إضافة إلى ذلك، عُرف ليوناردو في عصره بقدراته الموسيقية، بل وحتى ببراعته في إعداد دروس الطهي. لقد كان موهوبا وبارعا في كل مجال قرّبه، كما كان يجيد استخدام يديه اليسرى واليمنى بموهبة متكافئة، مما أضفى على أعماله طابعاً فريداً.
من الناحية الفنية، طوّر ليوناردو أسلوبا مبتكرا تفقد فيه الأجسام حدودها الحادة، وتصبح خطوطها الخارجية ناعمة وكأنها مغلفة بالضباب. وقد خلق هذا الأسلوب تأثيرا ثلاثي الأبعاد، وتفاعلا بديعا بين الضوء والظل. على سبيل المثال، في لوحة "الموناليزا" أو "الجيوكوندا"، لا وجود لأي خطوط حادة، بل يبدو وجه السيدة وابتسامتها نابضين بالحياة.
من بين ما يقرب من مئتين وخمس لوحات تُنسب إلى دافنشي، لم يتبق سوى خمس عشرة لوحة تقريبا. بقيت العديد من الأعمال غير مكتملة بسبب اندفاعه المستمر، أو فقدانه الاهتمام بالمشاريع، أو نقص التمويل، وهي سمة عكست طبيعة شخصيته الفضولية التي لا تقف عند حد.
من مهاراته الفنية أيضا أنه كان يستعين غالبا بنماذج بشرية من الشوارع لإضفاء الواقعية على صوره. فمثلا، اختار رجلا التقى به في السجن ليرسم على ملامحه شخصية يهوذا، ما أضاف عمقا دراميا لواحدة من أشهر لوحات الجداريات في التاريخ.
أما منجزاته الهندسية، التي سبقت عصرها بقرون، فكانت مذهلة حقا. صمم ليوناردو طائرة مجنحة أطلق عليها اسم "أورنيثوبتر"، وهي عبارة عن جهاز مزود بأجنحة يهدف إلى رفع إنسان في الهواء. وقد أصبحت أفكاره لاحقا أساسا مهما لتطوير الطائرات الحديثة.
من إنجازاته المدهشة أيضا تطويره نموذجا أوليا لبدلة غوص مزودة بقناع للتنفس، وترك رسما تخطيطيا لسترة نجاة لا تختلف كثيرا عن السترة المستخدمة اليوم.
شملت تصميماته الهندسية العجيبة مركبة مدرعة مزودة بمدافع دوارة تشبه "السلحفاة" في شكلها، كما ابتكر فكرة "الإنسان الآلي" التي تعتبر مقدمة لعلم الروبوتات. وصمم ليوناردو هيكلا هرميا مصنوعا من شرائح خشبية وقماش، يساعد على الهبوط الآمن من المرتفعات. في عام 2000، بنى المظلي البريطاني أدريان نيكولاس نموذجا عمليا استنادا إلى تصاميمه، ليثبت صحتها بعد خمسة قرون.
لم تقف ابتكاراته عند هذا الحد، بل شملت آلية قفل للأسلحة النارية، وكشافا ضوئيا، وساعة منبه مائية، وجهاز تقطير مبرد بالماء، ومطحنة درفلة دوارة، وغيرها الكثير مما أسس لعصر النهضة التقنية.
في مجال التشريح، أجرى ليوناردو عمليات تشريح دقيقة لدراسة التركيب الداخلي لجسم الإنسان، وتميزت رسوماته للعضلات والأعضاء والعظام بدقتها المتناهية وتفاصيلها التي تذهل الأطباء حتى اليوم. اكتشف أن القلب يتكون من أربع حجرات، ووصف بدقة آلية عمل العضلة ذات الرأسين العضدية. درس ليوناردو طبيعة الضوء والظل، وأدرك كيفية انكسار الأشعة الضوئية وكيفية تكوّن المنظور. وكان أول من شرح سبب زرقة السماء، مبينا أن ذلك يحدث لأن الهواء يشتت ضوء الشمس في الغلاف الجوي.
مضى دافنشي أبعد من ذلك، فاستنتج أثناء بناء القنوات أن الأرض أقدم بكثير مما ورد في الكتاب المقدس، ولاحظ طبقات الأرض ووضع مبدأً علميا لتحديد زمن تكوينها، مما يجعله رائدا في علوم الجيولوجيا.
من مواهب دافنشي الأخرى الموسيقى، إذ عزف على القيثارة ببراعة، وكان يُعتبر موسيقيا ومغنيا بارعا. صنع ذات مرة قيثارة فضية مذهلة على شكل جمجمة حصان لإبهار دوق ميلانو، وتم توظيفه آنذاك ليس كفنان أو مهندس، بل كموسيقي.
من خصائصه المدهشة أيضا أنه كان يكتب بخط معكوس، من اليمين إلى اليسار، وبأحرف صغيرة جدا، بحيث لا يمكن قراءة ملاحظاته إلا بمساعدة المرآة. السر في ذلك أن الكتابة بالحبر من اليسار إلى اليمين باليد اليسرى غير مريحة، لأن اليد تلطخ النص المكتوب، والقلم يخدش الورقة بزاوية غير معتادة. أما عند الكتابة من اليمين إلى اليسار، فتتحرك اليد اليسرى على ورقة نظيفة دون أن تلمس الحبر، وهي ميزة تقنية بحتة.
بحسب بعض الروايات، كان العبقري دافنشي يمارس عادة نوم غريبة متعددة المراحل، إذ كان ينام خمس عشرة دقيقة كل أربع ساعات، ما يسمح له بالنوم حوالي تسعين دقيقة فقط في الليلة، ليتفرغ بقية الوقت للتأمل والعمل والإبداع.
دافنشي هو من كتب العبارة الشهيرة: "الحكمة ابنة التجربة". بالنسبة له، تأتي كل المعرفة من مراقبة الطبيعة: طيران الطيور، وجريان المياه، وحركة العضلات، وتكوينات الصخور. كان هذا الفضول الشامل، أكثر من أي اختراع منفرد، هو المظهر الحقيقي لعبقريته الفريدة.
رغم أن شهرته طبقت الآفاق، إلا أن حياة ليوناردو دافنشي الشخصية لا تزال موضع جدل. فقد أخفى هذا الجانب من حياته بعناية فائقة، ولم تصلنا أي معلومات موثوقة عن علاقاته العاطفية أو تفاصيل حياته الخاصة، ما يضفي المزيد من الغموض على هذه الشخصية الأسطورية.
المصدر: RT