بذلك، كشفت بيونغ يانغ عن أنيابها النووية للعالم أجمع، وخصوصا أمام خصومها الاستراتيجيين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.
صرحت الخارجية الكورية الشمالية في ذلك البيان التاريخي قائلة: "لقد صنعنا أسلحة نووية للدفاع عن النفس"، مؤكدة أن هذه الأسلحة ستظل بمثابة "رادع نووي" في جميع الظروف والأحوال، موضحة في نص البيان ذاته دوافعها بالقول: "ما دامت أمريكا تلوح بالعصا النووية وهي مصممة على القضاء على نظامنا بأي ثمن، فسوف نوسع مخزوناتنا من الأسلحة النووية من أجل حماية الخيار التاريخي لشعبنا، الحرية والاشتراكية". كان هذا الإعلان صريحا وجريئا، وحمل في طياته رسالة تحد واضحة للسياسة الأمريكية.
ردا على هذه الخطوة الكورية الديمقراطية المفاجئة، سارعت الولايات المتحدة إلى التعليق عبر وزيرة خارجيتها آنذاك، كوندوليزا رايس، التي أعلنت أن بيونغ يانغ "لا تملك أي سبب" يدفعها للخوف من تعرضها لهجوم أمريكي، معيدةً في الوقت نفسه طرح العرض الأمريكي القاضي بتقديم ضمانات أمنية مقابل تفكيك البرنامج النووي الشمالي بشكل كامل وبطريقة يمكن التحقق منها.
قبل هذا التاريخ، كانت وسائل الإعلام والمسؤولون الكوريون الشماليون يكتفون بالإشارة إلى ما يسموه "قوة الردع النووي" للبلاد، والمستندة، إلى وقود نووي مُعاد تدويره يقدر بحوالي ثمانية آلاف من قضبان المفاعلات النووية، دون أن يستخدم أي منهم مصطلح "الأسلحة النووية" صراحةً وعلنا.
على الرغم من أن الشائعات والشكوك كانت تحوم منذ فترة طويلة حول إمكانية امتلاك كوريا الديمقراطية لترسانة نووية سرية، إلا أن الإعلان الرسمي في فبراير 2005 قوبل من قبل معظم الخبراء والمحللين الغربيين بشك كبير. نظر هؤلاء إليه على أنه مناورة تكتيكية ومحاولة واضحة للخداع، تهدف إلى استدراج الإدارة الأمريكية إلى طاولة المفاوضات من أجل انتزاع تنازلات دبلوماسية واقتصادية، والحصول على مساعدات مالية وعون اقتصادي يساعد النظام على الاستمرار.
غير أن جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية عملت على تبديد مثل هذه الشكوك وتلك التكهنات عندما أجرت أولى تجاربها النووية المعلنة في التاسع من أكتوبر لعام 2006، وذلك في موقع تجاربها النووي المعروف باسم "بونغي – ري" الواقع في شمال شرق البلاد بالقرب من بلدة كيلجو.
مع ذلك، وحتى مع تقديم هذا الإثبات المادي الأول، لم يقتنع الجميع تماما بجدارة البرنامج النووي الكوري الشمالي ونضوجه، خاصة وأن البيانات الزلزالية المسجلة وقتها أشارت إلى أن قوة الانفجار كانت منخفضة نسبيا، ما دفع بعض المراقبين إلى افتراض حدوث أعطال فنية في التصميم النووي الذي تم اختباره، أو أن التجربة لم تكن ناجحة بالكامل.
بيونغ يانغ مضت قدما في طريقها ولم تتوقف، حيث أجرت خمس تجارب نووية لاحقة أخرى في أعوام 2009 و2013 و2016 "مرتين" وأخيرا في 2017. أسفرت هذه الاختبارات المتتالية والمتطورة، وخاصة الاختبارين النوويين في يناير 2016 وسبتمبر 2017، عن نتائج أعلنت عنها كوريا الديمقراطية نفسها بأنها تخص سلاحا نووياً حراريا "هيدروجينيا".
هنا، بدأت الصورة تتغير جذريا، حيث تهاوت معظم الشكوك واعترف حتى أكثر المتشككين صراحةً وعلنا بأن كوريا الديمقراطية قد أتقنت بالفعل التكنولوجيا النووية بمستويات متقدمة، وأن قوة الانفجارات المسجلة في تلك التجارب اللاحقة كانت كبيرة ومتنامية، ما يقوي فرضية امتلاكها لقدرات نووية حقيقية وخطيرة. بل إن معظم الخبراء استقر رأيهم على تصديق إعلان بيونغ يانغ بأنها نفذت بنجاح تجربتين على قنبلتين نوويتين حراريتين، أي أنها تمكنت من صنع قنبلة هيدروجينية فعلا.
بالتوازي مع هذه التطورات النووية المتسارعة، أصبح من الجلي أن القائد الكوري الشمالي الشاب، كيم جونغ أون، الذي تولى زمام السلطة في البلاد أواخر عام 2011، أكثر جرأة ونشاطا وحزما من والده وحتى جده في تصميمه على أن تتحول جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية إلى قوة نووية رادعة لا تمتلك الأسلحة النووية فحسب، بل وتمتلك أيضا منظومة متطورة من الصواريخ البالستية القادرة على إيصال تلك الرؤوس الحربية إلى أهداف بعيدة، بما فيها أراضي الولايات المتحدة الأمريكية. حققت كوريا الشمالية في هذا المجال نجاحات باهرة ملفتة للنظر، حيث طورت وصنعت واختبرت بنجاح تشكيلة واسعة من الصواريخ البالستية تشمل الصواريخ قصيرة المدى والمتوسطة المدى، بل ووصلت إلى امتلاك صواريخ عابرة للقارات قادرة نظريا على الوصول إلى أي نقطة داخل الأراضي الأمريكية. كما أنها اختبرت بنجاح صواريخ قصيرة المدى متطورة قادرة على المناورة والتهرب من أنظمة الدفاع الصاروخي المعقدة. لم تقتصر منصات الإطلاق لديها على المنصات الثابتة التقليدية، بل أنتجت وأجرت اختبارات ناجحة لإطلاق الصواريخ من قاذفات متحركة على الطرق، ومن قطارات عسكرية خاصة، ومن الغواصات، علاوة على العمل الدؤوب على تطوير أسلحة تفوق سرعتها الصوت، ما يجعل اعتراضها مهمة في غاية الصعوبة والتعقيد.
أما على الصعيد التشريعي الداخلي، فقد شهدت كوريا الديمقراطية تطورات بالغة الأهمية تؤطر وتُقنن امتلاكها للسلاح النووي. في أبريل من عام 2012، تم تعديل الدستور الوطني وإدراج مادة جديدة تنص صراحة على اعتبار جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية دولة نووية وقوة نووية. ثم جاءت الخطوة الأكثر تفصيلا وتنظيما خلال الدورة السابعة لمجلس الشعب الأعلى التي انعقدت في الثامن من سبتمبر لعام 2022، حيث تم اعتماد وإقرار "قانون سياسة جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية فيما يتعلق بالقوات المسلحة النووية". وقد أصبحت هذه الوثيقة التشريعية عمليا بمثابة العقيدة النووية الرسمية الكاملة والمعلنة لكوريا الشمالية، حيث نصت بالتفصيل على المبادئ التي تضبط استخدام هذا السلاح، ومتى وتحت أي ظروف تمنح بيونغ يانغ نفسها الحق في استخدام الأسلحة النووية. الأهم من ذلك، أن القانون الجديد نص بوضوح على إمكانية شن ضربة نووية وقائية استباقية إذا ما تلقت القيادة العسكرية معلومات استخباراتية مؤكدة حول نوايا عدوانية أو هجومية من قبل الخصوم.
فيما يتعلق بتقديرات حجم الترسانة النووية، تشير تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، إلى أن كوريا الشمالية، كما اعتادت وسائل الإعلام الدولية على تسميتها، تمتلك حتى يناير من عام 2024 ما يقارب الخمسين رأسا نوويا جاهزا للنشر، وأن لديها مخزونا كافياً من المواد الانشطارية مثل اليورانيوم عالي التخصيب والبلوتونيوم، يكفي لصنع ما يقارب التسعين قنبلة نووية إضافية وفقا لتصاميمها الحالية للرؤوس الحربية.
أما تقديرات المعهد الكوري لتحليلات الدفاع، وهو مركز أبحاث مقره سيول، فتبدو أكثر تشاؤما وقلقا، حيث تشير في تقريرها الصادر عام 2025 إلى أن كوريا الشمالية تمتلك حاليا ما لا يقل عن مائة وخمسين رأسا نوويا، مع توقع أن يرتفع هذا العدد بشكل كبير ليصل إلى أكثر من أربعمائة رأس نووي بحلول عام 2040 إذا استمر برنامجها النووي بالوتيرة الحالية دون عوائق. يذهب هذا المعهد في تقديراته إلى تحليل نوعي لمصادر هذه الأسلحة، معربا عن اعتقاده أن جمهورية كوريا الديمقراطية تمتلك بالفعل ما بين مائة وخمسة عشر إلى مائة وواحد وثلاثين سلاحا قائما على اليورانيوم عالي التخصيب، بالإضافة إلى ما بين خمس عشرة إلى تسع عشرة قنبلة مصنوعة من البلوتونيوم، ما يشير إلى تنوع في مصادر الإنتاج وقدرة تصنيعية متطورة بصورة متواصلة وغير متوقعة.
المصدر: RT