مباشر
أين يمكنك متابعتنا

أقسام مهمة

Stories

23 خبر
  • الجيش الروسي يطبق استراتيجية "الخنق اللوجستي
  • جائزة نوبل
  • تصعيد عسكري متسارع في اليمن
  • الجيش الروسي يطبق استراتيجية "الخنق اللوجستي

    الجيش الروسي يطبق استراتيجية "الخنق اللوجستي

  • جائزة نوبل

    جائزة نوبل

  • تصعيد عسكري متسارع في اليمن

    تصعيد عسكري متسارع في اليمن

  • تحقيقات حادثة فلاي دبي

    تحقيقات حادثة فلاي دبي

  • فيديوهات

    فيديوهات

البروفسور سابولسكي: حرية الاختيار التي يتحدث عنها الفلاسفة ورجال الدين مجرد وهم

تحميل الفيديو

في عام 1978 تخرج روبرت سابولسكي في جامعة هارفارد بشهادة بكالوريوس في اختصاص الأنثروبولوجيا البيولوجية.
وقد تحت إشراف بروس ماكوين طبيب الغدد الصماء الشهير. ويعمل الآن في جامعة ستانفورد في قسم الأمراض العصبية، وقسم الجراحة العصبية، وقسم العلوم العصبية والبيولوجية.
ينشر سابولسكي مقالاته في عدد من المجلات العلمية الهامة ومنها:
ناشيونال جيوغرافيك، ذي نيويورك تايمز، ستانفورد يونيفرسيتي ماغازين، وايرد ماغازين، و ساينتيفيك أمريكان. وفضلا عن ذلك له بضعة كتب علمية مبسطة ترجمت إلى عدة لغات. أهمها:
- "بيولوجيا الخير والشر. كيف يفسر العلم تصرفاتنا"،
- "من نحن؟- الجينات، جسدنا، والمجتمع"،
- "ألعاب التستوستيرون وغيرها من مسائل بيولوجيا السلوك".

خالد 1

مساء الخير... بروفيسور!

سابولسكي 1 

مساء الخير.

خ 2 

يسرني جدا جدا حضورك معنا في هذه الحلقة من برنامجنا... حديثنا اليوم عن حرية الاختيار. 

س 2  

جيد 

خ 3 

ثمة ما هو مشترك بيننا، ففي سن الطفولة كلانا تعلم في مدرسة دينية. وأنا، فضلا عن ذلك، تناولت في أطروحتي لشهادة الماجستير موضوع "مسألة القضاء والقدر في الديانات التوحيدية"... بالتالي هذه المسألة تحظى بأهمية كبيرة عندي منذ زمن بعيد نسبيا.

س 3 

جميل جدا.

خ 4 

يبدو لي شيقا ومثيرا للاهتمام جدا أن نقارن بين النهج التعليمي في مدرستك الدينية ومدرستي- فيما يخص التعاطي مع مسألة القدر. فعلى سبيل المثال: كيف كان المعلمون في مدرستك الدينية اليهودية يفسرون التناقض بين حرية الإرادة عند الإنسان من جهة، وقدره المحتوم، من جهة أخرى؟ بمعنى ما الغرض من امتحان الإنسان في هذه الحياة طالما الرب يعرف مسبقا نتيجة هذا الامتحان وهو الذي خلقه خطاء؟ 

س 4 

هذا سؤال ممتاز. من وجهة نظري، لم يستطع المعلمون في مدرستي تفسير هذا التناقض. فآراؤهم- من وجهة نظر فلسفية - لم تكن على قدر كاف من الاتساق والوضوح لتقدم تفسيرا منطقيا للمشكلة التي ذكرتها في سؤالك. كان أساس تصوراتهم النظرية يبدو على النحو التالي: الله هو الذي وهب الإنسان حرية الإرادة.. وبناء على هذه المقولة توصلوا إلى استنتاج ينطوي على تناقض ظاهر... فحرية الإرادة- من وجهة نظرهم- هبةٌ بالغة الروعة ولكن مع ذلك على الإنسان أن يتعبد طوال الوقت. وينجم عن ذلك أن الإنسان مُنح حرية الإرادة، أما قدره وما كُتب له، فسرٌ قدسي لا يعلمه إلا الله. ومع أن الله يعرف سلفا كل خيار من خيارات الإنسان وهو الذي قدر لك ذلك، إلا أن الإنسان في جميع الأحوال هو المسؤول عن قراراته... ويكون جزاؤه من الله إما الثواب وإما العقاب. هذا التصور النظري لا يصمد- طبعا- أمام أي نقد.. ولكننا في تلك المدرسة كنا لا نزال أطفالا، ولم نكن نطرح أية أسئلة.

