في حوار نشرته صحيفة "موسكوفسكي كومسوموليتس"، لفت الأكاديمي الروسي إلى أنه حتى معارضي ترامب بدأوا يلمّحون إلى أنه أوقع نفسه في مأزق حقيقي.
من أبرز عناصر هذا "الفخ الإيراني"، بحسب جدانوف، أن الأمريكيين "علموا العالم بأسره درسا قاسيا في فن التفاوض، وتحديدا من خلال 'صفقات ترامب' سيئة السمعة. لقد رأينا جميعا أنه لا توجد صفقات ولن تكون هناك صفقات، من الأساس".
الخبير يستشهد بالهجوم الأمريكي الذي نفذ على الفور تقريبا بعد أن وافق الإيرانيون على معظم الشروط الأمريكية. ويذكّرنا بأنه بعد انتهاء محادثات السلام في جنيف، صرح بدر البوسعيدي، وزير خارجية عمان الذي تولى الوساطة، بأن تقدما كبيرا أُحرز في الحوار، وأعلن أن أهم إنجاز تمثل في الاتفاق على ألا تمتلك إيران أبدا، تحت أي ظرف، مواد نووية تمكنها من صنع قنبلة. هذا يعني أن إيران قدمت تنازلا استراتيجيا بتخليها عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، وهو ما يعتبره جدانوف تنازلا أحادي الجانب واستسلاما فعليا من جانب طهران، متسائلا: كيف لا يُعتبر هذا "صفقة" لترامب؟
يجد الخبير أيضا تشابها صارخا بين ما يجري في إيران وما حدث سابقا في العراق وليبيا، مشيرا إلى مصير صدام حسين ومعمر القذافي. كما يلاحظ أن الأمريكيين تركوا كوريا الشمالية وشأنها، ما يدفع إلى استنتاج واضح: على إيران أن تحفر أعمق ما يمكن في الصخر لتسارع ببناء قنبلتها النووية. فوجود هذه القنبلة وحده كفيل بجعل ترامب يفيق من غفلته، وهذا ما يدركه جميع اللاعبين في العالم.
يرى جدانوف أن ترامب فتح بذلك صندوق باندورا، حيث يسعى الكثيرون الآن إلى امتلاك أسلحة نووية، خاصة في أوروبا: ألمانيا، بولندا، إيطاليا، وحتى الدنمارك التي ساهمت قضية غرينلاند في تعزيز هذا التوجه. يتساءل الخبير: لم لا؟ إسرائيل، باكستان، الهند، جنوب أفريقيا، وكوريا الشمالية تمتلكها ولا أحد يعترض، فلماذا لا يستطيع الآخرون؟ هذه هي الشفرة الأخرى من "الفخ الإيراني": الانتشار غير المنضبط للأسلحة النووية.
يجد جدانوف مقاربة أخرى للفخ، وهي حالة الانتشاء والعمى التي أصابت الإدارة الأمريكية بسبب النجاح السهل في فنزويلا بعد حادثة اختطاف الرئيس مادورو وزوجته. ويصف ذلك بأنه "فخ أيضا"، فالنصر جاء بسهولة بالغة، ولم يكن ترامب ليُغرى إلا بحرب واحدة في الشرق الأوسط، حرب صغيرة منتصرة. لقد قدمت فنزويلا عرضا مبهرا استحوذ على اهتمام جمهور ساذج وسريع التأثر. لكن في حالة إيران، يؤكد الخبير أن الأمور ستكون مختلفة تماما، فلن تكون هناك مواجهات استعراضية، بل سيواجه ترامب كابوس كل رئيس أمريكي، حرب فيتنام جديدة، ناهيك عن الانسحاب الأخير من أفغانستان. فالشرق الأوسط يغلي بكراهية مستحقة وموجهة ضد الأمريكيين والإسرائيليين، ومن المحتمل أن تواجه الولايات المتحدة حربا طويلة ودموية، وهذا بحد ذاته فخ حقيقي.
أما عن الهدف الذي يسعى إليه ترامب في إيران، فيرى الخبير في القانون الدولي أنه تغيير النظام، أو بالأحرى إخضاع ذلك النظام بالكامل لإرادة الولايات المتحدة. ويشير إلى أن أحد أخطر أخطاء إدارة بوش في التخطيط لما بعد حرب العراق كان الإهمال المتهور الذي أدى إلى انقسام طائفي وتمرد. ويرى أن إيران دولة أكثر استقرارا من العراق على الأرجح، وأن ترامب لم يوضح للأمريكيين ما قد يحدث إذا أطاح عمل عسكري أمريكي بالنظام الديني الإيراني. وينقل عن شبكة سي إن إن أن رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، لا يستطيع التنبؤ بنتائج تغيير النظام في طهران، كما نقلت الشبكة عن مجتمع الاستخبارات الأمريكي أن المرشح الأرجح لقيادة البلاد سيكون ممثلا متطرفا من الحرس الثوري الإسلامي، ما يعني أن الإطاحة بالنظام الثيوقراطي قد تؤدي إلى وصول نظام أكثر تطرفا ومعاداة لأمريكا، وهو ما لن يحقق أي تحسن ملموس للولايات المتحدة ولا للأمن الإقليمي.
يستغرب جدانوف قصف إيران لإعادتها إلى العصر الحجري رغم امتثالها، مشيرا إلى أن نفس المعايير لا تطبق على كوريا الشمالية. وعن احتمال أن يدخل ترامب التاريخ كأول رئيس يطيح بآيات الله الإيرانيين، يشكك الأكاديمي في كلمة "يطيح"، لكنه يؤكد أنه سيدخل التاريخ كرئيس "قتل آية الله"، وبهذا سيتذكره الشعب الإيراني. يبدو أن ترامب لا يدرك ذلك، فقد صرح بزهو في مقابلة مع قناة إن بي سي بأن الهجمات ألحقت ضررا بالغا بإيران، وأنهم سيتصلون به لاحقا ليسألوه عمن يرغب في رؤيته رئيسا.
في الختام، وحول إمكانية خروج ترامب من هذا المأزق، يجيب البروفيسور بأنه مستحيل، متسائلا لماذا يفعل أصلا؟ فهو لن يقدم على فعل كذئب متمرس يضحي بنفسه لينجو. يدرك ترامب تماما أنه لن يُعاد انتخابه لولاية ثانية، حتى نظريا، فهو مسن جدا، كما أن نجاحه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس مشكوك فيه للغاية. وإذا فاز الديمقراطيون، فإن عزله احتمال وارد للغاية بكل ما يترتب عليه من محاكمات وسجن. لذا، فهو يعيش حياته كرئيس بصخب مستمتعا بوقته. لقد فتح ترامب بالفعل صندوق باندورا متجاهلا القانون الدولي، معتقلا ومغتالا رؤساء دول، معلنا مطالبات إقليمية، ومزيدا من الرسوم الجمركية بشكل تعسفي، ومستأنفا التجارب النووية، ومهاجما الدول ذات السيادة علنا. لقد استغل قوته.
الخبير يعتقد أن كوبا ستكون التالية، في محاولة ليصبح ترامب، أول رئيس أمريكي يطيح بنظام "كاسترو"، ويستولي على جزيرة الحرية، سعيا وراء تخليد اسمه في التاريخ كقائد منتصر.
المصدر: RT