مباشر
أين يمكنك متابعتنا

أقسام مهمة

Stories

30 خبر
  • تحقيقات حادثة فلاي دبي
  • تصعيد عسكري متسارع في اليمن
  • الجيش الروسي يطبق استراتيجية "الخنق اللوجستي
  • تحقيقات حادثة فلاي دبي

    تحقيقات حادثة فلاي دبي

  • تصعيد عسكري متسارع في اليمن

    تصعيد عسكري متسارع في اليمن

  • الجيش الروسي يطبق استراتيجية "الخنق اللوجستي

    الجيش الروسي يطبق استراتيجية "الخنق اللوجستي

  • فيديوهات

    فيديوهات

الذكاء الاصطناعي كحل وسط لعملية التطور وإنقاذ الإنسان العاقل

تحميل الفيديو

هل سيشهد الجيل الجديد ما يعرف بالتفرّد التكنولوجي، أي استقلالية الذكاء الاصطناعي وخروجه عن سيطرة الإنسان؟ هل سيساعد الذكاء الاصطناعي على تطوير ذكاء الإنسان آلاف المرات؟ هل سنشهد قريبا اندماج الإنسان والآلة بحيث يغدو الذكاء الاصطناعي مزروعا في شبكية مثلا أوحتى في الخلايا؟
متى سيصبح ممكنا النمذجة الإلكترونية الكاملة للدماغ البشري ونقل الوعي إلى الحاسوب وكيف سيبدو ذلك؟ هل ستصبح البشرية تحت الرقابة والسيطرة الكلية للذكاء الاصطناعي؟ اذا كان الذكاء الاصطناعي قد تغلب على أقوى لاعب شطرنج في العالم فهل يمكنه المساعدة في صنع القرار على مستوى "رقعة الشطرنج" السياسية؟ هل سيساعد الذكاء الاصطناعي في نمذجة الأدمغة واختيار المهنة وشريك الحياة الأنسب؟
يجيبنا عن هذه الأسئلة وغيرها العالم المتخصص في البرمجة والذكاء الاصطناعي الدكتور سيرغي ماركوف.

خالد 1

أهلا بك .. سيرغي.

ماركوف 1

 طاب يومكم. 

خ 2

يسعدني أن نلتقي في هذه الحلقة من برنامجنا... ببالغ السرور قرأتُ مقالاتك القيمة واطلعتُ على محاضراتك الشيقة المثيرة للاهتمام. وسنتناول معك اليوم الذكاء الاصطناعي. هلاّ شرحت لمشاهدينا ما هو الذكاء الاصطناعي.. وماذا يعني هذا المفهوم.. وبمَ يختلف الذكاء الاصطناعي عن ذكاء البشر؟