خ 5 

واضح. لكن كيف توصلت إلى الاستنتاج بأن حرية الإرادة لا وجود لها؟

س 5 

عندما كنت في الثالثة عشرة من العمر مررت بأزمة إيمان من نوع ما. حاولت أن  استوعب في ذهني تناقضات أساسية جدا. مثلا، لماذا يعاقب الله البشر الذين لا يستحقون العقاب، مثلا الأطفال؟ أو علامَ أَغرقَ خيولَ مركبة فرعون في البحر الأحمر أثناء طرد اليهود من مصر؟ وماذا فعلت تلك الخيول لتستحق الموت؟ أو لماذا أميت جميع المواليد (من الذكور) في مصر؟ عندما توجهت بهذه الأسئلة إلى معلميَّ لم أتلق منهم أجوبة واضحة.

خ 6 

ولكن عندما جادلت أشخاصا مقتنعين بأن ثمة حرية إرادة من معلميك... ما الحجج التي أوردتها دعما لوجهة نظرك؟ هذا مثير للاهتمام بالنسبة لي، فأنا- مثلا- ربما كنت سأطرح الحجة التالية لو كنت مكانك: عندما كان النازيون إبان الحرب العالمية الثانية يقتلون الأطفال اليهود في غرف الغاز.. فهل كان أمام هؤلاء الأطفال أي خيار آخر إذا كانت يهوديتهم بحكم الولادة؟ وهذا يخص أي إبادة جماعية. ألم تكن هذه الحجة كافية لإقناع أنصار "حرية الإرادة عند الإنسان" ببطلان فكرتهم؟ 

س 6 

مثالٌ ممتاز... وأنا أضيف متسائلا: أي عدالةً إلهية هذه؟... في ما يتعلق بالإرادة يمكننا أن نضرب أمثلة من هذا القبيل إلى ما لانهاية. فهل بإمكان المرء استنادا إلى حرية الإرادة أن يقرر البقاء تسعة أشهر في رحم آخر؟ فمثلا اذا كانت والدته تعاني إدمان المخدرات فإن حياته بعد الولادة ستختلف جذريا عما لو ولد لأم سليمة. ويا ترى هل كان سيختار أماً له امرأة تعيش أثناء فترة الحمل حالة من الجوع أو تعاني التوتر؟ في هذه الحال ستؤثر هرمونات التوتر عندها على نموه- ونمو دماغه ضمنا- طيلة أشهر الحمل التسعة وبعد الولادة. ولكن ليس بمقدور المرء أن يختار لمن سيولد. وفي كل الأحوال فإن جوانب ما من حياته (خاصيات تكوّن الدماغ وخاصيات ضبط الجينات.. وسوى ذلك) ستكون محددة سلفا، قبل ولادته. فإذا لم يكن النمو داخل الرحم موفقا فمن المرجح أن هذا الشخص بعد عشرين سنة سيواجه مشكلات مع القانون لأنه لا يستطيع التحكم بسلوكه.. أو لن يتمكن من إتمام تعليمه المدرسي لأن قشرة دماغه لم تتكون على نحو سليم. وهذا ينطبق على أطفال الحروب. هذه المسألة لا تحظى عمليا إلا بقدر ضئيل من اهتمام رجال الدين. والمجتمع يصف هؤلاء الأشخاص "بالميالين إلى ارتكاب الجرائم"، أو بالغباء، أو بافتقادهم القدر الكافي من محفزات العيش في المجتمع. ثمة ما هو غير صحيح في لوحة العالم هذه... وإذا كانت عوامل سوء الحظ وعدم المساواة تؤثر على حياة المرء فلن تزول بمرور الزمن. بل ان هذه العوامل - كقاعدة عامة- ستتفاقم  وحسب، وعندئذ  سيزداد الظلم والإجحاف أكثر وأكثر.

خ 7 

هل يمكننا القول إن حرية الإرادة توجد بدرجات مختلفة تبعا لاختلاف البشر؟ على سبيل المثال، أنا اخترت بنفسي موضوع حلقة جديدة من البرنامج... موضوع "حرية الإرادة". وأنا بنفسي اخترت الضيف لنناقش معه هذا الموضوع.. وهذا الضيف هو أنت... في هذه الحال ألم تكن لي يا ترى حرية الاختيار؟ ألم أكن حرا في اختياري؟ 

س 7 

طبعا، لا. 

خ 8 

ولمَ لا؟  لو وضحت المسألة؟

س 8 

كل شيء يؤثر على خيارك، بما في ذلك كمية العناصر الغذائية. مثلا: البروتين الذي تناولته من لحظة الإخصاب وحتى الآن. لديك دماغ رائع أتاح لك الدفاع عن أطروحة الماجستير في الموضوع الذي نناقشه الآن. في لحظة صحيحة في حياتك "التقى" على نحو مثالي الاهتمام بالموضوع من جهة، وما يكفي من الرغبة لوضع الأسس العقائدية موضع التساؤل والشك، من جهة أخرى. ولذلك نحن وإياك حاضران هنا الآن ونتناقش حول حرية الإرادة. ربما أن أحدا ما.. في لحظة مفصلية ما.. حدثك عن إنسان أردت أن تنخرط معه في "مواجهة" إيديولوجية. ولذلك أنت الآن تنفذ شيئا ما من هذا القبيل. أنت تطرح فكرةً لا يؤمن بها معظم الناس. الأغلبية يرون أن لا تناقضات البتة، وأن حرية الإرادة موجودة... دعني أضرب مثلا. لنفترض أن طالبين أتيا إليَّ وكلاهما يريد مناقشة موضوع "حرية الإرادة".. وموقفهما يتسم بالشك إزاء فكرتي التي مفادها أن البشر ليسوا إلا كائنات بيولوجية. في لحظة ما يتقدم أحد الطالبين من طاولتي ويأخذ قلما ويقول لي: "هل تؤكد أنني لم أكن حر الإرادة عندما قررت أن آخذ القلم عن الطاولة؟".. خلال سنين عملي دارت مرات عديدة حوارات كهذه. ويمكنني عمليا أن أضمن- وباحتمال أكبر- أن طالبا وليس طالبة سيتصرف على هذا النحو تحديدا. وإذا كان أحد الطالبين يرى أنني محاضر بارع، والآخر يحسبني بليدا.. فالثاني هو الذي سيأخذ القلم عن الطاولة. وإذا كانت لأحد الطالبين علاقات رائعة مع أبيه وللآخر علاقات سيئة جدا فإن الثاني أيضا هو الذي سيأخذ القلم ويطرح الأسئلة. قائمة العوامل من هذا النوع طويلة جدا. إذا كان تحت تصرفي مجموعة معطيات عن هذين الطالبين فأنا على استعداد للمراهنة أنني سأتمكن بنسبة 90-95% من التكهن بمن سيأخذ القلم عن الطاولة ويطرح السؤال عن حرية الإرادة. قد تكون مجموعة المعطيات والعوامل على النحو التالي: 

أي الطالبين أبواه مهاجران حلا  للتو في الولايات المتحدة الأمريكية؛ 

وأي الطالبين تربى في ظل ثقافة تشدد على الفردية؛ 

وأي منهما يُعدُّ جذابا بين طلاب سنته الدراسية؛

 وما مستوى الهرمونات في الدم عند هذا أو ذاك؛ 

ومن منهما كان متعبا أو لم يأخذ قسطا كافيا من النوم ما جعل سلوكه أقل اتزانا...إلخ.

 في حال امتلكت معلومات- ولو كهذه فقط - لاستطعت باحتمال 95% أن أتكهن بمن سيأخذ القلم عن طاولتي.

خ 9 

حسنا. ما هي التجارب التي تستند إليها في ممارستك العلمية لإثبات أن لا وجود لحرية الإرادة؟  في مداخلاتك في مشروع "تيد" (التكنولوجيا والترفيه والتصميم) أوردت تحليلا رائعا لأسباب سلوك شخص أثناء تظاهرات في الشارع حيث أطلق النار على رجل كان يركض نحوه ظنا منه أنه يحمل مسدسا ... هذا مثال مثير للاهتمام جدا كما يبدو لي. 

س 9   

دعنا نتفحص هذا المثال: لنفترض أن في الشارع مظاهرات احتجاج، والناس يتراكضون حشودا حشودا.. وأنت خرجت إلى الشارع ومعك مسدس. رأيت شخصا لا تعرفه يركض نحوك مهتاجا... ولكن من الصعب عليك أن تميز من تعابير وجهه إن كان يهددك أم أنه في حالة ذعر وحسب... أنت ترى في يده شيئا يشبه المسدس، ولو أنك غير متيقن من ذلك.. ولكنك تشعر بالخطر، فتهيئ مسدسك وتضغط على الزناد... فتقتل شخصا بسيطا يحمل بيده هاتفا جوالا...  لنطرح الآن سؤالا من ميدان البيولوجيا: ما الذي دفعك إلى هذا التصرف؟ ما الذي استدعى رد فعلك هذا؟.. في البداية نتوجه ذهنيا إلى منطقة الدماغ- إلى اللوزة الدماغية المسؤولة عن انفعالات الخوف والقسوة. هذه اللوزة تطلق في جسمك سلسة تفاعلات، ردود أفعال، تجعلك تضغط على الزناد. من المهم في هذه الحالة مستوى نشاط اللوزة قبل ثانية واحدة من الضغط على الزناد. كي نفهم ذلك يجب أن نرى ماذا جرى قبل دقائق وأثر على لوزتك. طبعا، ما أثر هو مشهد مظاهرات الاحتجاج والضجيج في الشارع. ولكن على الأرجح أنت رأيت هاتفا جوالا في يد رجل ضخم البنية من عرق آخر ولذلك ظننته مسدسا. والأكثر من ذلك.. إذا وجدت نفسك في الشارع وأنت تعاني من الصداع، أو كنت جائعا أو مهموما بأمر ما، فإن الفص الجبهي من دماغك سيكون سلبيا.. وهذا الجزء من الدماغ هو الذي يجب أن يعطي الإشارة للوزة وكأنه يسألها ويكرر السؤال: "هل أنتِ واثقة أن هذا مسدس؟". يمكننا التعمق أكثر بالعودة ساعاتٍ وأياما إلى الوراء قبل ذاك الحدث، وعندئذ سنفهم- مثلا- ماذا جرى في جسمك على مستوى الهرمونات. إذا كان مستوى التيستوستيرون مرتفعا عندك فأنت على الأرجح ميال إلى تأويل تعابير الوجه الحيادية على أنها تعابير عدائية. وهكذا إذا كان مرتفعا عندك مستوى التيستوستيرون ومستوى هرمونات التوتر فستكون لوزتك مفرطة في النشاط، بينما سيكون الفص الجبهي (الكابح) سلبيا. لنمض أبعد بالعودة أسابيع وشهورا قبل الحادث. ما المهم لنا في هذا المقطع من الزمن؟ المهم لنا هو أن الخبرة الحياتية قادرة على تغيير دماغنا. فإذا كانت الأشهر الأخيرة من حياتك مفعمة بالتوتر فستكون لوزتك متضخمة، والخلايا العصبية سهلة الاستثارة، سريعة الانفعال، وقشرة الفص الجبهي ضامرة. وهذا كله أيضا يتجلى مباشرة في تلك الثانية الوحيدة عند اتخاذ القرار. ولكن يمكننا أن نعود سنوات إلى الوراء... وعلى سبيل المثال إذا كانت والدتك عند الحمل في حالة توتر دائم فمن المؤكد أن يكون لديك في سن النضوج مستوى مرتفع من هرمون التوتر. ولكن هذا ليس كل شيء. إن دور الجينات هام جدا ولكنه ليس الحاسم لأنها تعمل على نحو يختلف باختلاف الظروف. مثلا، هناك نوع من الجين МАО-А (أكسيداز أحادي الأمين). وجوده قد يجعل الشخص ميالا إلى سلوك لااجتماعي شاذ إذا كان الشخص نفسه قد تعرض لمعاملة قاسية في طفولته. إن الجينات والوسط المحيط طرفان يتفاعل أحدهما مع الآخر. إذن، تلك الثانية الحرجة قبل الضغط على الزناد تعكس مجمل سلسلة التغيرات في جسمك على مدى حياتك كلها. 

خ 10  

يحاول كثيرون البرهان على عدم وجود حرية الإرادة مستندين في ذلك إلى تجربة عالم الأعصاب بنجامين ليبيت. هل ترى في تجربة ليبيت مثل هذه البراهين؟

س 10 

سأحاول ألا أتجاوز حدود اللياقة... ولكن مجرد ذكر ليبيت يخرجني عن طوري... لا لأنه لم يجرِ تجاربه كما ينبغي...

خ 11 

بالمناسبة، هل اطلعت على أعمال آرون شورغر الذي فند النتائج التي أسفرت عنها تجارب ليبيت؟

س 11 

 نعم. ثمة جوانب في تجارب ليبيت موضع جدل بين العلماء. أحد علماء الأعصاب البريطانيين الذي يشتغل على التصوير العصبي (بالتظهير المرئي) حاول إعادة تجربة ليبيت في القرن الحادي والعشرين، إذ أن أعمال ليبيت نفسه تعود إلى  ثمانينات القرن الماضي عندما كانت تقنيات دراسة الدماغ بواسطة التصوير المقطعي المحوسب لا تزال في مستوى بدائي جدا. فما هي تجربة ليبيت؟ إنها على النحو التالي: أمام الشخص الخاضع للتجربة زرٌ يمكنه الضغط عليه. والسؤال: متى، في أية لحظة، يقرر الضغط على الزر؟ وفي حالات أخرى من التجربة يوضع أمام هذا الشخص زران عليه أن يختار واحدا منهما. بعد ذلك، يُطلب منه تحديد متى اتخذ قرار الضغط على هذا الزر أو ذاك، في أية لحظة بالضبط، وحتى في أي جزء من الثانية. وبناء على مؤشرات التصوير المقطعي المحوسب استنتج العلماء أن الدماغ يتخذ القرار خلال ثانية ونصف الثانية قبل أن يعي الشخص ذلك. أي أن بالإمكان معرفة قرار الشخص الخاضع للتجربة مسبقا بالاستناد إلى نتائج التصوير المقطعي المحوسب. وتبين آخر الأبحاث التي أجريت باستخدام التصوير العصبي أن بالإمكان أيضا التنبؤ مسبقا بما سيفعله الشخص خلال سبع- ثماني ثوان قبل أن يعي نيته. قد نقول: يا إلهي.. شيء خيالي حقا!!  هذا يثبت أن لا وجود لأية حرية إرادة، فالدماغ يقرر كل شيء قبل إدراك القرار المتخذ. وهذا ما تدور حوله السجالات منذ عقد من الزمن وأكثر. لنفترض أن ليبيت لم يكن على صواب وأن النية باتخاذ القرار تتشكل تحديدا عند لحظة إدراك الشخص لها. حسنا!! يعني يبدو أننا قد أثبتنا وجود حرية الإرادة.. ولكن لا أحد يطرح السؤال الأهم، وهو: من أين جاءت هذه النية، ما هو مصدرها؟ الجواب: لقد ظهرت بفضل المحفزات الحسية المسجلة قبل دقيقة.. وهذه النية تتعلق بعدة عوامل كمستوى الهرمونات عند الشخص صباحا، وتغيرات المرونة العصبية في دماغه في الشهر الأخير، والقيم التي تشربها الشخص أثناء التربية، والجينات التي اكتسبها عند الإخصاب وكل ما تحدثنا عنه آنفا. هذه حقيقة... أما  الجدل حول تجربة ليبيت بخصوص وجود- أو عدم وجود- حرية الاختيار، فهذا كمشاهدتنا آخر ثلاث دقائق من شريط سينمائي ومحاولة فهم ما جرى منذ المشهد الأول. هذا مستحيل.. فقد فاتنا كل شيء تقريبا.. (خالد: نعم)... وحتى لو اتضح للعلماء ما إذا كان الشخص نفسه يقرر القيام بشيء ما، أو أن كل شيء يجري عشوائيا بمحض الصدفة، فهذا لا يقدم لنا شيئا عن مصدر النية نفسها، ولا ينبئنا إن كانت ناجمةً عن مركب عوامل بيولوجية عشوائي معين، أم عن غيره.

خ 12 

قرأت مقالة بعنوان "حرية الإرادة قد تكون مجرد وهم". يقول العلماء في هذه المقالة إن دماغنا يمكنه إعادة تدوين تاريخ الأحداث تبعا لاختيارنا هذه التصرفات أو تلك.. أي وكأن دماغنا يحور ذكرياتنا بحيث نصدق أن هذا بالذات ما قمنا باختيارك بأنفسنا.  هل تتفق مع هذا الرأي؟

س 12 

نعم.. تماما!

خ 13 

طيب، هلاّ ضربت لنا أمثلة ما عن تجارب تثبت ذلك؟

س 13  

من الأمثلة على ذلك بحثٌ كلاسيكي لعالم النفس من جامعة هارفارد دانيال فيغنر، الذي، للأسف، فارق الحياة قبل عشر سنوات تقريبا. لهذا العالم عملٌ عن وهم حرية الإرادة، حاول فيه أن يوضح - من خلال أمثلة بسيطة- لماذا تظهر غالبا عند الإنسان أوهام وكأنه يتحكم بظروف وأوضاع ما. من ذلك، مثلا، أن شخصا اقتيد في الظلام باتجاه مرآة خاصة وقيل له إنها تعكس يده، علما بأن اليد التي رآها هي لشخص آخر في حقيقة الأمر. في لحظة ما بدأت صورة اليد تتحرك، وكان هذا المشارك في التجربة على قناعة تامة بأن يده هي التي تتحرك حتى أنه شعر بحركة عضلاته. أي أن بالإمكان على هذا النحو تحفيز قطاعات معينة من الدماغ، وعندئذ سيبدو للشخص أنه فعلا يحرك يده، ولو أن يده في حقيقة الأمر ساكنة تماما. مثال آخر: إمكانية التأثير على اتخاذ القرار باستخدام رأيٍ تكوّنَ عند الناس بشكل مفتعل. هنا سيؤكد الأشخاص أنهم أنفسهم قرروا كيف يتصرفون، وأن ذلك كان خيارهم هم. هناك الكثير من الأمثلة على التحكم النفسي. وأبرز حالاته الكلاسيكية ما يتعلق بواحد من أكثر مساحيق الغسيل الأمريكية شعبية- مسحوق "تايد". هذه التجربة قديمة، عمرها أكثر من عقد من الزمن. كلمة "تايد" الإنكليزية تعني المد، أو موجة في المحيط. أثناء التجربة يقتاد الشخص إلى غرفة تحتوي على لوحة للمحيط، ثم يُسأل: ما هو مسحوق الغسيل المفضل عنده. واحتمال أن يجيب أن "تايد" هو مسحوقه المفضل عال جدا. يُطلب منه أن يوضح لماذا اختار هذا المسحوق فيجيب بثقة تامة أن هذه المادة أفضل من غيرها في إزالة البقع... وهلمجرا. وفي حقيقة الأمر، هذا تحكم وتلاعب نفسي، فقد رأى صور المحيط، وعندما سئل عن مسحوق الغسيل فكر لاوعيا بالدرجة الأولى بـ"تايد". وثمة أيضا مثال على وهم الاختيار، يتعلق بعمل القضاة عند اتخاذهم قرارات الإفراج المشروط عن السجناء قبل انتهاء مدة الحكم، إذ تشمل البعض ولا تشمل البعض آخر. حلل الباحثون أكثر من ألف قرار من هذا النوع فتبين لهم أن العامل الأهم الذي يتوقف عليه خيار القاضي هو عدد الساعات التي انقضت منذ تناوله الطعام آخر مرة. إذا كان ذلك قبيل الجلسة مباشرة فاحتمال الإفراج عن السجين يشكل حوالي 60 بالمئة. وإذا كان القاضي تناول الطعام قبل ثلاث- أربع ساعات من ذلك فاحتمال القرار الإيجابي ينخفض إلى الصفر تقريبا. ولكن لو سُئل هذا القاضي لماذا أفرج عن هذا السجين ولم يفرج عن ذاك، فلن يجد أية صلة بين قراره وعمليات بيولوجية ما. وسيشرع بالتفلسف عن إيمانويل كانت وسبينوزا وأرسطو علما بأن هؤلاء لا علاقة لهم بالموضوع بتاتا. الحقيقة، نحن نسد الفجوات في معارفنا بمحاكمات وتأملات عن حرية الاختيار لأنه من الصعب جدا إدراك أن لا شيء تحت سيطرتنا في واقع الأمر.

