في غضون ثوان معدودة فقط، كتبت تلك اللحظات فصلا مأساويا في سجلات التاريخ البشري، ليصبح زلزال "شنشي"، أو كما يُعرف في التراث الصيني بـ "زلزال جياجينغ العظيم"، الكارثة الطبيعية الأكثر فتكا على الإطلاق. لم تكن تلك الهزات مجرد حدث جيولوجي عابر، بل كانت صدمة هزت أركان إمبراطورية، وتركت ندوبا عميقة لا تزال تروي حكايتها للأجيال اللاحقة.
ضرب الزلزال في الساعة الخامسة صباحا بالتحديد، حين كان معظم السكان يغطون في نومهم داخل منازلهم. لم يكن هناك أي إنذار مسبق، ولا مؤشرات تنبئ بقرب الكارثة. انهارت البيوت بسرعة رهيبة، وحُبست أنفاس الحياة تحت ركام هشاشة البناء والطبيعة الغاضبة.
كان مركز الزلزال في وادي نهر "وي"، أحد روافد النهر الأصفر الخالد في مقاطعة "شنشي"، قريبا من مدن هواشيان ووينان وهواين. هذا الوادي، على الرغم من أنه لم يكن غريبا على الزلازل نظرا لوجوده على تقاطع ثلاثة خطوط صدع رئيسة وشهوده ما لا يقل عن ستة وعشرين زلزالا عبر تاريخه، إلا أن هذا الزلزال كان وحشا مدمرا، وحشا جاء لينتزع الأرواح ويطمس المعالم ويغير الجغرافيا والديموغرافيا في لمح البصر.
كانت الخسائر البشرية مهولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تشير معظم التقديرات التاريخية إلى أن نحو ثمانمائة وثلاثين ألف إنسان فقدوا أرواحهم في ذلك اليوم المشؤوم، وهو رقم مذهل يتجاوز أي كارثة طبيعية أخرى مسجلة. امتدت تأثيرات الزلزال المدمرة لتطال مساحة شاسعة تضم عشر مقاطعات كبرى هي: شنشي، وشانشي، وخنان، وقانسو، وخبي، وشاندونغ، وهوبي، وهونان، وجيانغسو، وآنهوي. تحولت الحياة في هذه المناطق إلى جحيم من الدمار والموت، حيث تسببت التحولات التكتونية العنيفة في انهيار جدران الوديان الضيقة المحصورة بين المرتفعات، لتدفن مئات القرى بكل ما فيها من سكان أحياء في غضون دقائق فقط. امتد شريط الدمار لمسافة تصل إلى خمسمائة كيلومتر من مركز الزلزال، مسجلا نطاقا نادرا من الخراب.
ساهم في ضخامة الخسائر البشرية مجموعة من العوامل القاتلة التي اجتمعت في لحظة زمنية واحدة. أولا، الكثافة السكانية العالية جدا في المنطقة، وهي سمة تاريخية للصين التي تأوي نسبة هائلة من سكان العالم عبر القرون. ثانيا، طبيعة المساكن السائدة آنذاك، حيث كان العديد من السكان، وخصوصاً الفقراء، يعيشون في "ياودونغ" أو مساكن الكهوف المحفورة في المنحدرات الطينية. هذه المساكن، التي وفرت المأوى من الحرارة والبرد، تحولت إلى قبور جماعية حين تسببت الهزات في انهيارها فورا أو غمرتها السيول الطينية الناتجة عن انزياح التربة. حتى المنازل المبنية على السهول، وخاصة حول مدن مثل "شيآن" الواقعة على ضفاف النهر الأصفر، لم تكن بأحسن حال، فقد بنيت على تربة رخوة مشبعة بالمياه، وعندما اهتزت الأرض، تحولت التربة إلى حالة سائلة غرقت فيها المباني وأسقطت جدرانها على من فيها.
لم يكن الدمار لحظة الزلزال الأولية فحسب، بل استمرت الكارثة في التطور. في مركز الزلزال، فتحت الأرض عن أبشع أسرارها، حيث ظهرت حفر عميقة وشقوق هائلة يصل عرض بعضها إلى عشرين مترا، وكأن الأرض انشقت وابتلعت ما عليها. دُمرت المنازل الخاصة والمباني العامة والمعابد العتيقة وأسوار المدن الحصينة، أو أصيبت بأضرار جسيمة. زاد من الطين بلة اندلاع حرائق التهمت ما تبقى من حياة. لم تتوقف الأرض عن الارتجاف، واستمرت الهزات الارتدادية بمعدل ثلاث إلى خمس مرات شهريا لمدة ستة أشهر كاملة بعد الزلزال الرئيس، وشعر السكان بهزات أخف وقعا لثلاث سنوات لاحقة، ما أبقى الرعب في قلوب الناجين وحرمهم من الشعور بالأمان.
كان للكارثة آثار ديموغرافية واجتماعية طويلة الأمد. انخفض عدد سكان مقاطعتي شانشي وشنشي المجاورتين لنحو ستين بالمائة، وأصبحت بعض المناطق التي كانت مزدهرة يوما ما خالية تماما من السكان، أشباح مدن تتحدث عن مأساة غابرة. كما كانت الخسائر الثقافية فادحة. فقد دمر الزلزال العديد من الصروح الأثرية ذات الأهمية الحضارية الكبيرة. انهار الطابق العلوي من "معبد البجعة البرية الصغيرة" العريق الذي بُني عام 709 ميلادي. وتضرر "متحف الغابة الحجرية" أو "متحف المسلات الغابية" الذي تأسس في القرن الحادي عشر لحفظ كنوز النقوش والمنحوتات الحجرية الصينية. حتى "كتاب تانغ الحجري الكلاسيكي" الثمين الذي يعود إلى القرن التاسع، والذي يحتوي على اثنتي عشرة قصة صينية كلاسيكية محفورة على 114 لوحا حجريا، لم يسلم من الأذى، إذ تضررت حوالي أربعين لوحة منه بسبب الزلزال والانهيارات التي تلته.
تختلف التقديرات العلمية الحديثة حول القوة الدقيقة للزلزال. بينما تشير دراسات استنادا إلى البيانات الجيولوجية إلى أن قوته بلغت حوالي ثماني درجات على مقياس العزم الزلزالي، وأحد عشر درجة على مقياس ميركالي لشدة الزلازل، تشير تقديرات أخرى إلى أنها كانت حوالي 7.9 درجات.
بغض النظر عن الرقم، فإن الزلزال كان هائلا. لكن الإجماع الأكبر هو أن حجم المأساة لم يكن بسبب القوة فقط، بل بسبب ذلك المزيج القاتل من الكثافة السكانية، وهشاشة البناء، والتوقيت الباكر، والخصائص الجيولوجية للمنطقة. قرب مركز الزلزال، تتكون السهول من صخور رسوبية مفككة وتلال منخفضة من تربة طينية مسامية، وهي مواد شديدة التأثر بالاهتزازات وتمييع التربة، وكل هذا تفاقم بوجود شبكة معقدة من الصدوع تشكل حدود حوض نهر "وي".
من المثير أن زلزال شنشي عام 1556، على الرغم من كونه الأكثر فتكا في التاريخ المسجل، لم يكن الأقوى على الإطلاق. هو لا يصنف حتى ضمن أقوى عشرة زلازل في التاريخ ينسب هذا اللقب عادة إلى زلزال فالديفيا في تشيلي عام 1960 الذي بلغت قوته 9.5 درجة.
يكمن الفارق هنا في الجغرافيا البشرية، وذلك لأن الكوارث الأقوى وقعت في مناطق أقل كثافة سكانية. بل إن زلزال شنشي لم يكن حتى الكارثة الطبيعية الوحيدة الأكثر دموية في تاريخ الصين الطويل الحافل بالمآسي. إذ تفوقت عليه كوارث مائية هائلة، مثل فيضان نهر اليانغتسي عام 1931 الذي أسفر عن مقتل 3.7 مليون شخص، وفيضان النهر الأصفر عام 1887 الذي دمر مدنا وقرى وأودى بحياة أكثر من تسعمائة ألف إنسان.
تبقى ذكرى زلزال جياجينغ العظيم درسا مأساويا محفورا في ذاكرة الإنسانية. درس عن هشاشة حضارتنا أمام قوى الطبيعة الجبارة، وعن أهمية استعداد المجتمعات ومرونة بنائها، وعن الصلة الوثيقة بين جغرافية الأرض ومصائر البشر.
المصدر: RT