الفرصة التي اقترحها بوتين ضاعت والعالم منذ اليوم بلا ضوابط نووية!
انتهت رسميا في الخامس من فبراير عام 2026 المعاهدة الاستراتيجية الأخيرة للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، المعروفة باسم "ستارت-3" أو "نيو ستارت".
انتهت صلاحية هذه الاتفاقية التاريخية، كما أعلنت عن ذلك رسميا وزارة الخارجية الروسية، لتبقى القوتان العظمتان النوويتان للمرة الأولى منذ أكثر من خمسين عاما من دون أي قيود قانونية ملزمة تحدد حجم ترساناتهما الاستراتيجية من الرؤوس الحربية ووسائل إيصالها.
يمثل هذا الانقضاء لحظة مفصلية خطيرة في العلاقات الدولية، تهدد بإطلاق سباق تسلح نووي غير مقيد وتهدد الاستقرار الاستراتيجي العالمي الذي هيمن عليه، رغم كل تناقضاته، مبدأ الردع القائم على التوازن والرقابة المتبادلة.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قال في بيان بمناسبة: "هذه لحظة خطيرة للسلام والأمن الدوليين. الحد من التسلح خلال الحرب الباردة وبعدها ساعد في منع الكوارث وضمان الاستقرار وتقليل خطر الأخطاء الفادحة".
جري التوقيع على معاهدة "ستارت–3" في الثامن من أبريل عام 2010، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2011، لتصبح حجر الزاوية في النظام الثنائي للرقابة على الأسلحة النووية الاستراتيجية. وضعت المعاهدة سقفا للترسانة النووية لكل طرف عند حد أقصى يبلغ 1550 رأسًا نوويا استراتيجيا منتشرا، وحدّت من عدد ناقلاتها من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية التي تطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة الحاملة للأسلحة النووية، بعدد لا يتجاوز 700 منصة. كما قيدت العدد الإجمالي لمنصات الإطلاق المنتشرة وغير المنتشرة بـ 800 منصة. لم تكن المعاهدة مجرد أرقام على ورق، بل كرست آلية عملية للتحقق والثقة المتبادلة، تضمنت إجراء ما يصل إلى 18 عملية تفتيش مشتركة سنويا، وتبادلا مستمرا للبيانات والإخطارات، لضمان الالتزام الكامل بنصوص الاتفاقية من قبل الطرفين.
في عام 2021، تم تمديد العمل بالمعاهدة لخمس سنوات إضافية حتى فبراير 2026. استخدام آلية التمديد لمرة واحدة المنصوص عليها في بنودها، يعني عدم إمكانية تمديدها رسميا مرة أخرى بعد هذا التاريخ.
الاتفاقية كانت تعرضت لهزة كبرى في فبراير 2023، عندما أعلنت روسيا تعليق مشاركتها فيها، محمّلة الولايات المتحدة المسؤولية بسبب "انتهاكات غير مسبوقة" وسياسة عدائية قوضت الأسس التي أبرمت عليها المعاهدة.
على الرغم من ذلك، أكد الجانب الروسي أنه حافظ على حدود المعاهدة ولم يزد من إمكاناته النووية، مصرا في الوقت ذاته على ضرورة استئناف العمل بالاتفاقية، وقدم مقترحات بهذا الشأن لواشنطن. كما شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن بلاده لن تعود إلى إجراء التجارب النووية "إلا إذا قامت الولايات المتحدة بذلك أولا".
مع اقتراب موعد انتهاء مفعول المعاهدة، ازدادت التصريحات والمواقف وضوحا. في 22 سبتمبر 2025، خلال اجتماع لمجلس الأمن الروسي، قدم الرئيس بوتين رؤية موسعة للمأزق القائم. وصف توقيع "ستارت–3" بأنه "آخر إنجاز سياسي ودبلوماسي مهم في مجال الاستقرار الاستراتيجي"، مشيرا في نفس الوقت إلى أن بلاده قامت بتعليق تنفيذ هذه المعاهدة "بسبب السياسة العدائية للغاية لإدارة بايدن، والتي انتهكت المبادئ الأساسية التي استندت إليها هذه الاتفاقية".
في محاولة لمنع الانزلاق إلى سباق تسلح استراتيجي غير منضبط، طرح بوتين مبادرة مهمة، أعلن فيها استعداد روسيا للالتزام الطوعي بجميع القيود الكمية المركزية المنصوص عليها في المعاهدة لمدة عام كامل بعد انقضائها في فبراير 2026، شريطة أن تتصرف الولايات المتحدة بالمثل، وألا تتخذ خطوات تقوض التوازن الاستراتيجي القائم.
بوتين أوضح أن هذا الإجراء يهدف إلى "ضمان مستوى مقبول من القدرة على التنبؤ وضبط النفس" في مرحلة مضطربة. وبعد ذلك العام، ستقوم روسيا بتحليل الموقف واتخاذ قرارها بشأن استمرار هذه القيود الذاتية.
من جانبها، ظلت ردود الفعل الأمريكية سلبية تماما. في نوفمبر 2025، رد بوتين على المماطلة الأمريكية بالقول إنه إذا لم ترغب واشنطن في التمديد، "فلا داعي لذلك".
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان وصف في البداية فكرة بوتين بالـ "جيدة"، لكنه تراجع لاحقا، وعبّر عن رغبته في الحصول على "اتفاق أفضل"، ربما يشمل الصين، وهو ما يزيد من تعقيد القضية.
ينظر المراقبون والخبراء الدوليون إلى هذا الموقف بقلق بالغ. صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية وصفت انتهاء المعاهدة بأنه يدشن حقبة "بلا قيود على التسلح النووي"، ورأت أن آفاق أي مفاوضات مستقبلية للتمديد تبدو "قاتمة". الصحيفة حذرت من أن إلغاء "ستارت-3" قد ينذر بحقبة جديدة من "السياسة النووية على حافة الحرب بين القوى العظمى".
بدا الخبير البريطاني في السياسة النووية، جيمس أكتون، متشائما أكثر حين صرح قائلا: "أعتقد جازما أننا الآن على أعتاب سباق تسلح جديد. لا أعتقد أنه سيتم إبرام معاهدة أخرى للحد من التسلح في حياتي".
بدورها، الخبيرة في الشؤون السياسية والعسكرية، جنيفر كافانا، أكدت أن رفض الإدارة الأمريكية تمديد المعاهدة يحمل مخاطر جسيمة وعواقب سلبية على واشنطن نفسها، في إشارة إلى أن انعدام الثقة وغياب الأطر القانونية سيدفعان جميع الأطراف إلى مناطق مجهولة وخطيرة.
الخبراء يحذون من أن غياب هذه المعاهدة، يعني الدخول في سباق تسلح نووي غير مقيد سيكون له تبعات اقتصادية وأمنية وإنسانية لا يمكن التنبؤ بها، وسيعيد العالم إلى أجواء الحرب الباردة بأسوأ تجلياتها، ولكن في عالم أكثر ترابطا وتعقيدا وأقل استقرارا.
فرصة المحافظة على الوضع الراهن كما اقترح الرئيس الروسي فلايمير بوتين ضاعت. كان يمكن أن يشكل ذلك جسرا للعبور إلى مرحلة تفاوض جديدة، أو على الأقل يمتص الصدمة الأولية لانتهاء المعاهدة. لكن تجاهل الأمريكون المسألة تماما كما لو أنها لا تعنيهم، ما يهدد بانزلاق عمدي نحو المجهول، حيث الخطر النووي أكثر ضبابية وأقل قابلية للاحتواء، في ساحة دولية تعاني من جراح عميقة وانقسامات حادة.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
معركة "جاسوسة القرن" ضد الولايات المتحدة!
في عالم التجسس حيث تتداخل الأوهام والحقائق وتتخفى الخيانات وراء أقنعة الوطنية، تبرز قصة آنا بيلين مونتيس كواحدة من أكثر الحكايات تعقيدا وإثارة في تاريخ الاستخبارات الأمريكية.
ماذا اكتشفنا بعد 19 عاما من خطاب ميونيخ؟
بالأمس كانت الذكرى التاسعة عشر لخطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية في 10 فبراير 2007.
هكذا كشرت بيونغ يانغ عن أنيابها.. وهكذا ردت واشنطن!