م 2

 هذا سؤال مهم جدا. إن مفهوم الذكاء الاصطناعي- شأنه شأن العديد من المفاهيم التي وضعها العلماء- راح يتعرض بسرعة لتغيرات جلية بعد أن صار في متناول وسائل الإعلام والفن السينمائي. لو سألنا اليوم أي شخص عادي: "ما هو الذكاء الاصطناعي؟" لما جاء جوابه على الأرجح منسجما مع مؤلفات العلماء، بل مع ما يرد في الانترنت.. أو كما يُعرض في أفلام الإثارة من قبيل "تيرمينيتور" على سبيل المثال. وفي حقيقة الأمر عُرف مفهوم "الذكاء الاصطناعي" على نطاق واسع لأول مرة بعد اختتام مؤتمر علمي نظمته كلية دارتموث الأمريكية عام 1956. تجدر الإشارة إلى أن تلك المرحلة كانت مرحلة الآمال الكبيرة عندما ظهرت للتو هندسة الحاسوب (تقنيات الحوسبة السيبرانية) وراحت تتطور بسرعة. وإذ تابع الناس هذا التطور كانوا واثقين من أن صنع تقنيات ومعدات ذكية بات قاب قوسين أو أدنى. وكانت تراود الجميع آمالٌ كبيرة وحسب. آنذاك لم يكن ليخطر ببال أحد أن فترة زمنية طويلة ستفصل بين صنع الحاسوب الذي يمكنه التغلب على بطل العالم في الشطرنج من جهة.. وابتداع عقل حاسوبي حقيقي شامل يمكنه حل أوسع دائرة من المهام من جهة ثانية... عندما أُطلق أول قمر اصطناعي إلى مدار حول الأرض تصور الجميع أن الإنسان سيطير بعد عشر سنوات إلى كواكب أخرى.. وبعد عشرين سنة إلى نجوم أخرى. وبنفس الشكل عندما ظهر مفهوم "الذكاء الاصطناعي" اقترن بالتفاؤل الذي ميّز تلك الحقبة لكن تبين أن الأمور ليست بهذه البساطة. والآن فإن هذا المفهوم يعني ميدانا واسعا من العلوم والتقنيات يشتغل على أتمتة حل المسائل الذهنية... وكما أن أول آلة بخارية وأول محرك احتراق داخلي كان يراد منهما مساعدة الإنسان بحيث تحل القوة الآلية محل قوته العضلية فبنفس الشكل النُظم المستحدثة في إطار مفهوم الذكاء الاصطناعي يراد منها أن تأخذ مكان الإنسان عند حل مسائل تتطلب مجهودا ذهنيا. لكن من المهم جدا أن ندرك أن ثمة فرقا كبيرا بين البرامج التي يمكنها أن تحل مسائل ضيقة كأن تلعب الشطرنج مثلا، وبين البرامج القادرة أن تحل- كعقل الإنسان- طيفا واسعا من المسائل الذهنية. *ثمة جانب هام آخر بودي أن ألفت الانتباه إليه: إذا نظرنا إلى دماغ الإنسان كما ننظر إلى آلة حاسبة نرى أن الدماغ البشري هو حاسوبٌ يتمتع بقدرات تحليلية ضخمة. يتألف دماغ الإنسان تقريبا من 86 مليار خلية عصبية تتصل ببعضها البعض بحوالي كوادرليون مشبك عصبي. وكل مشبك بدوره بنيةٌ جزيئية على قدر كبير من التعقيد. وإذا ما أحصينا- ولو سطحيا- كمية العمليات التي تجري داخل دماغنا في الثانية لأدركنا أن الدماغ- من هذه الناحية- يتفوق على أحدث حواسيب عصرنا... وبعشرين ضعفا.

خ 3

وقدرة عمل المشابك العصبية عند الإنسان تتجاوز قدرة كافة الحواسيب مجتمعة على حد علمي. 

 

م 3

طبعا... فهي كوادريليون مشبك عصبي تجري داخلها عمليات معقدة أيضا...

خ 4

... لأن داخل المشابك العصبية أيضا يجري عملٌ معقد جدا. تقول في محاضراتك إن المشابك العصبية هي ترانزستورات الدماغ.. وقد يصل عددها فيه إلى مئة وخمسين كوادريليون تقريبا.

م 4

 المشبك العصبي بحد ذاته ليس مجرد عنصر بسيط ضمن عناصر التسلسلات المنطقية.. فلنمذجة مشبك واحد لا بد من توفر العديد من العناصر الأخرى. ولتشكيل نموذجِ مشبكٍ واحد لا بد من تجميع ما بين ألف عنصر وثلاثين ألف عنصر من هذه العناصر وفق مختلف التقديرات. إن دماغ الإنسان في حقيقة الأمر يُجري على الدوام عمليات حسابية هائلة الحجم. ولكننا بكل بساطة لا ندرك هذه العمليات لأنها تتم خارج إطار وعينا. والجزء الذي ندركه ليس إلا نسبة زهيدة جدا من العمليات التي ينفذها دماغنا.  

خ5

عندما اطلعت على محاضراتك التي تتناول فيها أجهزة الحاسوب والدماغ ولعبة الشطرنج وغير ذلك... برزت لدي مباشرة المقاربة التالية: أنا من حيث التحصيل الدراسي مختص بالعلوم السياسية ولذلك تصورت فورا أكبرَ رقعة شطرنج للسياسة العالمية، أي تلك التي كان يهوى الحديث عنها شخصيات أمثال زبيغنيو بجيزينسكي أو هنري كيسنغر. وتساءلت بيني وبين نفسي: أيمكن يا ترى تحميل الحاسوب مذكرات ومباحث ومؤلفات أشخاص مشهورين في ميدان العلوم السياسية بدلا من الاحتمالات العديدة جدا لحركات الشطرنج، وبحيث يتسنى استعمال ما تتضمنه تلك الأعمال من ذكاء ومعارف لصنع أداة مساعدة لنا في ميدان اتخاذ القرارات السياسية؟ هل هذا الاحتمال وارد في المستقبل أم لا يجوز الوثوق بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا  لحل مثل هذه المسائل.   

م 5

الحواسيب والمعدات التقنية تلعب دور الأدوات في مجتمعنا. وأستبعد أن يتغير هذا الدور جذريا، ولا حتى بنسبة التحسن الذي يطرأ على تقنية الذكاء الاصطناعي. ولذلك ينبغي النظر إلى هذه التقنيات والتعامل معها كمجرد أدوات لتوسيع إمكانات الإنسان. وكما تساعدُنا أدوات النجارة والبرادة وغيرها في معالجة الخشب أو المعدن، كذلك تماما تساعدنا أداة الذكاء الاصطناعي.. إنما في مضاعفة قدراتنا على معالجة المعلومات.

خ 6

وهذا بالضبط ما أتكلم عنه. هل يمكن بواسطة نظام Big Data البيانات الضخمة تحميل كافة مذكرات مشاهير السياسة بدءا من مفكري الصين القديمة وانتهاء بمذكرات ساسة معاصرين أمثال ونستون تشرشل وهنري كيسنجر؟ هل بالإمكان وضع برنامج معاون على أساس هذه الأعمال، بحيث يستطيع السياسي الاستعانة به لإيجاد جوابٍ ما واتخاذ هذا القرار أو ذاك؟

م 6

أعتقد أن البشرية جاهزة لذلك تماما. وهي منذ الآن تستخدم معاونين إلكترونيين في صنع القرارات...

خ 7

بالسر طبعا؟ دون إعلام الجمهور بذلك...

م 7

في الواقع.. يمكن أن يجري هذا كله علنا. فالطرق الرياضية لنظرية الألعاب معروفة للجميع منذ خمسينات- ستينات القرن العشرين واستخدمت بنشاط لتحليل مختلف المواقف والأوضاع السياسية. وفي النصف الثاني من القرن العشرين صار عالمنا بالفعل أشبه برقعة شطرنج عملاقة.. وعلى نتيجة المباراة يتوقف مصير البشرية. في هذا الوضع صار ضروريا تطبيق الخوارزميات المعدة في إطار نظرية الألعاب. وصارت أولى الآلات الحاسبة تؤدي دو المعاون للمحللين تحديدا في دراسة البدائل الممكنة واستراتيجيات العمل المحتملة عند هذه الأطراف أو تلك بحيث يتيسر اختيار التحركات السياسية المثلى. *وفيما يتعلق باستخدام المذكرات وأية مواد متراكمة في شكل نصوص.. فقد أُحرز في السنوات الأخيرة نجاح هام مرتبط بظهور نماذج لغة الشبكات العصبية القادرة على تمييز كلام الإنسان ومعالجته وتحليله. هذه الشبكات العصبية قائمة على أساس نماذج "التنبؤ باللغة من الجيل الثالث" GPT-3  أو "منصة "ميتاتريدر- 5" MT-5. ولقد تم تعليمها لغة الإنسان الطبيعية بواسطة تحميل بيانات هائلة الحجم مع نصوص الأدبيات العالمية، وويكيبيديا، وكل محتويات الانترنت النصية عموما. وبفضل تدريبها وتعليمها بهذا الكم الهائل من المعلومات تكتسب الشبكات العصبية القدرة على حل مسائل متنوعة جدا.. منها تأليف نصوص جديدة للمقالات والرد على الأسئلة البسيطة.. وكذلك القدرة على المحادثة العلمية وحتى الفلسفية مع الإنسان. ولكن دعني أدقق وأقول إن النصوص السياسية على أية حال لا تُستعمل لاتخاذ القرارات بقدر ما تُستعمل لتعليل قرارات قد تم اتخاذها...

خ 8

هذا جانب هام.. نعم.. هام جدا.

م 8

وإذا كان الأمر كذلك فهذا ممكن تماما في المستقبل.

خ 9

خاصة إذا كانت الشركات العالمية مهتمة بإنشاء مثل هذه الشبكات العصبية. ولكن إذا  امتلكت شركة ما هذه التقنيات فثمة خطر من أن التحليل الذي ستقدمه المنظومة الحاسوبية سيقترح صيغا للقرار السياسي تناسب مصالح هذه الشركة تحديدا... 

م 9

نعم.. هذه فكرة مثيرة للاهتمام...

خ 10

هذه حلقة مفرغة....

 م 10

حسنا.. لنتناول الشبكات العصبية من نموذج GPT-3 التي أثارت العام الماضي ضجة كبيرة في الصحافة العالمية وفي الأوساط العلمية. الشبكة من صنع شركة  OpenAI التي تأسست بمساهمة من شركة إيلون ماسك الذي كان أحد مؤسسيها. حددت هذه الشركة لنفسها منذ البداية مهمة الوصول إلى أقصى حد من الانفتاح في تصميم وإعداد مثل هذه النماذج الحاسوبية وذلك للحيلولة دون ظهور مراكز قوى  احتكارية في ميدان الذكاء الاصطناعي. لكن عندما نجحت الشركة في إنشاء شبكات عصبية قوية فعلا تبين أنها غير مستعدة لنشر كل منجزاتها. وقد أثار ذلك أسئلة وجيهة تماما من طرف الأوساط العالمية المعنية بالشؤون التقنية. فالشركة التي أعلنت في البداية عن أقصى حد من الانفتاح  في أبحاثها راحت تتحول إلى مشروع مغلق في واقع الأمر.

خ 11

بالفعل وسرعان ما ظهر أشخاص أكثر تحفظا في موضوع تعميم الذكاء الاصطناعي.. وراحوا يبدون معارضة متصاعدة للانشغال ببرامج الشبكات العصبية. كان هؤلاء المعارضون قلقين من أمرين: الأول هو التحكم بالناس، والثاني- الرقابة التامة والسيطرة عليهم. وهم واثقون من أن الناس في السباق من أجل التقدم التكنولوجي يصبحون مكشوفين بالمطلق.. ولا يتمتعون بأية خصوصية.. ويتم التحكم برغباتهم.. ويُوحى إليهم نمط حياة معين.. وتُفرض عليهم الإعلانات والترويج الدعائي.. وتُشكل اهتماماتهم استنادا إلى عمليات التصفح التي يقوم بها الشخص في الانترنت، وحتى استنادا إلى عمليات البحث العشوائية. ويجري في ظل ذلك تشكيل قاعدة بيانات عن كل شخص فيغدو كل شيء معروفا عنه حتى نمط شخصيته النفسي. وهذا يعني أن التأثير عليه يصبح أسهل. وصار ذلك يشبه التأثير الدعائي - النفسي.. بل والحرب النفسية ضد الإنسان، الأمر الذي يقلق معارضي تعميم التقنيات الجديدة. أنت تعمل في أكبر مصرف من مصارف البلد وتشرف فيه على مجال في مجال النُظم الحاسوبية والذكاء الصناعي الذي يتعامل مع الزبائن كمعاون لهم. ألا يبدو لك أن هذه المخاوف مبررة واقعيا؟ أكرر أنني أقصد نقطتين: السيطرة التامة على الإنسان.. من خلال التسيير أو السيطرة على أفكارهم ورغباتهم وأفعالهم؟

م 11

تكمن المسألة في أن صراعا فريدا من نوعه يدور طيلة تاريخ البشرية "بين القذيفة والدرع" كما يُقال. وبالفعل عندما نتحدث اليوم عن احتمال استخدام النماذج الحاسوبية من طرف الشركات الكبرى لتوجيه الجماهير والتحكم بها، فإننا نتساءل: ألن تغدو هذه الشركات في النتيجة صاحبة سيطرة تامة وسلطة كلية على الناس. ولكن من جهة أخرى لنقارن الوضع الحالي بما كان أواخر القرن التاسع عشر مثلا. آنذاك كانت أغلبية السكان - سواء في روسيا أو في البلدان الأخرى - من الفلاحين الأميين الذين لم تكن لديهم سوى طرف واحد كمصدر للمعلومات ... إذ كانوا يتلقونها  على لسان أشخاص متعلمين بقدر ما... في المعابد مثلا حيث اجتمع الناس دائما. أي كان من السهل إملاء هذه أو تلك من قواعد العيش على الجمهور. وهذا يعني السيطرة على الناس إلى حد كبير. كانت تقنيات هذه السيطرة بدائية طبعا... وكذلك مستوى ذكاء الناس كان متدنيا.

خ 12

ولم يكن ثمة خيار.. وأقل انحراف في التفكير كان يعني تهمة الزندقة أو الكفر. وجراء ذلك قد يتعرض المرء للحرق أو قطع الرأس. نعم.. كانت الحياة تحت السيطرة التامة...

م 12

 نعم.. ولهذا السبب تطرقتُ إلى ذلك.

خ 13

مقارنة موفقة تستدعي التأمل والتفكير مليا...  

م 13

يبدو لي أن ثمة الآن توازنا بين اثنين من مكونات حياتنا: المكون البشري والمكون الحاسوبي. إن تقدم التقنيات يحسّن الحواسيب والإنسان على حد سواء. وتقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي يمنح الإنسان المعاصر وسائط كثيرة للحماية من التحكم أو التلاعب به. والانترنت نفسه في نهاية المطاف يوفر للعامة مجالا للبحث سهل المنال. وهذا يتيح للإنسان أن يعيد تدقيق جميع المقترحات التي تقدم له. وبوسعه الاتصال مباشرة ببطل أي قصة تحاول بعض وسائل الإعلام المضلِلة تقديمها في شكل مشوه. وفضلا عن ذلك تظهر باستمرار أدوات جديدة للحماية يمكنها بالفعل حماية الإنسان في مختلف وسائل التلاعب.. والبزنس ضمنا. توجد الآن شركات صغيرة وكبيرة تضع آليات من شأنها مساعدة الناس في الحماية من شتى أنواع التأثير الدعائي المغرض. بالتالي أعتقد أن المواجهة "بين القذيفة والدرع" مستمرة على الدوام.. والتوازن الهش بهذه الدرجة أو تلك سيبقى قائما. طبعا سيتمتع جزء من البشر- كما في السابق- بقدرات وإمكانات استثنائية للتحكم بالجماهير. وهؤلاء سيحافظون على هيمنتهم بفضل تطور التقنيات أيضا.. ولكن من جهة أخرى هذه التقنيات نفسها ستوفر لبسطاء الناس إمكانية التصدي والمقاومة. ولهذا السبب سيبقى التوازن ثابتا بهذا القدر أو ذاك.

خ 14

تقول في إحدى محاضراتك إن الذكاء الاصطناعي هو حل وسط لآلية التطور الطبيعية.. أو تسوية تطورية. ما الذي قصدته بذلك، لو وضحت الفكرة؟

