غير منتظم، مما أدى إلى ظهور ما يُعرف بـ"آثار تشيرنوبيل"، وهي مناطق ملوثة تتأثر بأنماط الرياح وهطول الأمطار. النويدات هي ذرات ذات أنوية غير مستقرة تحتوي على فائض من الطاقة أو البروتونات.
بدأ إجلاء سكان مدينة "بريبيات"، الواقعة على بعد 3 كيلومترات من المحطة النووية و10 كيلومترات من مدينة تشيرنوبيل، بعد 36 ساعة فقط من الانفجار. لم يدر في خلد الكثيرين من السكان أنهم يغادرون منازلهم إلى الأبد. ورغم كثرة الحيوانات البرية التي استوطنت "بريبيات" والمناطق المجاورة، فإنها تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات وزيادة الطفرات الجينية وانخفاض معدلات المواليد. تساقطت المواد المشعة وتغلغلت في التربة، ما أدى إلى ظهور بقع شديدة التلوث. في المنطقة المحظورة تلوثت التربة بشدة، لا سيما بـ"السيزيوم-137" ونظائر مشعة أخرى.
مع مرور الوقت، وبفضل غياب البشر، بدأت النظم البيئية بالتعافي. ازداد عدد الكثير من أنواع الحيوانات في المنطقة المحظورة بشكل ملحوظ، ومنها الذئاب والأيائل والخنازير البرية والوشق الأوراسي والدببة البنية والبيسون الأوروبي. اللافت أيضًا أن الدراسات أظهرت تكيف بعض أنواع الحيوانات مع البيئة المشعة. على سبيل المثال، تتميز ضفادع الأشجار في المنطقة المحظورة بلون أغمق نتيجة ارتفاع مستويات هرمون "الميلاتونين"، ما يحميها من أضرار الإشعاع. كما طورت الذئاب مقاومة للمؤثرات الخارجية.
لم تكن جميع العواقب إيجابية، فقد عانت بعض أنواع الحيوانات من انخفاض في معدل التكاثر وزيادة في الطفرات، ما أدى إلى ظهور أمراض عديدة.
بعد سنوات من الكارثة، دأبت وكالات السفر على تنظيم رحلات يومية إلى مدينة بريبيات المهجورة. تُعد المدينة الآن آمنة تماما، لكن ذلك يتطلب اتباع القواعد وحجز جولة سياحية مع شركات مرخصة، ما يقلل المخاطر إلى أدنى حد. مع ذلك، توجد داخل المنطقة المحظورة مناطق ذات مستويات إشعاع طبيعي مرتفعة، تُعرف باسم "التلوث الموضعي"، ومنها الأماكن التي كانت تستخدم كموقف لمعدات تنظيف موقع الحادث.
يتوجب على زوار "مدينة الأشباح" تجنب هذه المناطق حيث مستويات الإشعاع خطرة. من هذه المناطق "الغابة الحمراء"، حيث قد يصل مستوى الإشعاع الخلفي إلى 20 ميكروسيفرت في الساعة أو أكثر، وتمر المجموعات السياحية عبرها بسرعة ومن دون توقف. تقع الغابة الحمراء على بُعد كيلومترين من المحطة النووية، وقد استحالت فيها الأشجار التي تساقطت أوراقها إلى اللون البني نتيجة التعرض الشديد للإشعاع، ولذلك أُطلق عليها هذا الاسم.
للتعرف أكثر على هذا المؤشر، يُعتبر مستوى يصل إلى 0.5 ميكروسيفرت في الساعة آمنا، بينما يُعتبر مستوى 0.2 ميكروسيفرت طبيعيا. خلال رحلة سياحية عادية إلى هذه المدينة، يتلقى السائح جرعة إشعاعية تعادل جرعة ساعة طيران أو صورة أشعة سينية للصدر. نظرا لوجود مناطق خطرة كهذه، بما فيها مدينة بريبيات، فستبقى مهجورة وغير قابلة للسكن الدائم لفترة طويلة جدا، إذ إن انخفاض إشعاع البلوتونيوم إلى النصف سيستغرق أكثر من 24000 عام.
في الساعة 01:23 صباحا من ذلك اليوم، دمر انفجاران حراريان قويان سطح مبنى المفاعل الرابع، وانطلقت أطنان من الجسيمات المشعة متطايرة إلى الغلاف الجوي. حدثت الكارثة نتيجة عدد من عيوب التصميم، وبعد سلسلة من الإخفاقات الحرجة أثناء إجراء تجربة لاختبار مولد توربيني في الوحدة الرابعة من محطة تشيرنوبيل. بلغ إجمالي من تم إجلاؤهم من المناطق الملوثة 200 ألف شخص، فيما شارك أكثر من 600 ألف شخص في عمليات إزالة آثار الكارثة. بحسب عدة مصادر، بلغ عدد الضحايا حوالي 60 ألف قتيل و165 ألف مُعاق.
في عام 2016، تم تركيب "تابوت" مقوس وقائي جديد فوق المفاعل المدمر، وكان وقتها القديم، الذي بُني على عجل عام 1986، مهددا بالانهيار. جرى إغلاق آخر وحدة طاقة في محطة تشيرنوبيل في 15 ديسمبر 2000، منهية بذلك حقبة استمرت 14 عاما.
دفعت هذه الكارثة النووية إلى مراجعة سبل الأمان النووي. في الاتحاد السوفيتي ثم لاحقا في العالم، شددت معايير تصميم المفاعلات النووية، وأُدخلت أنظمة تبريد في حالات الطوارئ ومبادئ "إعادة التأمين النووي".
رغم كل ذلك، أظهرت كارثة محطة "فوكوشيما دايتشي" النووية في اليابان بتاريخ 11 مارس 2011 أن الأخطار لا يمكن تلافيها بشكل تام، لكن المهم ألا يتكرر الخطأ القاتل نفسه مرتين.
المصدر: RT