مباشر

"نفاثات راقصة" من ثقب أسود تكشف عن قوة هائلة تعادل 10 آلاف شمس

تابعوا RT على
تمكن العلماء لأول مرة من إجراء قياسات دقيقة لثقب أسود بعيد، ما كشف النقاب عن القوة الهائلة لهذه الأجرام الغامضة التي حيرت الفلكيين لعقود.

وباستخدام تلسكوب لاسلكي يمسح الكوكب بأكمله، سجل العلماء "النفاثات الراقصة" المنطلقة من ثقب أسود يقع على بعد نحو 7000 سنة ضوئية من الأرض.

وهذه والنفاثات (Jets) - وهي تيارات ضيقة وسريعة جدا من الجسيمات شديدة الحرارة، تطلق طاقة هائلة تعادل ما تنتجه 10 آلاف شمس، وتتحرك بسرعة 150 ألف كيلومتر في الثانية، أي ما يقارب نصف سرعة الضوء.

لكن المفاجأة أن هذه النفاثات من المادة شديدة الحرارة تستخدم فقط نحو 10% من الطاقة التي يبتلعها الثقب الأسود أثناء تغذيته، بينما يختفي الجزء الأكبر من الطاقة في مكان آخر ما يزال غامضا.

نجم عملاق وثقب أسود في رقصة كونية

هذه الاكتشافات تأتي من نظام ثنائي يسمى "نجم الدجاجة إكس-1" (Cygnus X–1)، وهو نظام يضم نجما فائق الكتلة وثقبا أسود يدوران حول بعضهما. ويخلق هذا النجم العملاق رياحا شمسية هائلة، حيث يقذف كتلة تزيد 100 مليون مرة عن كتلة شمسنا كل ثانية، وبسرعات تفوق سرعة رياح شمسنا بثلاث إلى أربع مرات.

وهذه الرياح قوية جدا لدرجة أنها تعمل على ثني النفاثات بنحو درجتين، تماما مثل الرياح القوية التي تهب على الماء الخارج من نافورة. وبفضل معرفة العلماء بقوة الرياح القادمة من النجم، تمكنوا من حساب القوة التي تمارسها على النفاثة، ومن ثم معرفة مدى قوة النفاثة نفسها لأول مرة بدقة.

كيف تنطلق نفاثات الثقب الأسود؟

تحتوي الثقوب السوداء على مادة شديدة الكثافة لدرجة أنه حتى الضوء لا يمكنه الإفلات من جاذبيتها. لكن بينما تمتص هذه الأجسام الضوء، فإنها تخلق أيضا انفجارا مذهلا من الطاقة على شكل نفاثات تنطلق من قطبيها.

وعندما تسحب المادة إلى داخل الثقب الأسود، فإنها لا تسقط فيه مباشرة، بل تدور حوله مثل الماء الذي يدور حول مصرف الحوض، وتتسارع تدريجيا إلى سرعات تقترب من سرعة الضوء. وأثناء ذلك، تحمل المادة معها مجالات مغناطيسية، وعندما تلتف خطوط هذه المجالات، فإنها تساعد في إطلاق النفاثة إلى الفضاء.

ويمكن لنفاثات أكبر الثقوب السوداء أن تمتد لعدة سنوات ضوئية خارج الثقب الأسود، وتضخ كميات هائلة من الطاقة في المناطق المحيطة، مؤثرة بذلك على تشكل النجوم والمجرات.

ويعد فهم قوة هذه النفاثات أمرا بالغ الأهمية لمعرفة مدى سرعة تغذية الثقب الأسود ونموه. ويمكن للعلماء قياس سرعة التهام الثقب للمادة عن طريق رصد الأشعة السينية المنبعثة منها، لكنهم يحتاجون أيضا لمعرفة كمية المادة التي يتم قذفها في النفاثات بدلا من ابتلاعها.

ومعا، تعطي هذه القياسات ما يسمى "ميزانية الطاقة" للثقب الأسود، وهو ما يشبه حساب السعرات الحرارية، لكن بالنسبة للثقب الأسود بدلا من الإنسان.

وتكمن المشكلة السابقة في أن العلماء كانوا يقيسون فقط متوسط الطاقة التي تذهب إلى النفاثات على مدى عشرات الآلاف من السنين، من خلال مراقبة كيفية تضخيم النفاثات لفقاعات في الغازات المحيطة. لكن هذه الطريقة ليست دقيقة بما يكفي، لأنها لا تعطى صورة واضحة عما يحدث الآن.

أما القياس الجديد، فيسمح لأول مرة بتحديد النسبة المئوية للطاقة التي تتحول إلى نفاثات بدقة وفي الزمن الحالي، ما يعطي صورة أوضح بكثير.

ويعد هذا الاكتشاف مهما لعلماء الفلك بشكل خاص، لأن أفضل النظريات تشير إلى أن فيزياء الثقوب السوداء واحدة بغض النظر عن حجمها. لذا فإن هذا القياس الدقيق يمكن أن يكون مرجعا تثبت عليه الدراسات المستقبلية للثقوب السوداء، سواء كانت كتلتها خمسة أضعاف كتلة الشمس أو خمسة مليارات ضعف.

وسيساعد هذا الاكتشاف أيضا في فهم كيفية وصول الكون إلى حالته الحالية، لأن نفاثات الثقوب السوداء فائقة الكتلة تلعب دورا رئيسيا في تشكل الكواكب والنجوم والمجرات.

وفي بعض الحالات، يمكن لهذه النفاثات أن تضخم فقاعات غازية هائلة تتجاوز حجم المجرة المضيفة نفسها، ما يؤثر بشكل عميق ومباشر على تطور المجرة.

وتعرف هذه العملية باسم "التغذية الراجعة"، وهي الآلية التي تنظم كيفية نمو المجرات وتطورها عبر الزمن.

وفي السابق، كان على العلماء الذين يقومون بمحاكاة حاسوبية للكون أن يفترضوا مدى كفاءة الثقوب السوداء في تحويل الطاقة إلى نفاثات، لكن هذا القياس الجديد يقدم أول أساس رصدي مباشر لهذه الكفاءة، ما يجعل عمليات المحاكاة هذه أكثر دقة وموثوقية من أي وقت مضى.

المصدر: ديلي ميل

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا