نصّ هذا القانون على سحب التراخيص التجارية من كل من يعمل في صناعة الكحول وتجارته، بدءا من صانعي النبيذ والخمور، ومرورا بالموزعين والموردين، وانتهاء بتجار التجزئة في الحانات والمطاعم. دخل هذا التعديل حيّز التنفيذ بعد عام كامل من إقراره، أي في يناير 1920.
على الرغم من طابعه الدستوري الفيدرالي، فقد شهدت عملية التصديق عليه معارضةً من عدد من الولايات، أبرزها ولايات كونيتيكت وإلينوي ورود آيلاند وويسكونسن.
هذه اللايات رفضت التوقيع عليه، وتحولت بحكم رفضها الانصياع للحظر، إلى معاقل رئيسة لتهريب الكحول المحظور إلى الولايات الأخرى التي كان القانون ساريا فيها، ما أضعف من فعالية التطبيق منذ البداية.
لعلّ أحد أهم المفارقات التي رافقت هذا التعديل الدستوري التاريخي أنه فرض حظرا شاملا على الاتجار بالمشروبات الكحولية ونقلها وبيعها، لكنه لم يحدد العقوبات الواجب تطبيقها على من يخالف هذا الحظر، ولم ينص على الجهة المسؤولة عن تطبيقه. لسد هذه الثغرة التشريعية، سارع مجلس الشيوخ الأمريكي إلى استكمال الخطوة بإقرار "قانون فولستيد" في أكتوبر 1919، والذي كان يهدف بشكل أساسي إلى معاقبة منتجي الكحول بشكلٍ خاص، ومنح الصلاحيات التنفيذية لوزارة الخزانة الأمريكية.
من المفارقات الأخرى الأكثر لفتا للانتباه أن القانون لم يحظر الملكية الخاصة للمشروبات الكحولية ولا تخزينها في المنازل، والأهم من ذلك، أنه لم يجرم استهلاكها. خلقت هذه الثغرة القانونية الكبيرة أرضا خصبة لنشوء نشاط إجرامي منظم وحمى واسعة النطاق، تمثلت في شبكات التهريب سيئة السمعة التي انتشرت في كافة أرجاء البلاد. بينما كان المنتجون والمهربون والبائعون غير القانونيين يتحملون جميع المخاطر القانونية، كان المستهلكون محميين تماما من الملاحقة. هذا الظرف، إلى جانب وجود استثناءات قانونية سمحت، في ظروف محددة، بالإنتاج القانوني لأغراض طبية أو دينية أو صناعية، مهّد لظهور موجة هائلة من الإنتاج السري تحت الأرض وسهّل الاستمرار في استهلاك الكحول على نطاق لم يتوقعه المشرعون.
تجلت فداحة هذه الظاهرة في الأرقام المذهلة التي سُجلت خلال تلك الحقبة. في مدينة نيويورك وحدها، تجاوز عدد عمليات تهريب الكحول المكشوف عنها أكثر من مئة ألف عملية. بلغت براعة المهربين ومخيلتهم حدا دفعهم إلى ابتكار أساليب غريبة للتضليل والتملص، مثل ارتداء أحذية مزودة بقطع خشبية تُحاكي آثار أقدام الأبقار لإرباك الملاحقين، أو تثبيت أكياس من الملح أو السكر مع عبوات مطاطية قابلة للنفخ بصناديق الخمر الخشبية، بحيث إذا ما اكتشفتها دوريات الجمارك وألقت بها في البحر، يذوب الملح وتطفو العوامة ليجري سحب الشحنة لاحقا إلى السطح.
كما شهدت السنوات الأولى للحظر ارتفاعا صاروخيا في عدد القضايا والمخالفات. في الأشهر الستة الأولى من عام 1920 وحدها، رفعت الحكومة الفيدرالية 7291 قضية لانتهاكات قانون فولستيد. وبحلول عام 1921، قفز هذا العدد إلى 29.114 قضية، واستمر في التصاعد على مدى السنوات الثلاث عشرة التالية.
لم يقتصر الأمر على التهريب فحسب، بل ظهرت إلى الوجود مؤسسات سرية بالكامل مكرسة للاستهلاك، ألا وهي "الحانات السرية". وكانت هذه الأماكن تتخفى تحت ستار مقاه عادية أو صيدليات أو متاجر صغيرة، وأصبحت رمزا ثقافيا وشعبيا لحقبة العشرينات الصاخبة.
تشير التقديرات إلى أنه بحلول منتصف العقد، كان يعمل ما يصل إلى مئة ألف حانة سرية من هذا النوع في جميع أنحاء الولايات المتحدة. بل إن مدينة نيويورك شهدت وجود حانات سرية أكثر مما كان فيها من حانات مرخصة قبل الحظر. كان الدخول إلى هذه المحلات السرية يتم عبر طقوس خاصة، تتطلب توصية من عضو موثوق أو معرفة كلمة المرور السرية.
علاوة على كل ذلك، أدى فرض الحظر إلى طفرة هائلة في تهريب الكحول عبر الحدود، خاصة من كندا والمكسيك ومنطقة البحر الكاريبي، كما دفع المهربين إلى تعديل سياراتهم بشكل متطور لزيادة سرعتها وسعتها التخزينية، ولتكون مجهزة للاختباء السريع من مطاردات الشرطة.
كانت إحدى أبرز النتائج الكارثية والمأساوية لحقبة الحظر هي الارتفاع الهائل في معدلات العنف والجريمة المنظمة. خلال هذه الفترة، سُجل أعلى معدل للقتل في تاريخ الولايات المتحدة في النصف الأول من القرن العشرين. في مدينة نيويورك وحدها، وبحلول عام 1925، تراوح عدد جرائم القتل المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بحروب العصابات على سوق الكحول غير المشروع بين 30 و40 ألف جريمة. لم تكن هذه الجرائم سوى وجه واحد من أوجه الفشل الذريع الذي مني به المشروع الأخلاقي الكبير. بدلا من أن تشكل هذه الحقبة أمةً منضبطة وخالية من سلبيات الكحول، كما كان يحلم مناصرو "الحملة النبيلة"، فتحت الباب على مصراعيه لموجة واسعة من الابتكار في أساليب خرق القانون والتحايل عليه، بل وفي آلية تطبيق العدالة نفسها.
على سبيل المثال، اضطر وكلاء إنفاذ القانون إلى اعتماد أساليب غريبة ومبتكرة لملاحقة المخالفين، مثل العميلين الشهيرين إيزيدور أينشتاين ومو سميث، اللذين نفذا قرابة خمسة آلاف عملية اعتقال بتقمص شخصيات متنوعة، تتراوح بين لاعبي كرة القدم والمغنيين في الأوبرا، من أجل اختراق الحانات السرية وخداع أصحابها.
من أطرف الظواهر التي ولدت في رحم هذا العصر ظاهرة "الويسكي الطبي"، حيث سمحت ثغرة قانونية للأطباء بوصف الويسكي كمادة علاجية، فتحولت الصيدليات إلى منافذ لبيع الكحول قانونيا تحت ستار العلاج، وازداد عدد هذه الوصفات بشكل مهول، وتضخمت أعمال الصيدليات بشكل غير مسبوق.
استغل المزارعون والمهربون الصغار ثغرات أخرى، حيث كانوا يبيعون مركز عنب مع تعليمات تحذيرية ساخرة تقول: "تحذير: لا تُضف الخميرة إلى هذا المركز ولا تتركه في مكان بارد لمدة 21 يوما، وإلا فقد يتخمر ويصبح نبيذا".
أمام هذا الطوفان من المخالفات، تعرضت المنظومة القضائية الفيدرالية لإرهاق هائل بسبب العبء غير المسبوق من القضايا. لتخفيف هذا الضغط، لجأت المحاكم لأول مرة في التاريخ الأمريكي بشكل واسع النطاق إلى أسلوب "صفقات الإقرار بالذنب"، وهي الممارسة التي يقول خبراء القانون إنها غيّرت مسار الفقه القانوني والإجرائي في البلاد بشكل جذري ودائم. في الوقت نفسه، ومع تدني رواتب موظفي إنفاذ القانون مقابل الإغراءات المالية الضخمة التي قدمتها عصابات الجريمة المنظمة، تفشى الفساد بشكل لم يسبق له مثيل. بحلول عام 1930، تم فصل نحو عشرة بالمئة من القوة العاملة الفيدرالية المسؤولة عن تطبيق قانون الحظر بسبب تورطهم في قضايا رشوة وفساد.
هكذا تحولت أحوال "الخمور" في تلك الحقبة الفريدة من مسألة قانونية وأخلاقية علنية، إلى لعنة اجتماعية واقتصادية تحت الأرض. بدلا من الاختفاء، انتقلت من واجهة المحلات والبارات إلى الظل، لتصبح سلعة ثمينة في لعبة كبرى تورطت فيها أجهزة الدولة والمجرمون والمواطن العادي على حد سواء.
أخيرا، بعد ما يقرب من أربعة عشر عاما من التجربة الفاشلة، التي كلفت الخزينة الأمريكية أكثر من 12 مليون دولار، أدركت البلاد خطأها الفادح. في الخامس من ديسمبر عام 1933، تم التصديق على التعديل الحادي والعشرين للدستور الأمريكي، ليصبح التعديل الوحيد في التاريخ الأمريكي الذي أُلغي تماما، مسجلا بذلك نهاية إحدى أكثر التجارب الاجتماعية جرأة وإثارة للجدل في التاريخ الحديث.
المصدر: RT