خ 14 

حسنا. غالبا ما تحضر جلسات استماع في قضايا جنائية. لو أن أحدا ما اقترح عليك إجراء تعديلات في نظام القضاء فما الإصلاحات التي كنت ستقترحها؟ 

س 14 

عندي اقتراح واحد فقط... ولكنه لن يتجسد أبدا في الحياة لأنني التزم آراء راديكالية جدا في هذه المسألة. أولا- أرى أن نظام القضاء الجنائي لا يمكن إصلاحه، إذ لا يوجد أسلوب لتصويب منظومة الحق والقانون بحيث تأخذ بالحسبان معارفنا عن عمل الدماغ البشري والعوامل العصبية الحيوية التي تحدد سلوكنا. منظومة اليوم باطلة، لا معنى لها مطلقا، لأنها قائمة على مبدأ حرية الإرادة. من أبسط الأمور توضيح ذلك بمثال عن عمل قشرة الدماغ الجبهية. هذا الجزء من الدماغ هو آخر ما تطور عند الإنسان. وهو عندنا أكبر مما عند بقية الأنواع الحية. هذه القشرة تضبط انفعالاتنا ولا تسمح بارتكاب تصرفات حمقاء، نزوية، انفعالية. إنه ذاك الجزء الذي يبدو وكأنه يخاطبنا في اللحظة الضرورية قائلا: "ما كنتُ سأقوم بذلك لو كنت مكانك. أعلمُ أن هذه تبدو لك فكرة ممتازة ولكنك ستندم في ما بعد، فلا تقدم على ذلك... لا تفعل ذلك". والآن إليك المعطيات: في الولايات المتحدة الأمريكية - في بلدي المتحضر هذا- 25 بالمئة من الرجال المحكومين بالإعدام، تعرضوا في حياتهم لإصابات في الجزء الأمامي من الرأس ما تسبب بالأذى للقشرة الجبهية. أي أننا لا نتعامل مع شخص شرير أو عديم الإحساس الروحي، ذي قيم حياتية غير سليمة. بل يمكننا القول لو شبهنا هذا الإنسان بالسيارة، أن الكوابح عنده تعرضت للإتلاف، ولذلك لا تعمل كما ينبغي. هذا طبعا إيضاح تقريبي مبسط لقوة الظروف. إذا ولد الإنسان في أسرة تتكرر فيها حالات عنف جسدي أو نفسي أو جنسي، وشاهد ذلك في السنوات العشر الأولى من عمره، أو إذا كان هو نفسه ضحية عنف من هذا القبيل، أو أن أحد أفراد أسرته يقبع في السجن، أو أن أحد أفراد أسرته لديه سلاح في المنزل... فاحتمال أن يجد هذا الشخص نفسه في السجن قبل بلوغه العشرين من العمر حسب الاحصائيات يرتفع بنسبة 35 بالمئة... نظامنا القضائي يتظاهر بأن ثمة حرية اختيار ما. ولكن ببسيط العبارة: حرية الاختيار هذه معدومة.   

خ 15 

بروفيسور.. شكرا لك والى اللقاء في الأسبوع القادم. 

س 15 

شكرا لكم. سررت جدا بالتواصل معكم، وآمل في مواصلة الحوار. 

خ 16 

 شكرا.



التعليقات

تقرير إسرائيلي يحذر من استعداد اليمين المتطرف لمواجهات محتملة مع مصر والأردن