مباشر

"الرجال الزرق".. الطوارق في عيون الرحالة الأوروبيين

تابعوا RT على
اندهش الرحالة الأوروبيون، عند تعرّفهم إلى الطوارق في لقاءاتهم الأولى بالصحراء الكبرى، وانتابتهم مشاعر متباينة تراوحت بين الحذر والخوف من جهة، والإعجاب الكبير من جهة أخرى.

وُثّقت هذه الانطباعات في كثير من الأحيان في مذكرات الرحالة وكتبهم، ثم أصبح الطوارق، بمرور الزمن، مجتمعا ثقافيا وحضاريا متميزا انكبّ على دراسته متخصصون أوروبيون في مجالات مختلفة.

بدأ التواصل المستمر مع الأوروبيين في أواخر القرن الثامن عشر، لا سيما عبر مراكز القوافل في فزان وغات وتمبكتو. كان الرحالة الأوروبيون يعتمدون على الطوارق أدلاء وحراسا، وفي الوقت نفسه كانوا يهابونهم.

لفت مظهر الطوارق وهيئتهم أنظار الأوروبيين بشكل خاص، إذ كان الرجال يغطون وجوههم بالكامل تقريبا بلثام طويل يُعرف بـ"تجلمست"، وغالبا ما كان هذا اللثام مصبوغا باللون الأزرق النيلي، وهو لون كان يترك أثرا على بشرتهم. ولهذا دفعهم ذلك إلى وصفهم بـ"رجال الصحراء الزرق".

كانت مشاعر الحذر والخوف تنبع غالبا من السمعة التي اشتهر بها الطوارق كمحاربين أشداء يسيطرون على طرق القوافل، علاوة على أساطير وخرافات شاعت حول قسوتهم. كثيرا ما صنّف الأوروبيون الطوارق بوصفهم "همجا" أو "سحرة خطرين" أو حتى "كائنات ذات طبيعة خارقة". لم يكن هذا الحذر من جانب واحد فحسب، بل كان متبادلا؛ إذ نظر الطوارق إلى الأوروبيين بوصفهم أعداء محتملين يسعون إلى إخضاع الصحراء لسيطرتهم.

عرض الرحالة الأوروبيون في كتاباتهم أوصافا متناقضة عن الطوارق، فقد أشار عالم الأنثروبولوجيا الروسي ألكسندر يليسيف، الذي زار الصحراء الكبرى بنفسه في ثمانينيات القرن التاسع عشر، إلى أن الرجل من الطوارق "يظل مغطى دائما بنوع من اللثام"، وأنه "لا ينزع غطاءه أبدا، ولا حتى عند الأكل أو النوم".

أبدى يليسيف إعجابه بقدرة الطوارق على التنقل في الصحراء، واصفا إياهم بأنهم "سادة" أراضيهم. كما كتب أن الطوارق يكنّون كراهية للأوروبيين، إذ يرون فيهم أعداء و"طغاة" يسعون إلى إخضاع الصحراء لسيطرتهم.

في المقابل، نجح المستكشف الفرنسي هنري دوفيرييه في كسب ثقة الطوارق وقضى وقتا طويلا بينهم؛ ففي مدوناته التي حملت عنوان "طوارق الشمال"، رسم صورة لهم بوصفهم "فرسانا نبلاء للصحراء"، مشيدا بقواعد الشرف لديهم، وبكرم ضيافتهم، وحكمتهم.

أما عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي أوجين ليغاريه، فقد وصف لقاء جمعه بأحد أفراد الطوارق بأنه كان بمثابة مواجهة مع "تجسيد للعنة"، مشيرا إلى أنه كلما رأى رجلا يرتدي ملابس زرقاء تغطي جسده بالكامل بينما بقي وجهه مكشوفا، شعر بتهديد مميت، مضيفا أن ذلك كان يُعدّ، بحسب الأعراف القبلية، نذيرا بالقتل.

إلى ذلك، قدّم المستكشف والرحالة الألماني فريدريك هورنمان، في عام 1798، واحدة من أوائل الروايات المفصلة عن الطوارق، حيث أشار إلى أنهم "نحيلون، ويميلون إلى الطول أكثر من القصر. مشيتهم سريعة لكنها ثابتة، ونظراتهم صارمة، وهيئتهم العامة توحي بالطابع الحربي. لو حظوا بالتعليم والثقافة، لربما جعلتهم مواهبهم الفطرية في مصافّ أرقى شعوب العالم".

أما الضابط البحري والكاتب البريطاني جورج فرانسيس ليون، خلال رحلته في الأعوام 1818–1820، فقد عبّر عن إعجابه بكلمات أكثر حماسة ودهشة، ووصفهم بأنهم "أرقى جنس من البشر رأيتهم في حياتي؛ طوال القامة، نحيلون، ووسيمون، ويتمتعون بمسحة من الاستقلالية والكبرياء تفرض هيبتها حقا". قدّم ليون أيضا وصفا دقيقا للثامهم وأزيائهم الزرقاء، وهو ما أدى لاحقا إلى ظهور صورة "الرجال الزرق" في الصحراء الكبرى.

مع ذلك، وُصف الطوارق في الروايات البريطانية المبكرة أيضا بأنهم "أكثر قبائل الصحراء توحشا وغدرا وتعطشا للدماء"، وقد تعززت هذه الصورة السلبية بفعل مواجهات وصراعات فعلية، إذ تعرض ألكسندر غوردون لاينغ، وهو أول أوروبي يصل إلى تمبكتو، لإصابات بالغة على يد الطوارق في عامي 1825–1826، حيث قيل إنه أصيب بأكثر من عشرين جرحا. نتيجة لهذه الانطباعات الملتبسة، كان حتى أولئك الرحالة الذين وجدوا الطوارق مضيافين يحرصون على الحفاظ على علاقات طيبة معهم؛ وقد أشار ريتشاردسون، على سبيل المثال، إلى كرم ضيافتهم، ومع ذلك لم تجنّبهم هذه الخصلة التعرّض لهجمات.

بحلول منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت الانطباعات الأوروبية أكثر دقة وتناقضا. في عام 1850، كان كل من ريتشاردسون وبارث وأوفرتيغ من أول الأوروبيين الذين زاروا طوارق منطقة آير، وسط النيجر الحالي. هناك، انخرط بارث في حوارات مطولة مع زعيمهم "أنور".

اللافت أن الطوارق كانوا يقيّمون الأوروبيين تماما كما كان الأوروبيون يقيّمونهم، إذ اعتبر زعيم الطوارق "أنور"، الأوروبيين "همجا" لأنهم "يقتلون الناس بالمدافع" بدلا من القتال بالرماح والسيوف، كما يليق بالرجال الحقيقيين.

في وقت لاحق، قدّم المستكشف الفرنسي هنري دوفيرييه، الذي قضى تسعة أشهر بين طوارق "كيل أجر" بشمال غرب ليبيا، صورة رومانسية ومؤثرة عنهم؛ ووصفهم بأنهم طوال القامة، رشيقون، فاتحو البشرة، وبعضهم ذوو عيون زرقاء، ويتمتعون بهيبة متعالية. وقد توثقت علاقات دوفيرييه بـ"رجال الصحراء الزرق"، حتى إنه وُصف بأنه "أول صديق أوروبي للطوارق".

كتب جورج توتي، وهو ضابط ورحالة فرنسي قاد بعثة استكشافية عسكرية في غرب أفريقيا، عن الطوارق قائلا: "على مدى الأيام الثلاثة الماضية، اكتسبت رحلتي بعدا جديدا من الإثارة؛ فنحن محاطون بوجوه بيضاء، وأجساد ممشوقة، ونظرات قلقة، وتعبيرات كثيرة عن الصداقة، تتخللها، بشكل لا لبس فيه، إشارات إلى الكراهية والغدر... هل هؤلاء الطوارق، الذين استقبلونا بحفاوة بالغة، أصدقاء أم أعداء؟ لم أعد أعرف، لكنهم... بيض البشرة".

على هذا المنوال، تباينت الانطباعات الأولى التي كوّنها الأوروبيون عن الطوارق، فتراوحت بين الرهبة والخوف من جهة، والإعجاب بحبهم للحرية، وبراعتهم القتالية، وثقافتهم الغامضة من جهة أخرى. اللافت أن هذه الصور المتناقضة ترسخت بعمق في الوعي الأوروبي، وظلت تؤثر في تصورات الغربيين للطوارق زمن طويلا.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا