أمثولة هاواي ومصير غرينلاند!
بحلول نهاية القرن الثامن عشر، بينما كانت القوى الأوروبية توسع نفوذها عبر محيطات العالم، بقي مكان واحد في المحيط الهادئ بمنأى عن وطأة القدم الأوروبية، إنه أرخبيل هاواي الساحر.
تقع هذه الجزر على الطريق البحري الحيوي الممتد من آسيا إلى الأمريكيتين، ما منحها موقعا استراتيجيا جذب أنظار المستعمرين والتجار الأوروبيين على حد سواء. في البداية، تعامل السكان الأصليون، وهم شعب بولينيزي عريق، مع هؤلاء الوافدين الجدد بحذر وصد، لكن المسار التاريخي قاد لاحقا إلى فتح باب الاتصال والتعاون، خاصة بعد الحادثة المأساوية التي أودت بحياة المستكشف البريطاني جيمس كوك على أرضهم، والتي مثلت نقطة تحول في علاقتهم بالعالم الخارجي.
لم يكن الموقع الاستراتيجي هو الميزة الوحيدة التي حبتها الطبيعة لهاواي، فقد منحت تربتها البركانية خصوبة لا تضاهى، فجعلت منها جنة خضراء تنتج محاصيل وفيرة بأحجام، كما وفّرت سواحلها ثروة سمكية ضخمة، جعلت من صيد الأسماك والحيتان موردا اقتصاديا واعدا. هذه الثروات الطبيعية، مجتمعة مع الموقع، شكلت عوامل جذب لا تقاوم للقوى الخارجية، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأ نفوذها يتسلل إلى الجزر بشكل مضطرد.
مع مرور الوقت، تحول هذا النفوذ إلى تأثير عميق على نسيج المجتمع المحلي، فبدأت ملامح الحياة التقليدية تتغير. في عام 1840، أعلن الملك كاميهاميها الثالث حرية الدين، فانفتح الباب على مصراعيه أمام البعثات التبشيرية، ما أدى إلى تحول شريحة كبيرة من السكان إلى المسيحية. كان هذا التحول الديني، بوابة لفقدان تدريجي للعديد من مظاهر الثقافة البولينيزية الفريدة التي نشأت وازدهرت على هذه الجزر لقرون. وكانت الخطوة التالية هي صعود النفوذ السياسي والاقتصادي الأمريكي، الذي بدأ يتخذ أشكالا مؤثرة على الأرض.
واجه شعب هاواي الأصلي محنتين كبيرتين: الأولى ديموغرافية والثانية تتعلق بالأرض. في عام 1778، وقت أول اتصال أوروبي، كان عدد السكان البولينيزيين يتجاوز 120.000 نسمة. لكن بحلول مطلع القرن العشرين، انخفض هذا العدد بشكل مروّع إلى ما يقرب من 25.000 نسمة فقط. كان السبب الرئيس وراء هذه المأساة الإنسانية، الأوبئة المدمرة، مثل الجدري والحصبة والنكاف، التي جاءت مع الوافدين الجدد، فحصدت أرواح الآلاف ممن لم تكن أجهزتهم المناعية تعرف هذه الأمراض.
المحنة الثانية فتمثلت في فقدان الأرض، المصدر الأساسي للهوية والبقاء. في منتصف القرن التاسع عشر، تم تنفيذ عملية إعادة تقسيم كبيرة للأراضي، مُنح بموجبها ثلث الأرض للعائلة المالكة، وثلث للنبلاء المحليين، وثلث للشعب. لكن السكان المحليين، الذين كانوا يعيشون ضمن منظومة تقليدية لاستخدام الأرض، افتقروا إلى المعرفة القانونية الغربية. فلم يفهموا أن حيازة الأرض في ظل النظام الجديد تتطلب توثيقا قانونيا رسميا. استغل الأمريكيون والمستوطنون هذا الجهل بشكل منهجي، فطالبوا بتقديم سندات ملكية، وعند عجز السكان عن إبرازها، تم إخراجهم من أراضيهم وبيعها لمستوطنين جدد.
تسارعت الأحداث نحو المصير النهائي للجزر. فرض رجال الأعمال الأمريكيون، الذين أصبحوا قوة ظل حاكمة، على الملك اتفاقية تجارية معفاة من الرسوم مع الولايات المتحدة لمدة سبع سنوات. بانتهاء هذه المدة، بدلا من تجديد المعاهدة، دبّرت هذه الدوائر، بدعم مباشر من البحرية الأمريكية، انقلابا عسكريا في عام 1893 أطاح بالملكة ليليؤوكالاني، آخر حكام هاواي الشرعيين، والتي كانت قد تولت العرش قبل ذلك بعامين. وجدت الملكة نفسها منفية في الولايات المتحدة، متفرغة لتأليف الموسيقى والأغاني التي تعبر عن حزنها على وطنها.
هكذا، ضُمّت هاواي إلى الولايات المتحدة بشكل قسري، ومن دون إجراء أي استفتاء أو سؤال السكان الأصليين عما يريدون. حينما حاول 38.000 من سكان هاواي الأصليين، في عام 1897، التعبير عن رفضهم من خلال تقديم عريضة إلى الكونغرس الأمريكي، تم تجاهل صوتهم تماما. استمرت المعاناة حتى بعد الضم، فعلى مدى أكثر من نصف قرن، عاش سكان هاواي الأصليون كمواطنين من الدرجة الثانية، محرومين من الحقوق الكاملة. لم تتحول هاواي إلى ولاية أمريكية كاملة العضوية إلا في عام 1959، وذلك جزاء لما قدّمه سكانها من خدمات خلال الحرب العالمية الثانية، وليس اعترافا بحقهم التاريخي.
بعد مرور مائة عام على الانقلاب في هاواي، قدم الكونغرس الأمريكي في عام 1993 اعتذارا رسميا عن دور الولايات المتحدة في الإطاحة بالمملكة الشرعية. لكن الاعتذار جاء متأخرا، بعد أن استُكملت عملية الاستيعاب وطُويت صفحة التاريخ.
مع مطالبة ترامب حاليا بشكل متكرر، سلما أو حربا بجزيرة غرينلاند، تظهر قصة هاواي شاهدة من أعماق التاريخ، على سلوك الولايات المتحدة الراسخ في التذرع بالجغرافيا والسعي وراء الثروات للانقضاض على جزر منعزلة في مسار جديد قديم للتغريب الثقافي والاستيلاء على الأرض، كما جرى في هاوي التي تغير وجهها ومصير سكانها إلى الأبد.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
جسر في ذروة الحرب الباردة.. واحد مقابل ثلاثة!
في 10 فبراير 1962، عند جسر جسر غلينيك ببرلين، على الحدود بين برلين الغربية وألمانيا الشرقية، تم تبادل ضابط الاستخبارات السوفيتية ويليام فيشر بالطيار الأمريكي فرانسيس غاري باورز.
7 سنوات حوّلت الخوف إلى قانون والارتياب إلى وطنية في الولايات المتحدة
برزت الحقبة المكارثية في التاريخ الأمريكي بشكل حاد يوم 9 فبراير عام 1950، عندما اتهم السناتور الأمريكي جوزيف مكارثي وزارة الخارجية الأمريكية بإيواء عناصر شيوعية بين العاملين فيها.
خلف واجهة نيوزيلندا البراقة!
تعد معاهدة "وايتانغي"، التي وُقِّعت في 6 فبراير عام 1840 بين ممثلي التاج البريطاني وزعماء من قبائل الماوري، الوثيقة التي أعلنت نيوزيلندا مستعمرة بريطانية وأصبحت أساس وجودها الحالي.
الفرصة التي اقترحها بوتين ضاعت والعالم منذ اليوم بلا ضوابط نووية!
انتهت رسميا في الخامس من فبراير عام 2026 المعاهدة الاستراتيجية الأخيرة للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، المعروفة باسم "ستارت-3" أو "نيو ستارت".
هكذا ترفه "الإمبراطورية" عن قواتها خارج الحدود!
تأسَّست منظمة الخدمات المتحدة في 4 فبراير عام 1941، استجابة لرغبة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في إقامة كيان موحد تتولى فيه منظمات خاصة مهمة تقديم خدمات الدعم والترفيه للجيش.
أمام جحر فأر الأرض في انتظار أنباء الشتاء!
في ظلال شهر فبراير المتأرجح بين برد الشتاء وأنفاس الربيع الأولى، تستيقظ عادة قديمة هادئة في قرى أمريكا الشمالية، لتصبح حدثا يترقبه الملايين.
هوغو تشافيز ونبوءة بـ"رائحة الكبريت"!
يُمكن وصف الراحل هوغو تشافيز "1954-2013" بأنه القائد العسكري والسياسي الفنزويلي الذي صاغ، بعمق وإصرار، معالم الوضع القائم ليس في فنزويلا فحسب، بل وفي محيطها الإقليمي.
تأبين نهر ميت في أوروبا!
في ليلة 30 يناير عام 2000، شهدت بلدة بايا ماري الرومانية كارثة بيئية هائلة. أطلق مصنع حوالي مائة ألف متر مكعب من محاليل السيانيد السامة في رافد نهر سومش، يصب في نهر تيسا.
ليلة الثلاثين من يناير.. الهجوم الذي غيّر مفهوم الشرف
تتربع حكاية "السبعة والأربعون رونين" على عرش الملاحم اليابانية الخالدة، لتشكل نسيجا مأساويا يتعدى كونه مجرد واقعة تاريخية عابرة.
عيد ميلاد أول سيارة!
في تاريخ صناعة السيارات ، توجد تواريخ قسمت الزمن إلى" ما قبل "و"ما بعد". هذا الأمر ينطبق على حصول المهندس كارل بنز على براءة اختراع للعربة "موتورواجن"، أول سيارة في العالم.
محتال أجرى 16 عملية جراحية ناجحة!
في عالم الاحتيال والخداع، تبرز أحيانا شخصيات تبلغ من الفرادة والغرابة حدا يدفع إلى التساؤل عن الحد الفاصل بين الواقع والخيال وبين البراعة والجنون.
اليوم الذي توقفت فيه الخرائط عن الكذب
حين يدور الحديث عن الاكتشاف التاريخي للقارة القطبية الجنوبية، يتردد اسمَا القبطان ثاديوس بيلينغسهاوزن وميخائيل لازاريف، قائدَيْ البعثة الروسية الرائدة التي حققت هذا السبق الكبير.
قصة "رعود يناير" وزوال حصار رهيب!
قتل مئات الآلاف من سكان المدينة، معظمهم من الجوع خلال 872 يوما من حصار النازيين لمدينة لينيغراد، وفي 27 يناير 1944، انتهى هذا الرعب، وتم تحرير المدينة بالكامل من الحصار.
من اختلقها؟.. أكاذيب قديمة عن روسيا رددها هتلر ويرددونها الآن
في الآونة الأخيرة، اشتدت نوبات رهاب روسيا في الغرب، وتحولت إلى هياج وعداء أعمى لدى بعض الأوساط السياسية الأوروبية.
بقايا جنرال بريطاني في مستودع بالخرطوم!
كان الجنرال تشارلز غوردون ضابطا شهيرا خدم الإمبراطورية البريطانية في أكثر من منطقة، قاد جيوشها في الصين وعرف هناك بـ "غوردون الصين" وتولى إدارة السودان وعرف بـ "غوردون الخرطوم".
التعليقات