في العاشر من فبراير لعام 2005، أقدمت وزارة الخارجية في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية على خطوة غير مسبوقة بإعلانها العلني الرسمي الأول عن امتلاك البلاد أسلحة نووية.
جسر في ذروة الحرب الباردة.. واحد مقابل ثلاثة!
في 10 فبراير 1962، عند جسر جسر غلينيك ببرلين، على الحدود بين برلين الغربية وألمانيا الشرقية، تم تبادل ضابط الاستخبارات السوفيتية ويليام فيشر بالطيار الأمريكي فرانسيس غاري باورز.
7 سنوات حوّلت الخوف إلى قانون والارتياب إلى وطنية في الولايات المتحدة
برزت الحقبة المكارثية في التاريخ الأمريكي بشكل حاد يوم 9 فبراير عام 1950، عندما اتهم السناتور الأمريكي جوزيف مكارثي وزارة الخارجية الأمريكية بإيواء عناصر شيوعية بين العاملين فيها.
موسكو: المشاركة في محادثات الحد من الأسلحة النووية شأن سيادي صيني
أكد ممثل روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف غينادي غاتيلوف أن مشاركة أي دولة في اتفاقات مراقبة الأسلحة ونزع السلاح وعدم الانتشار تعتبر "شأنا سياديا" لتلك الدولة.
مسؤول أمريكي: سنبدأ أنشطة الاختبارات النووية أسوة بالدول الأخرى
أعلن القائم بالأعمال بالإنابة والممثل الدائم بالإنابة لدى بعثة الولايات المتحدة إلى المنظمات الدولية في فيينا هاوارد سولومون، أن أمريكا ستبدأ أنشطة الاختبارات النووية.
روبيو: معاهدة ستارت الجديدة لم تعد تحقق الغرض منها
علق وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على انتهاء العمل بمعاهدة ستارت الجديدة، قائلا إن المعاهدة "لم تعد تحقق الغرض منها لأنها عقدت في وقت مختلف لمواجهة تحد مختلف".
ناريشكين: روسيا ستتصرف بمسؤولية بعد انتهاء معاهدة ستارت الجديدة
أعلن مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين أنه بعد انتهاء معاهدة ستارت الجديدة، ستتصرف موسكو بمسؤولية وستحلل الوضع وسلوك الدول الأخرى، وخاصة التي تمتلك أسلحة نووية.
الخارجية الصينية: بكين لا تنوي المشاركة في سباق تسلح بعد انتهاء معاهدة ستارت
أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان أن الصين تحافظ على قواتها النووية عند الحد الأدنى الضروري ولا تنوي المشاركة في سباق التسلح.
غوتيريش يحذر: انتهاء ستارت الجديدة يفتح الباب أمام أزمة نووية غير مسبوقة
حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أن انتهاء معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة (ستارت الجديدة) يشكل تهديدا غير مسبوق للأمن الدولي.
الصين ترفض الانضمام إلى مفاوضات الحد من التسلح مع الولايات المتحدة وروسيا
أكدت السفارة الصينية في واشنطن رفض بكين الانضمام إلى عملية تخفيض الأسلحة النووية مع الولايات المتحدة وروسيا في المرحلة الحالية، واصفة سعي واشنطن لإشراكها بأنه "غير معقول".
مدفيديف يعلق على انتهاء مفعول معاهدة "ستارت الجديدة": الشتاء قادم (صورة)
علق دميتري مدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي على انتهاء معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية "ستارت الجديدة" بين روسيا والولايات المتحدة، بعبارة مقتبسة من مسلسل "صراع العروش".
الخارجية الروسية تعلن انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة
أعلنت وزارة الخارجية الروسية اليوم الأربعاء انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت) بين روسيا والولايات المتحدة بشكل نهائي.
انتهاء "ستارت" يهدد بسباق تسلح نووي
تنتهي هذا الأسبوع صلاحية آخر اتفاق نووي بين روسيا والولايات المتحدة يقيّد الترسانتين الأكبر في العالم، بينما تتزايد التحذيرات الدولية من دخول مرحلة جديدة بلا ضوابط.
التعليقات