م 14

هذه الفكرة تتعلق بذكاء الإنسان أساسا. وهي تحديدا تسوية تطورية.. حل وسط تطوري. لو درسنا تطور دماغ الإنسان لرأينا أن ذكاء الإنسان العاقل كان يزداد بنمو الدماغ وبالتالي حجم الجمجمة. ولكن كان ذلك مصحوبا بسلبياتٍ معينة. يستهلك دماغنا قدرا كبيرا من الطاقة، فلكي يؤدي الدماغ وظائفه يستهلك 20% من مجمل احتياجات الجسم إلى الطاقة. وتسببَ كبر حجم الرأس بعسر الولادة.. فالطفل ذو الجمجمة الكبيرة يلاقي صعوبة أكبر في طريقه إلى رؤية النور.. إلى الولادة. وهذا ما كان ينتهي في السابق في بعض الحالات نهاية محزنة جدا بالنسبة للأم وللطفل على حد سواء. وبهذا المعنى نجد أن الطبيعة قيدت إلى درجة ما نمو قدرات البشر الذهنية نموا حادا إذ أن حجم الدماغ لا يمكن أن ينمو إلى ما لا نهاية في العملية التطورية. ولذلك فإن الإنسان إذ يُنشئ نُظم الذكاء الاصطناعي يمكنه التخلص من قيود طبيعية كثيرة. نستطيع خلق نظام ذهني لا يتطلب المرور بقناة الولادة ولا يحتاج لمعاناة الجوع ونقص الطاقة لأن بالإمكان دائما تزويده بالقدر الكافي من الطاقة... إلخ. وفي النظرية طبعا نستطيع صنع نظم تتفوق على الإنسان من حيث الذكاء. ولكن هناك وجها آخر للعملة. في حقيقة الأمر غالبا جدا ما يناقش الناس ذلك.. ويتحدثون عن مشكلة الانفجار الذهني. فماذا يعني هذا؟ يؤكد خصوم التقدم التقني أن نظمَ ذكاءٍ اصطناعي شامل ستظهر إلى الوجود.. ولن تكتفي بمجرد التفوق على الإنسان..إنما ستتفوق عليه بقدر تفوق ذكاء البشر على ذكاء النمل مثلا. وعندئذ سينشأ تفاعل تسلسلي يؤدي إلى نمو ذكاء النظم الحاسوبية نموا خارج السيطرة البشرية. 

خ 15

وهل هذا ممكن؟

م 15 

هذا لن يحدث.

خ 16

 لن يحدث؟

م 16

كلا. أعتقد لن يحدث.

خ 17

يقول راي كورزويل إن الذكاء الاصطناعي سوف يساعد دماغ الإنسان على زيادة القدرات بملايين المرات. هل هذا هو البديل؟

م 17

نعم.. أعتقد أن هذا هو طريق التطور الأساسي الذي ستسلكه البشرية. ولكن ثمة جانب هام جدا...

خ 18

تقصد أن التطور سيسير بطريق المزاوجة وليس عبر تطور الذكاء الاصطناعي على حدة، والذكاء البشري على حدة؟

م 18

نعم. أنا أعتقد أننا سنسير في طرق المزاوجة الأكثر تلازما. إذ منذ اليوم بات الهاتف الذكي جزءا من جسم الإنسان إلى حد كبير. فإذا ما جردت شخصا من هاتفه الذكي قد  تلاحظ عنده ظواهر شبيهة بأعراض متلازمة الأطراف المبتورة.

 

خ 19

يقول راي كورزويل مثلا إن الذكاء الصناعي سيغدو مزروعا في شبكية العين...

م 19

نعم. يجري الآن على قدم وساق إعداد نُظم عصبية ستتبادل المعلومات مع دماغ الإنسان بنشاط وفعالية. ولكن بودي أن أشير إلى أن هناك مدى معينا وحدودا معينة لتطور الذكاء. وهذا ينطبق على الذكاء البشري والاصطناعي وأي ذكاء آخر. المهم في الأمر أن القيود والحدود خاضعة لقوانين فيزيائية معينة في كوننا. حتى أن سرعة العمليات الحسابية محدودة.. وهذا ما تبرهن عليه مفاهيم رياضية بعينها... أي "حد بريميرمان" و "مبدأ لانداوير".

خ 20

هذا على الكرة الأرضية. أما خارجها أيضا...

م 20 

كلا، كلا.

خ 21

... ما هي الحدود؟ 

م 21

هذه دلائل كمية ناجمة عن القوانين الطبيعية الأساسية. نحن لا نستطيع نقل الإشارة بسرعة تفوق سرعة الضوء، ولا نستطيع مثلا صنع عناصر حواسيب أقل من وحدات القياس التي اكتشفها ماكس بلانك. أي أن حاسوبا بكتلة معينة سيتمتع بحد فيزيائي للانتاجية لا يمكن تجاوزه بأي شكل. فقوانين الطبيعة راسخة لا محيد عنها.

خ 22

وإذا لجأنا إلى تقنيات المضاعفة؟ 

م 22

ولكن هذه المضاعفة ستكون على حساب نمو الانتاجية ولذلك لن تساعد في تجاوز الحدود المثبتة لأن الخسائر جراء نقل المعلومات أيضا ستنمو بالتوازي مع ذلك. وستتمثل نقطة الضغف هنا بعمليات نقل المعلومات بين المنظومات المتوازية. وبعد ذلك يسري مفعول "مبدأ لانداور" الذي سيحد من نمو الانتاجية.

خ 23

أي أن الكم لن يتحول إلى النوع حتى مالا نهاية... أليس كذلك؟

م 23

صحيح. لن يتحول

خ 24

أم أنه سيتحول جزئيا؟

م 24

ثمة حد معين. في مرحلة ما قد يُلاحظ بعض النمو.. ولكن هذا النمو لن يستمر إلى ما لا نهاية.. فسيبلغ الحد الأقصى حتما لأن قوانين الفيزياء تقضي بذلك.. ونحن عندما نعمل على حل مسائل ذهنية لا يتيسر لنا دائما تحقيق الفاعلية عبر زيادة السرعة في الحل وهذا ينطبق مثلا على حواسيب لعبة الشطرنج التي تتمتع بسرعات عالية. وبالرغم من ذلك، وبسبب الحد الفيزيائي للعمليات الحسابية تحديدا، لن يتسنى لنا أبدا- على الأرجح - صنع حاسوب شطرنجي خارق القوة. 

خ 25

 أي أن الإنسان سيملك دائما فرصةً للفوز على الحاسوب أو التعادل معه مهما تحسنَّ وتطورّ هذا الحاسوب؟ أهذا ما تقصده؟

م 25

 أو قد تكون هذه الفرصة عند حاسوب آخر. 

خ 26

هذا مثير... نعم 

م 26

لن نستطيع أبدا حساب جميع الحركات المحتملة في لعبة الشطرنج لأن تشكيلاتها كثيرة العدد جدا ومعقدة للغاية.  

خ 27 

واضح. 

م 27

عداك عن الألعاب التي هي أكثر تعقيدا.

خ 28

ولكن للذهن البشري حدودا أيضا.. الذكاء البشري ليس بلا نهاية. 

م 28

نعم. 

خ 29

قبل فترة وجيزة كانت لي مقابلة مع فلاديمير ليبونوف بروفيسور الفيزياء الفلكية ومؤلف الكتاب الرائع: "من الانفجار الكبير إلى الصمت الكامل". في أعماله يقول ليبونوف إنه أنشأ بالاشتراك مع زملائه "ماكينة سيناريوهات" رياضية وضعوا بواسطتها نموذجا حاسوبيا لتشكل مجرتنا، ومن ثم لتشكل الأجسام الأكبر في الكون. يتلخص جوهر هذه الحسابات أيضا في أن فلاديمير ليبونوف وزملاءه تبينوا أن البشر- في ظل وتيرة التطور الحالية- سيتمكنون بعد حوالي خمسة آلاف سنة من خلق الأكوان في حال استمر التقدم التكنولوجي بنفس الوتيرة.. 

كيف؟.. لست أدري كيف. وأنت.. هل توافق على مثل هذه الحسابات بشأن تطور البشرية مستقبلا؟

م 29

لاشك إن قدرات البشرية ستتضاعف بالتدريج. أنا لست من مؤيدي أية سيناريوهات كارثية للمستقبل تنذر بدمار البشرية على أيدي الحواسيب كما يتوقع البعض. يحدوني الأمل بأننا سنتمكن من تفادي تدمير أنفسنا.. وسنفلح في إيجاد طريق سليم للتطور.

خ 30

تتحدث في محاضراتك على نحو شيق ومثير للاهتمام عن كيفية مساعدة العقل الاصطناعي للإنسان في أن يكون أكثر عقلانية... وترى أن نطاق العدوان ونزعة  التطرف سيضيق مع تقدم التقنيات الحديثة واتساع فرص الوصول إلى المعلومات.  على فكرة أنا أتفق معك في  هذا... 

م 30

الذين يتحدثون عن خطر تفاقم الذكاء الاصطناعي غالبا ما ينسون أن البشرية المعاصرة تعاني مشكلة معاكسة وهي نقص الذكاء. عندما تزداد قدرات البشرية التقنية يمكن - كما أرى - أن تحل نهاية العالم لأي سبب تافه. كلما امتلك الإنسان مزيدا من التقنيات الجبارة كان من الأسهل علينا للأسف أن نلحق أذى لا يمكن إصلاحه بجنسنا البشري.. وبكوكبنا كله.  

خ 31

تقصد أن البشرية لديها الغريزة الجمعية للحفاظ على الذات. أليس كذلك؟

م 31

نعم.. وبغية التصرف السليم بهذه القوة الهائلة يجب أن نتمتع بمزيد من رجاحة العقل. الذكاء الاصطناعي هو إمكانية لتشديد ومضاعفة ذكائنا الإنساني تحديدا. أما إذا لم نقم بذلك فسنكون أشبه بأطفال كبروا واستلموا تقنيات حديثة ولكنهم ظلوا ذهنيا في مستوى تلاميذ الابتدائية. هذا وضع في غاية الخطورة. ولذلك ينبغي أن ندرك بدقة ووضوح ما الذي يجب أن نخشاه حقا؟ إذا حاولنا الحد من تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي فقد تدمر البشرية نفسها. 

خ 32

وما قولك في فرضية التفرد التكنولوجي؟ مرة أخرى سأعود في هذه المسألة إلى راي كورزويل لأنه دون شك خبير في علم المستقبليات وعالم شهير جدا. كورزويل طبعا لا يحدد بشكل دقيق آجال تنبؤاته.. وفي كثير من الأحيان يفرط في تفاؤله بخصوص آفاق التطور. من ذلك قوله إن البشرية ستتمكن بحلول عام 2040 من مضاعفة ذكائها ملايين المرات. وهذا كله سيؤدي إلى تغيرات تتسم بطابع كوني شامل... وإن الحواسيب أيضا ستكتسب المزيد والمزيد من القوة وستكون في نهاية المطاف جزءا من أبداننا ودماغنا بالمعنى الحرفي للكلمة...حتى أنها ستراقب بصحتنا على مستوى الخلية. 

برأيك... هل هذا واقعي؟

م 32

أنا عموما اتفق مع كورزويل ووجهة نظره حلول التفرد التكنولوجي والخصوصية التكنولوجية. أحيانا يُلاحظ عنده تفاؤلٌ مفرط. ولكن بالإجمال أعتقد أن لديه حس سليم يخصوص آفاق التقدم مستقبلا. وفي هذا يتبدى الضلال النمطي عند العاملين في ميدان التقنيات.. فهم ميالون إلى التقليل بعض الشيء من شأن التكاليف الهندسية لهذه المشاريع أو تلك. وأنا شخصيا، بصفتي خبير في البرمجة، يبدو لي أحيانا أنه إذا كان واضحا لنا كيف ينبغي عمل شيء ما فيمكننا عمله بسرعة قصوى. ولكن الأمر في الحقيقة ليس كذلك دائما. وحتى لو كانت المسألة واضحة ومفهومة فإن تنفيذها هندسيا يتطلب أحيانا الكثيرَ من الوقت والموارد والنفقات. ولذلك فإن آجال تطور التقنيات التي يتحدث عنها كورزويل قد تتأخر إلى أبعد من ذلك بكثير بسبب التعقيدات الهندسية تحديدا. ربما سنتعلم صنع كثير من الأشياء قبل أن نستطيع إعادة بناء العالم على أساسها. ولكن ذلك سيستغرق وقتا طويلا جدا. 

خ 33

سيرغي أشكرك على هذا اللقاء... لنتوقف هنا اليوم على أمل أن نستأنف حديثنا الشيق في الأسبوع القادم.. شكرا جزيلا.

م 33

 ولكم الشكر.

خ 34

 إلى اللقاء.

التعليقات

تقرير إسرائيلي يحذر من استعداد اليمين المتطرف لمواجهات محتملة مع مصر والأردن