الجثث بقيت على الأرض و"بوابة السماء" لم تُفتح!
بين غبار متطاير في منطقة صحراوية في كاليفورنيا، وتحت سماء واجمة، ظهر لأعين مشدوهة مشهد تجاوز حدود الخيال في لوحة بشعة من أغرب مآسي الموت الجماعي في القرن العشرين.
كان ذلك في السادس والعشرين من مارس عام 1997، حين كشف النقاب عن جثث تسعة وثلاثين شخصا يرتدون زيا موحدا، ويحملون في جيوبهم ذات المبلغ النقدي، ويحدقون بعيون فارغة في سقف قصرهم المستأجر في حي رانشو سانتا بمدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية.
لم يكونوا مجرد أسماء في قائمة ضحايا، بل خليطا عجيبا من المجتمع الأمريكي. كان بينهم نجل رئيس تنفيذي لشركة اتصالات، وابنة قاض فيدرالي، وشقيق الممثلة الشهيرة نيشيل نيكولز، بطلة مسلسل "ستار تريك"، إلى جانب ربة منزل من ولاية آيوا، ومفتش بريد، ومستثمر عقاري، بل وحتى مرشح سابق للكونغرس عن الحزب الجمهوري. أعمار هؤلاء كانت متباينة من الثامنة عشرة إلى الثانية والسبعين، وخلف كل واحد منهم قصة أزمة شخصية، وفاة عزيز، طلاق، ضائقة مالية، قبل أن يجدوا ضالتهم في أحضان جماعة وعدتهم بالسفر إلى النجوم.
تلك الجماعة التي عُرفت باسم "بوابة السماء"، تأسست في منتصف سبعينيات القرن الماضي على يد ثنائي غريب، مارشال أبلوايت، ابن كاهن مسيحي وموظف سابق في ناسا، وبوني لو نيتلز، ممرضة مهموسة بفلسفات الغرائب ونبوءات الكتاب المقدس.
الاثنان مزجا المسيحية مع أفكار غريبة عن كائنات فضائية ورحلات بين الكواكب، ليصوغا عقيدة فريدة تقول إن إله الكتاب المقدس ليس سوى كائن فضائي متطور للغاية، بينما الأجانب الأشرار، الذين أطلقوا عليهم اسم “اللوسيفيريين”، هم من شوهوا الأديان الأرضية.
في البداية، كان الوعد مغريا يتمثل في تحول بيولوجي إلى كائنات فضائية، وانتقال بواسطة سفينة فضائية إلى "المستوى التالي" من الوجود. لكن بعد أن رحلت بوني عن العالم إثر إصابتها بالسرطان عام 1985، تغيرت العقيدة بشكل جذري، وتحولت فكرة الانتقال المادي إلى فكرة التخلي عن الجسد، ذلك الجسد الذي وصفوه بأنه مجرد "مركبة" بالية، وأن الموت ليس نهاية، بل هو لحظة انطلاق الأرواح على متن أجسام طائرة مجهولة نحو درجة أعلى من الوجود.
عندما اقترب المذنب هيل بوب من الأرض في أقصى نقطة له، رأى أتباع "بوابة السماء" ما كانوا ينتظرونه طوال عقدين. بالنسبة لهم، لم يكن المذنب مجرد كتلة من الجليد والصخور تعبر الفضاء، بل كان العلامة السماوية التي أشار إليها أبلوايت نفسه، خاصة مع تداول شائعات عن جسم غامض يرافق المذنب في مساره. شعروا أن البوابات السماوية على وشك الإغلاق، وأن عليهم أن يغادروا قبل فوات الأوان.
هكذا، على مدار ثلاثة أيام في الثاني والعشرين والثالث والعشرين من مارس، بدأ التسعة والثلاثون طقوس الرحيل الكبرى. تناولوا جرعات قاتلة من "الفينوباربيتال"، مزجوه بصلصة التفاح وبالفودكا، قبل أن يضعوا أكياسا بلاستيكية فوق رؤوسهم لضمان الاختناق.
كانوا جميعا يرتدون قمصانا سوداء وسراويل وأحذية جديدة من نوعية نايك باللونين الأبيض والأسود، وعلى صدورهم شارات تحمل عبارة "فريق مغادرة بوابة السماء"، مستعيرين تعبيرا من عالم "ستار تريك" الذي كان يعكس شغفهم بالسفر بين النجوم. في جيوب كل واحد منهم، وضعوا فئة الخمسة دولارات مع ثلاثة أرباع الدولار، في محاكاة ساخرة لعمال يغادرون منازلهم بحثا عن مكان جديد لكسب الرزق، لكنهم كانوا يغادرون الكوكب ذاته.
قبل المأساة، كان الموقع الإلكتروني للجماعة قد نشر رسالة أشبه بنعي مسبق تقول: "هيل بوب يغلق أبواب الجنة… لدينا اثنان وعشرون عاما من الدراسة هنا على كوكب الأرض تقترب أخيرا من نهايتها – التخرج من المستوى التطوري البشري. نحن سعداء بمغادرة هذا العالم ".
ما يزيد من هذا الرعب ثقلا أن بعض الرجال في الجماعة خضعوا لإخصاء طوعي، استعدادا لحياة خالية من الرغبات الجنسية، اعتقدوا أنها تنتظرهم بعد الموت. كانت الطقوس ممنهجة بشكل مخيف، بدءا من تسجيل رسائل الفيديو الوداعية، وصولا إلى توزيع الأدوار وتحديد المراحل الثلاث للرحيل.
الجماعة التي آمنت بأنها ترتقي إلى مستوى أعلى من الوجود، قوبلت بعد وفاتها بنظرات مختلفة. وصفتها عالمة الاجتماع جانجا لاليك، التي كانت يوما عضوا في الجماعة، بأنها "جريمة قتل"، بينما رأى الطبيب النفسي لويس جيه ويست من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أنهم كانوا مجرد "ضحايا خدعة".
دُفن التسعة والثلاثون في صمت ثقيل، حاول عضوان من الجماعة لم يشاركا في الانتحار الجماعي إنهاء حياتهما في مايو التالي، وفيما نجح أحدهما، نجا الآخر من غيبوبة دامت يومين، ليظل تشاك همفري هو الوحيد الذي عاش بعد المحاولة، لكنه لم يفلت من الموت طويلا، إذ انتحر في فبراير عام 1998.
كان مذنب هيل بوب قد عبر السماء، تاركا ذيله اللامع خلفه، أما هم فظنوا أنهم سيستقلون ذاك الضوء إلى الأبد، إلا أن ما بقي هو ذلك المنظر الصامت في قصر رانشو سانتا بكاليفورنيا، تسعة وثلاثون جسدا هامدا بأحذية جديدة من نوع واحد، لن تخطو إلى أي مكان.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
قصة كنز أسطوري!
في 25 مارس 1997، شهدت مياه المحيط الهادئ قبالة سواحل الإكوادور حدثا استثنائيا أعاد إلى الأضواء بقوة حكايات القراصنة والكنوز الأسطورية.
التحذير الأخير: "تضاريس، تضاريس، اسحب لأعلى، اسحب لأعلى"!
أصبح صباح يوم 24 مارس 2015، الذي بدا كأي صباح عادي في سماء أوروبا، فجأة نقطة تحول مأساوية في تاريخ الطيران المدني.
هذا ما كان من صاحب مبدأ "الفاصوليا والبندقية"!
شهدت عدة دول في أمريكا اللاتينية خلال العقود الماضية موجات متعاقبة من أنظمة ديكتاتورية فاشية حكمت بالحديد والنار وارتكبت جرائم وحشية بحق شعوبها، ولا سيما السكان الأصليين.
غزو مهّد لسرقة القرن!
من بين تبعات الغزو الأمريكي للعراق الذي بدأ في 20 مارس 2003، وما تلى ذلك من احتلال مباشر، تدمير العشرات من المعالم الأثرية السومرية والبابلية ونهب حوالي 130 ألف قطعة من كنوزه.
"سمّه كلبا واقتله!".. رؤوس قطعتها وصفة الحرب الغربية
ينظر البعض إلى مهاجمة الولايات المتحدة فنزويلا بالصواريخ والقنابل في 3 يناير 2026 واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس وما جرى لاحقا بإيران على أنها أعمال خارقة.
التعليقات