وقد أضافت دراسة علمية حديثة طبقة جديدة من الغموض الذي يلف هذا الكوكب، بعد أن كشفت عن أدلة مثيرة عن احتمال أن تكون حلقاته وقمره العملاق "تيتان" قد ولدا معا نتيجة اصطدام كوني عنيف وقع قبل 100 مليون سنة فقط.
وخلال الدراسة التي نشرتها مجلة Planetary Science Journal، حاول فريق من معهد SETI حل لغزين حيرا العلماء لفترة طويلة: لماذا تبدو حلقات زحل أصغر عمرا مما يفترض؟، ولماذا يسلك مدار تيتان هذا الشكل الغريب؟.
ما الذي قالته لنا المركبات الفضائية؟
بدأت رحلة استكشاف زحل عام 1979 مع المسبار "بيونير 11"، ثم تبعته مهمتا "فوياجر". لكن الثورة الحقيقية في معرفتنا بهذا الكوكب جاءت مع مركبة "كاسيني" التي أمضت 13 عاما في جمع البيانات.
فقد اكتشف العلماء بفضل هذه البيانات أن مدارات بعض أقمار زحل غير منتظمة، وأن حلقات الكوكب أصغر عمرا بكثير من المتوقع. كما وجدوا أن كتلة زحل تتركز في مركزه بشكل أكبر مما كانوا يعتقدون. وهذه الملاحظات فتحت الباب أمام تساؤلات جديدة حول تاريخ الكوكب.
فكرة جريئة بدأت تتشكل
في عام 2022، طرح فريق من العلماء فكرة مثيرة للاهتمام: ربما فقد زحل قمرا كاملا قبل 100 مليون سنة، وهو نفس العمر التقريبي لحلقاته الحالية. ولتأكيد هذه الفكرة، لجأ باحثو معهد SETI إلى المحاكاة الحاسوبية، وكانت النتائج مذهلة.
فأثناء التجارب، لاحظ الفريق شيئا غريبا يتكرر دائما: عندما يضيفون قمرا افتراضيا إلى المحاكاة، كان القمر الحقيقي "هايبريون" (أصغر أقمار زحل الرئيسية) يختفي من الوجود. وهذا التناقض لفت انتباههم، خاصة أنهم وجدوا أيضا أن هايبريون وتيتان مرتبطان مداريا بعلاقة حديثة نسبيا، لا يتجاوز عمرها بضع مئات من السنين.
وبعد سلسلة من التجارب، استقر الفريق على تفسير مقنع يقول إنه ربما لم يكن هناك قمر واحد، بل قمران قديمان.
وفي هذا السيناريو، اصطدم "تيتان البدائي" بقمر آخر أصغر هو "هايبريون البدائي" واندمجا معا. وهذا الاصطدام العنيف يفسر سبب خلو سطح تيتان من الفوهات الكثيرة، كما يفسر سبب مداره البيضاوي غير المنتظم.
أما القمر هايبريون الذي نراه اليوم بشكله الغريب، فربما يكون مجرد بقايا تشكلت من حطام ذلك الاصطدام العظيم.
والاكتشاف الأكثر إثارة كان متعلقا بحلقات زحل. فقد وجد العلماء أن مدار تيتان البيضاوي يؤثر على استقرار الأقمار الداخلية للكوكب، فيدفعها تدريجيا إلى مسارات خطيرة تنتهي باصطدامات عنيفة. والحطام الناتج عن هذه التصادمات هو الذي شكل حلقات زحل التي نعرفها اليوم.
وخلصت الدراسة إلى أن حلقات زحل وقمره تيتان "توأمان" ولدا من نفس الحادثة العنيفة قبل 100 مليون سنة فقط، وهذا ما يفسر لماذا حلقات زحل أصغر عمرا بـ25 مرة من الكوكب نفسه (عمر الكوكب 4.5 مليار سنة).
لكن يبقى كل ما سبق مجرد محاكاة حاسوبية، مهما كانت مقنعة. والحسم النهائي سيأتي بعد سنوات قليلة، عندما تصل مهمة "دراغون فلاي" التابعة لناسا إلى تيتان في عام 2034.
وهناك، ستجمع المهمة عينات وبيانات حقيقية من سطح هذا العالم البعيد، لتؤكد أو تنفي هذه الفرضية المثيرة، وتكتب فصلا جديدا في فهمنا لتاريخ زحل وعائلته الغامضة.
المصدر: Gizmodo