في عام 1943، تشققت فجأة أرض حقل ذرة في المكسيك، لتندفع منها حمم من النيران، ويبدأ بركان جديد في التنفس للمرة الأولى أمام عيون المزارعين المندهشين. استمر هذا البركان في ثورانه حتى عام 1952، ليصبح أصغر بركان على وجه الأرض، والوحيد الذي وُلد أمام أعين البشر.
تجاوز ارتفاع باريكوتين في عامه الأول ثلاثمئة متر، وهو يُصنف ضمن البراكين أحادية المنشأ، أي تلك التي تثور مرة واحدة فقط في تاريخها. لم يكن ثورانه نتاج سلسلة طويلة من النشاط البركاني، بل جاء نتيجة تدفق صهاري واحد اندفع بعنف إلى السطح، ثم خمد إلى الأبد. هذه السمة هي التي تمنحه خصوصيته العلمية، إذ أتاح للعلماء فرصة نادرة لدراسة دورة حياة بركان كامل من الولادة حتى الخمول.
قبل أن ينفجر البركان، كانت هناك حفرة غريبة في أرض المزارع ديونيسيو بوليدو، يستخدمها أهالي القرية مكبا للنفايات. أشارت بعض المصادر إلى وجودها، لكن يُرجح أنها كانت مؤشرا مبكرا على النشاط البركاني الكامن تحت السطح، لكنها لم تكن سببا له. مع اشتداد الثوران، سُمع دوي الانفجارات على بعد يصل إلى ثلاثمئة وخمسين كيلومترا، واندفعت الصخور والرماد إلى ارتفاع كيلومتر في السماء. بعد يومين فقط من التشكل، بدأت الحمم بالتدفق، وامتدت في البداية ثلاثمئة متر، لتصل بعد عام إلى أربعة كيلومترات.
في منتصف عام 1943، دُفنت قرية باريكوتين بالكامل تحت الرماد البركاني، وحاصرتها تدفقات الحمم من كل اتجاه، ما دفع أكثر من أربعة آلاف شخص إلى هجر منازلهم. لكن المدهش أن تلك الحمم لم تودِ بحياة أحد، وكأن الطبيعة أرادت أن تري العالم قدرتها على الخلق والتدمير معا دون أن تزهق روحا.
يقع باريكوتين في الحزام البركاني العابر للمكسيك، حيث تتصادم الصفائح التكتونية وتنغمس صفيحتا ريفيرا وكوكوس تحت صفيحة أمريكا الشمالية على طول خندق أمريكا الوسطى. يؤدي هذا الانغماس إلى انصهار جزئي في الوشاح، وتكوّن الصهارة التي تصعد عبر القشرة الأرضية.
قبل أسابيع من الثوران، بدأت سلسلة من الزلازل في هز المنطقة، وسمع الأهالي أصواتا تشبه الرعود في سماء صافية. لم تكن تلك مجرد ظواهر جوية، بل زلازل عميقة ناتجة عن حركة الصهارة في الأعماق. كشفت دراسة لاحقة أن واحدا وعشرين زلزالا تجاوزت قوتها 3.2 درجات سبقت الثوران بخمسة أسابيع. مع اقتراب اللحظة الحاسمة، تسارعت الهزات ليصل عددها إلى نحو ثلاثين هزة يوميا قبل أسبوع من الحدث، ثم قفزت إلى ثلاثمئة هزة في اليوم السابق للثوران.
يُعتبر باريكوتين أحدث الفوهات البركانية بين حوالي ألف وأربعمئة فوهة موزعة في حقل ميتشواكان-غواناخواتو البركاني. تمتد هذه الهضبة البازلتية على مساحة أربعين ألف كيلومتر مربع، وتضم تنوعا كبيرا من المخاريط البركانية، والبراكين الدرعية، والفوهات، وحلقات الطف، وقباب الحمم. يرتبط النشاط البركاني في هذه المنطقة بعمليات صهارية معقدة أنتجت صخورا بازلتية وأنديزيتية غنية بمعدن الأوليفين، وهي تركيبة تتشابه بشكل لافت مع تلك التي انبثقت من بركان خورولو في منتصف القرن الثامن عشر. يعتقد العلماء أن هذا التشابه قد يشير إلى وجود مصدر صهاري مشترك، أو ربما إعادة تنشيط نظام صهاري قديم كامن تحت المنطقة.
للمرة الأولى في تاريخ علم البراكين، تمكن العلماء من توثيق دورة نمو كاملة لبركان مخروطي الشكل. سجلوا مرحلته الأولية السريعة التي بلغ فيها ارتفاعه أربعمئة متر خلال عام واحد فقط، وراقبوا كيف تطور نشاطه وتدفق الحمم منه وسبل تساقط الرماد وفق مراحل يمكن التنبؤ بها. مكّن هذا الفهم العميق العلماء من وضع نماذج دقيقة للبراكين أحادية المنشأ في مختلف أنحاء العالم، ما أسهم في تحسين قدراتهم على تقدير المخاطر البركانية والتقليل من آثارها على المجتمعات المجاورة.
كان باريكوتين مختبرا طبيعيا فريدا لدراسة سلوك الحمم البازلتية الأنديزيتية اللزجة. تعلم العلماء كيف يتراكم الضغط داخل التدفقات، وكيف يتسبب في اندفاع فصوص جديدة من الصخور المنصهرة، وكيف تتشكل قشرة صلبة على سطح الحمم لتحولها إلى أنابيب عازلة تسمح للصهارة بالانتقال لمسافات طويلة دون أن تفقد حرارتها. هذه المعرفة لم تبق حبيسة المختبرات، بل تُرجمت مباشرة إلى أدوات عملية للتنبؤ بسلوك البراكين النشطة وإنذار المجتمعات القريبة منها في الوقت المناسب.
يمكن القول إن بركان باريكوتين هو من وضع علم البراكين الحديث، القائم على الملاحظة الميدانية والرصد المستمر على الخريطة العالمية، فقد ألهمت قصته إنشاء مراصد بركانية متخصصة في أنحاء العالم، وأكدت أهمية تتبع النشاط الزلزالي والحراري بشكل منتظم.
لم يقتصر تأثير هذا الحدث على الأوساط العلمية فحسب، بل استحوذ على خيال العالم أجمع. خصصت له مجلة لايف تقارير مصورة، وتناقلته نشرات الأخبار، فتحولت الكارثة المحلية إلى حدث عالمي طبع ذاكرة جيل كامل. بالنسبة لشعب بوريبشا الأصلي، صار باريكوتين جزءا لا يتجزأ من تاريخه وهويته، يقص افراده حكايته على أطفالهم كما تروى الأساطير عنه.
المصدر: RT