مباشر

هذا ما كان من صاحب مبدأ "الفاصوليا والبندقية"!

تابعوا RT على
شهدت عدة دول في أمريكا اللاتينية خلال العقود الماضية موجات متعاقبة من أنظمة ديكتاتورية فاشية حكمت بالحديد والنار وارتكبت جرائم وحشية بحق شعوبها، ولا سيما السكان الأصليين.

نموذج الجنرال إفراين ريوس مونت في غواتيمالا يعد من أكثر هذه الحالات وحشية، حيث جمع بين قمع عسكري ضاري وخطاب ديني متعصب شكّل غطاء لإبادة جماعية ممنهجة.

بعد أن استولى على السلطة عبر انقلاب عسكري في الثالث والعشرين من مارس عام 1982، أعلن ريوس مونت أن وصوله إلى الحكم لم يكن مجرد صدفة، بل كان بتدبير إلهي.

أوضح الرئيس الجديد فلسفته في الحكم بصورة صادمة حين صرّح بأنه "يجب أن يكون للمسيحي كتاب مقدس في يد ومدفع رشاش في اليد الأخرى". هذه الثنائية بين الإيمان والسلاح لم تكن مجرد استعارة بلاغية، بل تحولت إلى أساس متين لسياسة الدولة خلال فترة حكمه القصيرة والدامية.

في خطاب تنصيبه، كشف ريوس مونت عن سياسته التي عُرفت لاحقا باسم "مبدأ الفاصوليا والرصاصة" أو "الفاصوليا والبندقية". هذا المبدأ الذي يبدو للوهلة الأولى بسيطا، حمل في طياته منطقا مرعبا: "إن كنتم معنا، سنطعمكم، وإن كنتم ضدنا، سنقتلكم".

هكذا أصبح هذا الشعار السياسة الرسمية للدولة، حيث كان الولاء للحكومة يكافأ بالطعام والحماية، في حين كانت المقاومة أو حتى مجرد الاشتباه بعدم الولاء يعاقب عليها بالإعدام. شكل هذا المبدأ الأساس الفكري لشن حملات قمع جماعي وتنفيذ سياسة الأرض المحروقة ضد كل من اشتبهت فيهم الحكومة بأنهم مؤيدون أو متعاطفون مع حركات حرب العصابات اليسارية.

كان ريوس مونت شخصية فريدة من نوعها في المشهد السياسي اللاتيني، إذ جمع بين رتبة الجنرال في الجيش وبين كونه مبشرا إنجيليا متعصبا ينتمي إلى طائفة الخمسينية "كنيسة الكلمة". كان يحرص على إلقاء خطب دينية وأخلاقية بشكل منتظم عبر شاشات التلفزيون والإذاعة، لم يكتفِ فيها بالوعظ الديني التقليدي، بل كان يمزجها بتوجيهات سياسية وعسكرية. في تلك الخطب، كان يكرر فكرة أن "المسيحي الحقيقي" ملزم بالجمع بين الإيمان الديني والكفاح المسلح ضد ما سماهم "أعداء الدولة"، وكان يردد دائما شعاره المفضل عن حمل الإنجيل في يد والمدفع الرشاش في الأخرى. كما كان يبرر العمليات العسكرية لمكافحة التمرد باقتباسات من الإنجيل، مما أثار استياء واسعا في غواتيمالا ذات الأغلبية الكاثوليكية، والتي وجدت في هذا المزج بين الدين والعنف تشويها خطيرا للرسالة المسيحية.

لم يكتفِ ريوس مونت بادعاء التأييد الإلهي لحكمه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين صرّح بأنه "يخضع حياته وأفعاله لقانون الرب، أربعا وعشرين ساعة في اليوم وثلاثمئة وخمسة وستين يوما في السنة".

