مباشر

واشنطن تفتح في جورجيا جبهة جديدة للحرب مع روسيا

تابعوا RT على
انقلاب آخر نظمته واشنطن يتطور الآن في جورجيا.

علينا أن نبدأ القصة من بعيد. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انهارت جورجيا هي الأخرى. فانفصلت عنها أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، التي لم يعترف بهما أحد. في عام 2008، وبعد شهر واحد من زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس إلى تبليسي، هاجم الرئيس الجورجي آنذاك الموالي للولايات المتحدة ميخائيل ساكاشفيلي أوسيتيا الجنوبية وقوات حفظ السلام الروسية المتمركزة هناك، وقتل الكثير منهم. ردا على ذلك، أرسلت روسيا قواتها إلى منطقة الصراع، وهزمت الجيش الجورجي واعترفت باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

بقي ساكاشفيلي في السلطة، لكنه خسر الانتخابات التالية، وفتحت ضده عدة قضايا جنائية، وغادر البلاد، إلا أنه عاد إلى جورجيا عام 2021، واعتقل، وهو الآن يخلد إلى الراحة في مستشفى السجن.

يحكم جورجيا حزب "الحلم الجورجي" منذ عام 2012، ما يشير إلى الدعم الواسع والمستقر للحزب من قبل غالبية السكان. وبمساعدة الحزب، تم انتخاب رئيسة الجمهورية الحالية سالومي زورابيشفيلي، وهي مواطنة فرنسية، ودبلوماسية فرنسية سابقة، ورئيسة البلاد منذ عام 2018.

تطمح جورجيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتتبع سياسة بروكسل وواشنطن بحذافيرها، لكنها في الوقت نفسه تحاول عدم استفزاز موسكو. وبعد بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، حاولت جورجيا الابتعاد عن الصراع، ولم تفرض عقوبات على روسيا، ورفضت تزويد أوكرانيا بالأسلحة السوفيتية التي كانت بحوزتها.

وفي مارس 2023، تم تقديم مشروع "قانون شفافية النفوذ الأجنبي" إلى البرلمان الجورجي، والذي يلزم المنظمات غير الحكومية بالتسجيل كـ "عملاء للنفوذ الأجنبي" إذا ما كان تمويلها الأجنبي يزيد عن 20% من إجمالي دخلها.

في 6 مارس، أثار ذلك احتجاجات من أنصار أحزاب المعارضة الجورجية التي تمولها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. حاول المتظاهرون السيطرة على البرلمان، وفرّقتهم الشرطة بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، وتم اعتقال العشرات.

كانت الحكومة الشرعية تسيطر بشكل كامل على الوضع، ولكن بدلا من استمرار الإجراءات لتحقيق الاستقرار، لجأت الحكومة إلى الغرب للحصول على الدعم، ووعدت بإرسال نص مشروع القانون إلى الاتحاد الأوروبي لفحصه، إلا أن الغرب، على الرغم من ذلك، رفض دعمها. ودعت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي السلطات الجورجية إلى احترام "الاحتجاج السلمي" على الرغم من اقتحام المتظاهرين البرلمان واستخدمهم لزجاجات المولوتوف. كذلك انتقد الغرب بشدة قانون العملاء الأجانب، على الرغم من حقيقة وجود قوانين مماثلة، بل وأكثر صرامة سارية في الولايات المتحدة وأوروبا. ولسبب ما، تم ربط هذا القانون بروسيا، برغم أن موسكو لا ترتبط بذلك بأدنى علاقة بما يحدث في جورجيا.

بعد ذلك، مرت السلطات الجورجية بمنعطف نفسي، وأيدت رئيسة الجمهورية سالومي زورابيشفيلي، الموجودة حاليا في زيارة للولايات المتحدة، الاحتجاجات، فيما قرر حزب "الحلم الجورجي" الحاكم سحب القانون. تم الإفراج عن المعتقلين خلال تلك الاحتجاجات. وعلى عكس المتوقع، واصلت المعارضة الملهَمة الاحتجاجات، وتطالب الآن باستقالة الحكومة.

لقد فقد الحزب الحاكم في جورجيا، الموالي للغرب، إرادة المقاومة بعد رفض الأخير دعمه. علاوة على ذلك، سيتبع ذلك على الأرجح إما استقالة الحكومة وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، أو تغيير للمسار مع الحفاظ على الحكومة.

إن سبب ما يحدث، والموقف الغربي المذكور واضح: الموقف المحايد لجورجيا في الحرب بأوكرانيا. إضافة إلى ذلك، كانت حكومة جورجيا مؤيدة لأوروبا أكثر منها موالية للولايات المتحدة الأمريكية. وفي الظروف الراهنة، فإن هذا الأمر مستحيل، لا سيما بين الدول الموجهة نحو الغرب.

في الوقت نفسه، لا تحاول واشنطن دفع جورجيا إلى المسار المطلوب فحسب، وإنما تسعى لفتح جبهة ثانية في الحرب الأمريكية ضد روسيا، حيث هتف حشد من المتظاهرين في تبليسي يوم أمس الخميس بكلمة "سوخومي" وهي عاصمة جمهورية أبخازيا. بمعنى أن هناك استبدال لأجندة الاحتجاجات، بدلا من قانون العملاء الأجانب، إلى استقالة الحكومة والهجوم على أبخازيا.

تسود مشاعر انتقامية قوية في البلاد، وإذا وصل ساكاشفيلي أو غيره من العملاء الأمريكيين إلى السلطة، فلا شك تقريبا في تكرار محاولة إخضاع جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الانفصاليتين عسكريا.

  لدى روسيا معاهدات تحالف مع هذين الجمهوريتين، والتي بموجبها تتعهد روسيا بحمايتهما، وأي هجوم لجورجيا سيعني تلقائيا تورط روسيا في الحرب.

يبدو أن بولندا ورومانيا ليستا مستعدتين بعد لدخول الحرب، في انتظار نتائج الهجوم المضاد الأوكراني في الربيع. وفي ظل هذه الظروف، تعتبر جورجيا، التي لا تتمتع بعضوية "الناتو"، مرشحا مثالثا لتكون عبئا إضافيا على روسيا.

لكن جزءا كبيرا من سكان البلاد يكرهون ساكاشفيلي بعد كارثة عام 2008 التي وقعت بسببه، وقد يؤدي وصول المعارضة إلى السلطة من خلال انقلاب غير قانوني إلى اندلاع حرب أهلية في البلاد وزيادة تفككها. عندها ستكون النتيجة عكس توقعات واشنطن.

المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف

رابط قناة "تليغرام" الخاصة بالكاتب

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا