فبين الكتب الدراسية ومحتوى المؤثرين في مجال الصحة والأحاديث المتداولة في صالات الرياضة، يبدو وكأن خريطة جسم الإنسان قد اكتملت؛ كل عضلة مسمّاة، وكل عصب محدّد، وكل شيء يبدو واضحا وسهل الفهم.
لكن هذه الصورة المطمئنة ليست دقيقة تماما. فعلى الرغم من أن معظم الناس باتوا يعرفون بعض المصطلحات التشريحية الشائعة، مثل "العضلة ذات الرأسين"، فإن علم التشريح لا يزال بعيدا عن الاكتمال. ورغم قرون من الدراسة والتقدم في الفحص المجهري والتصوير الطبي، لم تُغلق صفحة هذا العلم بعد.
ويرجع هذا الانطباع إلى تاريخ طويل من الكتب المرجعية التي رسّخت فكرة اكتمال المعرفة. فمنذ نشر أندرياس فيزاليوس كتابه "بنية جسم الإنسان" عام 1543، الذي اعتمد على الملاحظة المباشرة، ترسّخ علم التشريح كعلم قائم على الأدلة. ثم جاء كتاب "تشريح غراي" لهنري غراي ليعزز الاعتقاد بأن الجسم البشري قد تم تصنيفه وشرحه بالكامل.
غير أن هذه الكتب، على أهميتها، قدّمت صورة مبسطة، إذ صوّرت الجسم وكأنه نموذج ثابت ينطبق على الجميع، بينما الواقع أكثر تعقيدا وتنوعا.
وفي بدايات هذا العلم، اعتمد علماء التشريح على جثث محدودة جرى الحصول عليها في ظروف صعبة، وغالبا من فئات اجتماعية معينة مثل الفقراء. كما أثّرت ظروف الدراسة، من ضعف الإضاءة إلى الحالة الصحية للجثث، في دقة الملاحظات. ورغم ذلك، وُضعت الأسس الأولى لعلم التشريح، لكنها لم تكن تمثل جميع البشر.
ومع مرور الزمن، ترسّخ الاعتقاد بأن كل شيء قد اكتُشف، خاصة خلال القرن العشرين، حين تراجع البحث التشريحي، وتركّز التعليم الطبي على نقل المعرفة القائمة بدلا من اكتشاف الجديد.
إلا أن هذا التصور بدأ يتغير مؤخرا. فقد أسهمت تقنيات التصوير الحديثة وتجدد الاهتمام بالدراسات التشريحية، في إعادة فحص أجزاء من الجسم، بل واكتشاف تراكيب لم تكن مفهومة بدقة من قبل.
ومن أبرز ما كشفته هذه المرحلة أن التنوع هو القاعدة في جسم الإنسان، لا الاستثناء. فالتشريح يختلف بين الذكور والإناث، وعبر مراحل العمر، وبين المجموعات السكانية، بل وحتى بين الأفراد أنفسهم.
وقد تتخذ الأوعية الدموية مسارات مختلفة، أو تختلف بنية العضلات، أو تتباين طيات الدماغ، وهو ما ينعكس على فهم الأمراض وتشخيصها وعلاجها.
لذلك، لم يعد "التشريح القياسي" سوى نموذج تعليمي مبسّط، يساعد على الفهم، لكنه لا يعكس الواقع الكامل.
وفي المحصلة، يتبيّن أن دراسة جسم الإنسان ما تزال مفتوحة على اكتشافات جديدة، وأن المعرفة به تتطور باستمرار، كلما تعمّق البحث واتسعت أدواته.
التقرير من إعداد ميشيل سبير، أستاذة التشريح، جامعة بريستول.
المصدر: ساينس ألرت