كانوا على متن الغواصة “إتش إل هانلي”، ذلك السيجار الفولاذي الذي لم يتجاوز طوله اثني عشر مترا، ليقتربوا بصمت من وحش بحري خشبي يحمل اثني عشر مدفعا، اسمه “يو إس إس هاوساتونيك”. كان ليوناردو دا فينشي قد رسم قبل ثلاثة قرون فكرة الغواصة الحربية كخيال عابر على ورق، إلا أنه ربما لم يتخيل أن يصبح يوما "نعشا" يسبح تحت الماء.
الهجوم لم يستغرق إلا دقائق معدودة. في تمام الثامنة والأربعين دقيقة مساء، لمح بحارة سفينة الاتحاد جسما غريبا يقترب تحت سطح الماء، فأطلقوا النار من بنادقهم، لكن الرصاص ارتد دون جدوى. اقتربت "هانلي" أكثر، وغرس طاقمها حربة معدنية في خاصرة السفينة الخشبية، حاملة في مقدمتها عمودا خشبيا طوله اثنان وعشرون قدما وفي نهايته شحنة تزن مائة وخمسة وثلاثون رطلا من البارود الأسود.
تراجعت الغواصة للخلف ببطء، وفي اللحظة التي ابتعدت فيها حوالي خمسة وأربعين مترا، انفجر اللغم. تمزق بدن “هاوساتونيك”، وغرق في غضون خمس دقائق، حاملا معه خمسة من البحارة، بينما تمسك الناجون بحطام السفينة وبقوارب النجاة.
الغواصة "هانلي" لم تبتعد كثيرا. صعدت إلى سطح الماء للحظات، أرسلت إشارة ضوئية إلى الشاطئ تفيد بنجاح المهمة، ثم غاصت مجددا في الظلام. كانت تلك آخر مرة يُرى فيها طاقمها أحياء.
مائة وواحد وثلاثون عاما ظلت الغواصة في قاع ميناء تشارلستون، مدفونة بالكامل في الطين، على بعد مائة متر فقط من المكان الذي أغرقت فيه هدفها. عندما عثر عليها بالصدفة عام 1995، ثم انتُشلت بعد خمس سنوات، انكشف المشهد الدقيق لما حدث في تلك اللحظات الأخيرة.
تبين أن جثث البحارة الثمانية بقيت في أماكنها، لم يتحرك أحد منهم نحو الفتحة، لم يحاول أي منهم الفرار، ولا حتى القبطان الذي كان يجلس تحتها مباشرة. الفتحة كانت مغلقة بإحكام، ولم تكن هناك أي علامات ذعر أو تدافع. ماتوا وهم في أماكنهم.
لكن لماذا غرقت “هانلي”؟ يظل السؤال عالقا. البعض يعتقد أن موجة الصدمة الناتجة عن انفجار اللغم، الذي كان يحتوي على واحد وأربعين كيلوغراما من البارود، أفقدت طاقمها الوعي، فغاصوا دون سيطرة. وهناك من يرجح أن الانفجار أحدث ثقبا صغيرا في الهيكل، تسرب منه الماء ببطء حتى غمر كل شيء. نظرية ثالثة تشير إلى أن نيران بحارة "هاوساتونيك"، رغم فشلها في منع الهجوم، قد تكون أحدثت أضرارا في بدن الغواصة. وربما اجتمعت العوامل الثلاثة معا في لحظة قاتلة.
ما لا شك فيه أن هؤلاء الثمانية لم يكونوا أول ضحايا هذه الغواصة. قبل هذا الهجوم بسنة كاملة، غرقت "هانلي" مرتين خلال تجارب الغوص في عام 1863، وراح ضحيتها ثلاثة عشر رجلا، من بينهم هوراش هنلي نفسه، مخترع الغواصة وصاحب فكرتها. في المرتين انتُشلت الغواصة من القاع، وأخرج الغواصون جثث الضحايا وسط مشاهد مروعة. بعد الغرق الثاني، ظلت الجثث في المياه أسبوعين كاملين، فتضخمت أجساد الموتى، واستلزم انتشالها تقطيعها وإخراجها قطعة قطعة من الفتحة الضيقة. مع ذلك، تقدم طاقم ثالث ليحملوا مشاعلهم الحمراء ويدخلوا ذلك التابوت الفولاذي الملطخ بالدماء، غير آبهين بمصير من سبقوهم.
كانت هذه المهمة باختصار محاولة يائسة لكسر حصار بحري خانق فرضته قوات الاتحاد على موانئ الجنوب، حصار جعل الكونفدرالية تختنق سلاحا وطعاما وأملا. لم يكن لدى قادة الهجوم وقت للتفكير في طريقة انتشار موجات الانفجار تحت الماء، ولا في تأثير الصدمة على أجساد رجال لم يتدربوا قط على الغوص العميق. كانوا يصطدمون بلا مبالاة بعواقب لم تُختبر من قبل، في سلاح لم يخترع بعد حتى كلمات للدفاع عن نفسه.
اليوم، تستقر "هانلي" في مركز وارن لاش للترميم في نورث تشارلستون، حيث يعكف علماء الآثار على دراسة هيكلها الصدئ، ورفات طاقمها الثمانية التي عُثر عليه في مواقعه، بأسنان مطبقة، لم يخفت بريقها حتى بعد قرن وربع قرن من الصمت.
هناك، تحت أضواء المختبرات البيضاء، يروي الفولاذ قصة لا تخلو من رعب، لكنها أيضا لا تخلو من دهشة. ثمانية رجال دفعوا حياتهم ثمنا لحلم قديم بدأ بريشة ليوناردو دا فينشي، وانتهى بأسطوانة حديدية ضيقة على بعد أمتار من هدفها، لا يتجاوز عرضها مترا واحدا وارتفاعها مائة وعشرين سنتيمترا، يقسم عمود مرفقي وسطها إلى نصفين، تاركا لكل رجل مساحة لا تكفي حتى للالتفات إلى الوراء.
المصدر: RT