تُعرف هذه الحادثة المأساوية أيضا باسم "مذبحة جاليانوالا باغ"، حيث أطلقت القوات البريطانية النار بشكل مباشر على حشد كبير أعزل من الرجال والنساء والأطفال، ما أدى إلى سقوط المئات بين قتيل وجريح. لقد شكلت هذه المجزرة منعطفا حاسما غيّر مسار حركة الاستقلال الهندية بشكل جذري، وأحدث صدعا عميقا في العلاقة بين الشعب الهندي والإمبراطورية البريطانية.
تضافرت عوامل عدة لخلق مناخ متوتر في أمريتسار خلال أبريل 1919، وكان أبرزها قانون "رولات" الذي صدر في مارس من العام نفسه، في محاولة من الحكومة البريطانية لقمع النزعة القومية المتصاعدة. وسّع هذا القانون نطاق الإجراءات الاستثنائية التي كانت سارية خلال الحرب، مثل السجن دون محاكمة وتقييد حرية الصحافة، ما أشعل احتجاجات واسعة.
في العاشر من أبريل، أدى اعتقال اثنين من القادة المحليين في أمريتسار إلى مظاهرات عنيفة راح ضحيتها خمسة أوروبيين، وتعرضت مؤسسات بريطانية متعددة للهجوم. ردا على ذلك، فرضت السلطات البريطانية الأحكام العرفية، وحظرت التجمعات العامة، وكُلف العميد ريجينالد داير بإعادة النظام.
بعد ظهر يوم 13 أبريل، تجمع حشد كبير في حديقة عامة مسورة تدعى "جاليانوالا باغ"، وقدر عددهم بين 15 ألفا و20 ألف شخص. بينما كان بعضهم يحتج سلميا على الاعتقالات وقانون رولات، كان كثيرون آخرون غير مدركين للحظر الجديد، وكان حضورهم هدفه الاحتفال بمهرجان "بيساخي" السنوي للسيخ.
كانت الحديقة محاطة بالكامل تقريبا بجدران المنازل، ولا تحتوي سوى على مداخل ضيقة قليلة، ما جعلها ساحة قتل يصعب الخروج منها. وصل الجنرال داير فجأة برفقة خمسين جنديا، وأمرهم بإطلاق النار مباشرة على الحشد دون سابق إنذار. استمر إطلاق النار بين عشر وخمس عشرة دقيقة، وقدر عدد الرصاصات التي أطلقت بنحو 1650 طلقة على الحشد المذعور الذي لم يجد مفرا.
سجلت الأرقام البريطانية الرسمية مقتل 379 شخصا وإصابة نحو 1200 آخرين، بينما تحدثت تقديرات المؤتمر الوطني الهندي عن أكثر من ألف قتيل وما يزيد على 1500 جريح. لم تتوقف أعمال القمع عند هذا الحد، بل استمرت في الأيام التالية، حيث فرض الجنرال داير "عقوبات" قاسية على السكان، من بينها إجبار الهنود على الزحف على أيديهم وركبهم في الشارع الذي تعرض فيه مبشر بريطاني لهجوم.
أجرت الحكومة البريطانية تحقيقا عُرف بلجنة هانتر، انتقدت فيه العميد داير بسبب "مفهومه الخاطئ للواجب"، وأجبر على الاستقالة من الجيش، لكنه عاد إلى بريطانيا بطلا في نظر العديد ممن أيدوا "هيبة" الإمبراطورية.
شكّلت هذه المذبحة نقطة تحول حاسمة في الحكم البريطاني للهند، إذ دمرت اعتقاد الكثير من الهنود المعتدلين بأن بريطانيا قد تتغير يوما ما وتعاملهم بعدالة أو تمنحهم حكما ذاتيا.
النتيجة الهامة لهذه المذبحة أنها أشعلت شرارة "حركة عدم التعاون" بين عامي 1920-1922، وهي أول حملة وطنية للمقاومة السلمية بقيادة المهاتما غاندي ضد الحكم البريطاني.
لقد صدمت الوحشية التي عامل بها البريطانيون الهنود العالم بأسره، حتى أن ونستون تشرشل، الذي كان يشغل منصب وزير الدولة لشؤون الحرب، وصفها بأنها "حدث مروع". رغم كل هذا، رفضت الحكومة البريطانية رسميا الاعتذار وتحمل المسؤولية عن المذبحة، واستمر هذا الموقف حتى الذكرى المئوية للمأساة عام 2019، حيث اكتفت رئيسة الوزراء وقتها، تيريزا ماي بالقول إن الحكومة "تأسف بشدة" للحادث، ووصفته بأنه "ندبة مخزية" في التاريخ البريطاني.
المصدر: RT