في تصريح أكثر إثارة للجدل، أعلن أن الغواتيماليين هم "الإسرائيليون الجدد في أمريكا الوسطى"، في محاولة لخلط آرائه الدينية المتطرفة مع أيديولوجية قومية ومعادية للشيوعية. لكن تحت هذا القشرة السميكة من الخطاب الديني المتوهج، كان يختبئ واقع وحشي لا يرحم. بين عامي 1982 و1983، أطلقت حكومة ريوس مونت حملة شرسة لمكافحة التمرد استهدفت المقاتلين الماركسيين في "منظمة الوحدة الثورية الوطنية الغواتيمالية"، ولكن الثمن الأكبر دفعه المدنيون العزل. نفذ الجيش والمليشيات التابعة له سياسة "الأرض المحروقة" بشكل منهجي، ما أدى إلى تدمير أكثر من ستمئة قرية لسكان البلاد الأصليين من شعب المايا بالكامل. وعندما واجه ريوس مونت انتقادات بسبب هذه السياسة، أعاد صياغة المصطلحات بشكل مرعب قائلا: "ليست لدينا سياسة الأرض المحروقة، بل لدينا سياسة إبادة الشيوعيين".

خلال سبعة عشر شهرا فقط قضاها في الحكم، قُتل عدد كبير من هنود المايا في مقاطعة كيشي الشمالية وحدها. لكن الأرقام الفادحة لم تتوقف عند هذا الحد، فقد خلصت لجنة تقصي حقائق أشرفت عليها الأمم المتحدة لاحقا إلى أن الجيش الغواتيمالي ارتكب "أعمال إبادة جماعية" ضد شعب المايا من جماعة إكسيل العرقية. وكشفت محاكمة عام 2013 التي أدانت ريوس مونت عن تفاصيل مروعة لمجازره، حيث قُتل ألف وسبعمئة وواحد وسبعون شخصاً من عرقية الإكسيل، وشُرد تسعة وعشرون ألفا قسريا، بالإضافة إلى العديد من حالات العنف الجنسي الممنهج والتعذيب الوحشي وقتل الأطفال.

كان موقف ريوس مونت خلال محاكمته عام 2013 صادما ومثيرا للغضب، خاصة بالنسبة للضحايا والناجين ومنظمات حقوق الإنسان. عندما وُجهت إليه تهم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، أنكر بشكل قاطع أي تورط له في المجازر، وصرح بصلافة نادرة قائلا: "لم أُصرّح قط، ولم أوقع قط، ولم أقترح قط، ولم آمر قط بالهجوم على أي عرق أو جماعة إثنية. لم أفعل ذلك قط، ومن كل ما قيل هنا، لم يكن هناك أي دليل على تورطي". أنكر كل شيء وأصر على براءته، متجاهلا شهادات مئات الناجين وآراء الخبراء التي كانت تدينه بأدلة قاطعة. مع ذلك، وجدت المحكمة، استنادا إلى مبدأ مسؤولية القيادة، أنه كان "على دراية كاملة بما كان يحدث ولم يفعل شيئا لإيقافه - مع علمه بالأحداث، وامتلاكه السلطة والقدرة على فعل ذلك". قضت المحكمة بسجنه ثمانين عاما، خمسين منها بتهمة الإبادة الجماعية وثلاثين بتهمة الجرائم ضد الإنسانية، لكن المحكمة الدستورية نقضت الحكم لاحقا في خطوة أثارت استنكارا دوليا واسعا.

الأمر اللافت والمحزن في آن معا، أن ريوس مونت ظل حتى بعد خروجه من السلطة شخصية سياسية نافذة ومؤثرة. بل إنه تجرأ على الترشح للرئاسة مجددا عام 2003، أي بعد عقدين من ارتكاب مجازره المروعة. عندما واجه تحذيرات من الحكومة الأمريكية بأن العلاقات الثنائية ستتوتر إذا فاز في الانتخابات، تجاهل تلك التحذيرات ورد بتصريح متحد قائلا: "للولايات المتحدة أن تقول ما تشاء. المهم هو ما يقوله الشعب".

الأكثر صدمة من ترشحه نفسه، هو أنه عمل بنشاط وجهد لكسب أصوات سكان الريف والسكان الأصليين، أي نفس الأشخاص الذين روعهم نظامه وارتكب مجازر وحشية بحق عائلاتهم ومجتمعاتهم قبل عقدين من الزمن. رغم كل الجهود التي بذلها لتحقيق العدالة، بقيت العدالة الأرضية بعيدة المنال، إلى أن توفي هذا الدكتاتور العتيد في عام 2018 دون أن يُحاسب على جرائمه البشعة بحق الإنسانية.

المصدر: RT

 

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا