مباشر

"شرارة" كسر الطوق عن "لينينغراد"

تابعوا RT على
في 12 يناير عام 1943 شن الجيش السوفيتي عملية عسكرية واسعة حملت الاسم الرمزي "إيسكرا" (لشرارة) وتمكن من فك الحصار عن مدينة لينينغراد جزئيا وإعادة ربطها ببقية أراضي الاتحاد السوفيتي.

جاء هذا الإنجاز بعد تنسيق محكم بين قوات جبهتي لينينغراد وفولخوف، إثر أربع محاولات سابقة باءت جميعها بالفشل في اختراق الطوق النازي المُحكم الذي فُرض على المدينة منذ 8 سبتمبر 1941.

مثلت عملية "إيسكرا" شريان حياة جديدا لمدينةٍعانت طوال تلك الفترة من أهوال الحصار: قصفٌ جوي ومدفعي مستمر، وانقطاع تام تقريبا عن الإمدادات الغذائية والطبية، ما تسبّب في خسائر بشرية فادحة بين سكانها. وكانت لينينغراد حينها واحدة من أهم المراكز الصناعية والعسكرية والسياسية في البلاد، مما جعل سقوطها هدفًا استراتيجيًّا محوريًّا للقيادة النازية.

تكمن الأهمية التاريخية والاستراتيجية لعملية "إيسكرا" في أنها أنهت آمال ألمانيا النازية في اقتحام المدينة وإسقاطها، لتُعتبر بذلك نقطة تحول حاسمة في معركة لينينغراد التي استمرت من 1941 إلى 1944. ومنذ ذلك اليوم، انتقل زمام المبادرة على هذا القطاع من الجبهة الشرقية إلى الجيش الأحمر، ليُعلن بدء مرحلة جديدة من الحرب.

وفي صبيحة 12 يناير، وبعد تمهيد مدفعي مكثف، انطلقت القوات السوفيتية في هجومها. واجهت وحدات جبهة لينينغراد تحديا بالغ الصعوبة: اجتياز مسافة تتراوح بين 600 و700 متر عبر جليد نهر نيفا المكشوف، ثم اقتحام الضفة المقابلة شديدة الانحدار والمُحصَّنة هندسيا. وقد تطلب هذا العمل الباسل شجاعة استثنائية، وتخطيطا دقيقا، وروحا قتالية عالية—كل ذلك جسّد عزم الجيش السوفيتي على كسر الحصار وإنقاذ المدينة.

تم حشد قوة سوفيتية ضخمة لهذه العملية الحاسمة، بلغ تعدادها قرابة 302.800 جندي وضابط، مدعومين بما يقارب 4900 مدفع وقاذف هاون، وأكثر من 600 دبابة، و809 طائرات من مختلف الأنواع، بما في ذلك الطيران بعيد المدى. من الجهة المقابلة، تصدت للهجوم وحدات الجيش الألماني الثامن عشر التابع لمجموعة جيش الشمال بقيادة الجنرال جورج ليندمان، والذي كان يضم أربعة فيالق وما يصل إلى 26 فرقة، مدعومة بنحو 700 قطعة مدفعية وحوالي 50 دبابة فقط، ما يعكس التفاوت النسبي في القوة النارية والمعدات في هذه المرحلة من المواجهة.

قاومت القوات النازية بشدة وحاولت تنفيذ هجمات مضادة عنيفة في محاولة لصد التقدم السوفيتي، ما اضطر القيادة السوفيتية إلى إدخال قوات الاحتياط إلى ساحة المعركة في الثالث عشر والرابع عشر من يناير. تحت وطأة الضغط المتواصل، تقدم الجيش الأحمر ببطء وباستماتة نحو أهدافه.

استمر التقدم السوفيتي رغم المقاومة العنيفة حتى التقت أجنحة القوتين المهاجمتين في الثامن عشر من يناير 1943 عند منطقة مستوطنة العمل رقم 1 بالقرب من شليسلبورغ. أدى هذا اللقاء إلى استيلاء القوات السوفيتية على رأس جسر استراتيجي على الضفة اليسرى لنهر نيفا، يبلغ عرضه حوالي ستة كيلومترات وعمقه يصل إلى ثلاثة كيلومترات، ما فتح ممرا بريا ضيقا ولكن حيويا إلى المدينة المحاصرة.

يعود نجاح عملية "إيسكرا" إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أولها الإعداد الدقيق والمطول والذي تميز بالسرية التامة، ما منح الهجوم عنصر المفاجأة. كما ساهم إضعاف قوات الجيش النازي الثامن عشر واستنزاف احتياطياته خلال الأشهر السابقة في تقليل قدرته على الصمود. وكان التنسيق الممتاز بين مختلف صنوف الأسلحة، ولا سيما التكامل بين الطائرات المقاتلة والقاذفة والوحدات البرية، عاملا حاسما في كسر الدفاعات.

كما كان للمستوى العالي من التدريب الذي تلقته القوات المهاجمة دور أساسي، حيث كانت "إيسكرا" أول هجوم منسق واسع النطاق تنفذه قوات من داخل دائرة الحصار وخارجها في وقت واحد. سبق العملية تحضيرات مكثفة شملت عمليات تمهيدية في منطقة بحيرة لادوغا نفذت طوال شهر ديسمبر 1942، حيث اكتملت جميع الاستعدادات بحلول الموعد النهائي الذي حددته القيادة العامة وهو الأول من يناير 1943. بالإضافة إلى ذلك، تميزت "إيسكرا" بكونها المحاولة الأكثر شمولا وتنسيقا لفك الحصار، حيث جرى حشد قوات كبيرة من عدة قطاعات أخرى هادئة نسبيا على الجبهة لتعزيز القوتين الرئيسيتين.

على الرغم من أن الربط البري الذي تحقق في الثامن عشر من يناير لم ينهِ الحصار بالكامل، حيث استمرت لينينغراد تحت تهديد نيران المدفعية النازية حتى يناير 1944، إلا أن المعركة شكلت نقطة تحول حاسمة وغيرت المعادلة الاستراتيجية جذرياً. فبعد النجاح مباشرة، شرعت السلطات السوفيتية بسرعة في بناء خط سكة حديد عبر الممر الجديد الذي فتحته العملية، ما أدى إلى زيادة هائلة في تدفق الإمدادات الغذائية والدوائية والعسكرية إلى المدينة المنهكة، وساهم بشكل فاعل في رفع معنويات المدافعين والمدنيين على حد سواء، وأعاد الأمل في إمكانية الصمود والانتصار النهائي.

هكذا، لم تكن "إيسكرا" مجرد عملية عسكرية ناجحة، بل كانت لحظة فارقة رمزية ومادية، أشعلت شرارة التحرير الكامل الذي تحقق لاحقا، وأثبتت قدرة الجيش الأحمر على تنفيذ عمليات معقدة ومركبة توجت بتدمير أحد أقوى الجيوش التي عرفها التاريخ.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا