جرى ذلك في 28 أبريل 1789 خلال رحلة استكشافية بحثا عن "فاكهة الخبز" في المحيط الهادئ. فاكهة الخبز، ثمرة استوائية موطنها الأصلي جزر المحيط الهادئ، تتميز بفوائدها الغذائية.
هذا التمرد أصبح أحد أشهر الأحداث في التاريخ البريطاني والعالمي، وقد حظي على مر الزمن باهتمام واسع من وسائل الإعلام كما كان مصدر إلهام للعديد من الأعمال الأدبية والمسرحيات والأفلام.
كانت السفينة "باونتي" تبحر على بعد حوالي 56 كيلو مترا جنوب جزيرة توفوا البركانية النائية. أثناء نوبته، تآمر مساعد القبطان فليتشر كريستيان مع بعض أفراد الطاقم، وقام بأسر القبطان بلاي والسيطرة على السفينة. أمر بإنزال القبطان في قارب يبلغ طوله 23 قدما مع 18 من أنصاره المخلصين، فيما بقي حوالي 25 بحارا على متن السفينة، بمن فيهم عدد من الموالين للقبطان.
أبحر المتمردون إلى جزيرة تاهيتي، وهناك قرر ستة عشر بحارا البقاء على الرغم من معرفتهم بأن السلطات البريطانية ستفتش عنهم وتلقي القبض، فيما أبحر القسم الثاني المكون من ثمانية بحارة بقيادة كريستيان واصطحبوا معهم عدد من رجال ونساء تاهيتي، للبحث عن ملاذ آمن في جزر المحيط الهادئ. هذه المجموعة الصغيرة كان بيتها، بحار يدعى جون آدامز، كان له دور هام في هذه المغامرة المثيرة.
بنهاية المطاف وجدت هذه المجموعة من البحارة المتمردين ضالتهم، ورسوا على شاطئ جزيرة "بيتكيرن" النائية وغير المأهولة. أول ما قاموا به، جردوا السفينة " باونتي"، من محتوياتها ثم أحرقوها حتى لا يُكتشف أمرهم.
القبطان الطريد بلاي وأنصاره أبحر في قارب النجاة مسافة تزيد عن 4000 ميل، ونجوا بأعجوبة. لحسن الحظ أن البحارة المتمردين زودوهم ببعض المؤن بما في ذلك الماء والخبز ولحم الخنزير المجفف.
أظهر القبطان بلاي مهارة فائقة في الملاحة. قاد القارب في رحلة ملحمية لمسافة طويلة، ووصل ومن معه بعد 47 يوما بسلام إلى جزيرة تيمور في جزر الهند الشرقية في 14 يونيو 1789. بعد عودته إلى إنجلترا، مثل أمام محكمة عسكرية بتهمة فقدان السفينة التي كان يقودها، إلا أنه بُرِّئ، وحصل على تسريح مشرف.
البحارة المتمردون الذين قرروا البقاء في جزيرة تاهيتي جرى القبض عليهم في وقت لاحق بواسطة بحارة السفينة البريطانية "باندورا"، وجرى نقلهم إلى إنجلترا، حيث حوكموا وتم إعدام ثلاثة منهم شنقا.
تضاربت الروايات عن أسباب التمرد على ظهر السفينة "باونتي"، إحداها عزته إلى سوء معاملة القبطان لأفراد الطاقم، وأخرى أرجعت التمرد إلى الحالة النفسية للبحارة المنهكين خلال رحلة طويلة بعيدا عن تاهيتي، كما ذكرت رواية ثالثة أن قائد التمرد كريستيان كان يكن ضغينة شخصية على القبطان.
ظهرت أيضا حكايات وأساطير مثيرة عن هذا التمرد، إحداها صدرت عن القبطان بلاي الذي ذكر أن سبب التمرد يتمثل في الفجور في جزيرة تاهيتي، وذلك لأن سكان الجزيرة استقبلوا الطاقم المنهك بعد الرحلة الطويلة بحفاوة بالغة، ما جعل البحارة يفقدون صوابهم من بهجة الشواطئ الخلابة والحسناوات المحليات ولم يرغبوا في العودة إلى إنجلترا.
بقي مصير القسم الثاني من المتمردين الذين لجأوا إلى جزيرة "بيتكيرن" النائية غامضا حتى عام 1808، حين وصل إليها بحارة سفينة أمريكية كانوا يعتقدون أنها خالية من السكان. دهشوا حين هرع لاستقبالهم ثمانية نساء و25 طفلا ورجل.
زادت دهشة البحارة الأمريكيين حين تحدث إليهم هؤلاء الغرباء باللغة الإنجليزية. تبين أن هذه المجموعة من نسل بحارة "باونتي" المتمردين وأن الصراعات والأمراض قضت على جميع البحارة ومن كان معهم من سكان تاهيتي ما عدا واحد اسمه جون آدامز، الذي سبق ذكره.
في وقت لاحق منح هذا البحار الذي أصبح بمثابة ملك في هذه الجزيرة النائية والمهجورة العفو، وعاد لزعامة مجموعته الصغيرة من النساء والأطفال في جزيرة "بيتكيرن".
لا يزال تمرد السفينة "باونتي" قصة مثيرة تعكس أحد أبرز الأحداث الأسطورية في تاريخ الرحلات البحرية في تلك الحقبة، وهي تستمد أهميتها بما تختزنه من عناصر التفاعل المعقد بين الانضباط الصارم والقسوة المفرطة والتنافس المحموم ومدى القدرة على التحمل في جزر ساحرة منعزلة تشبه الجنان.
المصدر: RT