منذ اللحظات الأولى لإعلانه الحرب، أدلى ترامب بتصريحات مبهمة ومتناقضة بشأن مدة استمرار الولايات المتحدة في القتال في إيران، والهدف النهائي للحملة العسكرية الأمريكية هناك، مما جعل المراقبين في حيرة من أمرهم حول ما إذا كانت واشنطن تسعى لتغيير النظام أم تدمير قدرات محددة أم مجرد إرسال رسالة ردع.
ترامب بدا واثقا من نفسه تماماً في خطابه التلفزيوني حين بدأ الحرب مع إسرائيل في 28 فبراير 2026، مخاطباً الإيرانيين قائلا: "يا شعب إيران العظيم، يا من تفخرون بأنفسكم، أقول لكم اليوم إن ساعة حريتكم قد اقتربت. ابقوا في منازلكم، ولا تخرجوا منها؛ فالوضع في الخارج شديد الخطورة. ستسقط القنابل في كل مكان. وعندما ننتهي، استولوا على البلاد".
هذا الخطاب الحماسي، أكد بوضوح أن الهدف هو إسقاط النظام. لكن المفاجأة جاءت سريعا، إذ لم يمض وقت طويل على ذلك الخطاب حتى أعلن ترامب فجأة أن إسقاط النظام في إيران "ليس الهدف الأساس للحرب"، واستعرض بين الأهداف، القدرات الصاروخية والنووية لإيران، وقواتها الجوية والبحرية، دون أن يتطرق إلى النظام ذاته أو مصير المرشد الأعلى.
هذا التناقض الصارخ لم يكن الوحيد في سلوك ترامب خلال أسابيع الحرب الماضية، إذ ظل يتأرجح بين نقيضين متباعدين. في لحظة يتوعد طهران بالقضاء التام على نظامها الذي يصفه بالاستبدادي، وفي اللحظة التالية، على النقيض تماما، يحاول إيجاد سبل لإنهاء هذه الحرب الشعواء على إيران والتي لا تحظى بشعبية كبيرة داخل الولايات المتحدة، محاولا تجنب التورط أكثر في حرب طويلة ومكلفة جدا. استخدم في ذلك تعبيرات يمكن القول عنها إنها غريبة فعلا، إذ لم يتردد رئيس البيت الأبيض في القول إن السلطات الإيرانية تتوسل للتوصل إلى اتفاق، ووصف مضيق هرمز بأنه "مضيق ترامب".
على سبيل المثال أيضا، أكد الرئيس الأمريكي أن "النظام الإيراني نفسه سيعترف بهزيمته" ودعا إلى اتفاق سلام، لكن كل هذه التصريحات تتالى فيما تنفي طهران رسميا أي اتصال مع واشنطن، وأي اعتراف بالهزيمة. هذا الانفصال عن الوقائع الميدانية دفع مسؤولا أمريكيا إلى القول إن الرئيس ترامب قرر إعلان النصر على إيران لمجرد أنه سئم من هذه الحرب. هذا المصدر المطلع في البيت الأبيض نقلت عنه قناة تلفزيونية، أن " ترامب أصبح يشعر ببعض الملل من إيران"، ولذلك قرر "إعلان النصر والمضي قدما"، وكأن الحرب مجرد نزهة يمكن إنهاؤها بجرة قلم، وتجاهل كل الخسائر والتعقيدات على الأرض.
هذا المصدر أشار أيضا إلى أن العديد من السياسيين الأمريكيين يعتبرون مزاعم ترامب بأن الحرب قد حُسمت "مُربكة، ومتناقضة داخليا، ومنفصلة بشكل متزايد عن الواقع على أرض المعركة". بينما تشتعل الجبهات وتتكبد القوات الأمريكية خسائر، يتحدث ترامب وكأن النصر أصبح في جيبه. الأكثر غرابة أنه بعد أن أشعل الحرب مع نتنياهو ضد إيران، طالب الدول المتضررة في المنطقة "بالدفاع عن أراضيها لأنها أراضيها"، متنصلا من أي التزام أمريكي بحماية حلفائه.
اللافت أيضا أن ترامب يواصل الحرب "المتعثرة" ضد إيران، وفي الوقت نفسه يجد وقتا للحديث عن الضحية التالية "كوبا"، بل ويرد على المحلل السياسي ديفيد سانجر الذي شكك في تحقيق الرئيس الأمريكي لأهدافه في إيران، قائلا: "يزعم المحلل الضعيف ديفيد سانجر أنني لم أحقق أهدافي. لقد حققتها، بل وقبل الموعد المحدد بأسابيع. قيادتهم مدمرة، وبحريتهم وقواتهم الجوية مدمرة، وليس لديهم أي دفاع على الإطلاق، ومع ذلك يريدون عقد صفقة. وأنا لا أريد ذلك".
في تصريح أكثر غرابة، صرّح رئيس البيت الأبيض قائلا: "نريد أن نجعلك المرشد الأعلى القادم. قلت: لا، شكرا. لا أريد ذلك". هذا التصريح المجازي يعكس كيف يرى ترامب الواقع، إذ جاء في سياق حديثه عن أن منصب المرشد الأعلى أصبح شديد الخطورة لدرجة ألا أحد يرغب فيه حتى ترامب نفسه!
في حادثة مشابهة، سمحت إيران لعشر ناقلات نفط ترفع العلم الباكستاني بالمرور عبر مضيق هرمز، متبعة مسارا آمنا بعد أن حصلت على إذن من السلطات الإيرانية. لكن ترامب قلب الواقعة رأسا على عقب، وأعلن أن إيران قدمت للولايات المتحدة "هدية كبيرة جدا، بقيمة مالية ضخمة"، محولا واقعا يشير إلى قدرة إيران على إدارة الملاحة في مياهها الإقليمية إلى انتصار أمريكي وهمي.
بعض الخبراء يرون أن مثل هذه التصريحات "الغريبة" والمتناقضة قد تكون تكتيكا نفسيا يحاول من خلاله ترامب بثّ الذعر داخل النظام الإيراني ودفعه لارتكاب أخطاء. لكن نقادا من الجهة الأخرى يرون تصرفات الرئيس الأمريكي على أنها مجرد "حكم اندفاعي"، ومحاولة منه لتشكيل الواقع من خلال الخطابات العشوائية بدلا من التكيف مع الحقائق القاسية على أرض الواقع. الأمر المؤكد أن العالم يعيش الآن ما يمكن وصفه بـ"عصر ترامب" الذي أعاد تعريف الحرب والسياسة بمزيج فريد من الغموض والتناقض، وقد يكون الآتي أسوأ.
المصدر: RT