في الملفين السوري والفلسطيني.. الماء لا يجري تحت الحجر الهامد!
قبل فترة زمنية وجيزة بثت وسائل الإعلام العالمية خبرا يقول إن الولايات المتحدة وتركيا اتفقتا على إنشاء منطقة عازلة عمقها يتراوح بين 30 و40 كم على الحدود بين تركيا وسوريا.
الأمر أثار رد فعل عاصفا لدى بعض ممثلي الرأي العام في الدول العربية وبالدرجة الأولى لدى بعض التجمعات السورية وعلى أثر ذلك سرعان ما تلقينا الكثير من المكالمات التلفونية والرسائل على بريدي الإلكتروني ليس من ممثلي المعارضة السورية وحدهم بل ومن جانب ممثلي دمشق الرسمية أيضاً وبعضهم مقربون من القيادة السورية ومما يثير الدهشة إنه عقب ظهور هذا الخبر حول الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا صدرت تعليقات من البعض يتساءلون فيها (وأين الروس هنا؟! لماذا لم يصدر من روسيا أية رد فعل تجاه هذا الأمر؟!).
وكان ردي كالتالي: وأين السوريون أنفسهم؟! هل نسينا ما كان عليهم وضع عندما كانت التشكيلات الإرهابية لداعش على مقربة لصيقة بالعاصمة السورية وكانت دمشق محاصرة عملياً من كل الجهات بل وكان من المحتمل أن تسقط دمشق وتدمر هي وأهلها في غضون بضعة شهور أو أسابيع أو حتى أيام معدودة. كانت كل سوريا مهددة بالسقوط والتحول إلى مقبرة هائلة لكن في تلك المحنة وفي هذه اللحظة العصيبة هبت روسيا لنجدة سوريا وانقذت الشعب السوري. وبفضل العملية التي نفذتها القوات العسكرية الروسية بقيت سوريا سالمة كدولة واحتفظت بسيادتها. وهاقد مرَّت ثلاث سنوات ونصف السنة على ذلك. لكن هناك تساؤل يلح عليّ رغماً عني وأجد نفسي مضطراً إلى توجيهه إلى كل السوريين: (وماذا فعلتم أنتم أنفسكم لبلدكم طوال تلك الفترة؟!.
هل قمتم بشيء لتحسين الوضع في البلاد لنشر السلم فيها وتعزيز سيادة سوريا؟!) ولذا رداً على السؤال:(وأين الروس من ذلك؟!) أستطيع القول فقط بأن: (الروس نفذوا أشق وأصعب مهمة للدفاع عن المصالح السورية وقصفوا على ما يقرب من نسبة 90% من أعدائها الطامعين في القضاء عليها. ولكن على قناعة تامة بأن نشر السلام في ربوعها وإعادة إحيائها من جديد وإعادة تعمير مدنها وتعزيز حدودها هي مهمة مناطة بهم وحدهم. بلا أنا أعلم جيداً حجم الدمار الهائل والمآسي المرعبة التي جلبتها الحرب. ومع ذلك أحدٌ لن يقوم بذلك على السوريين. وبالطبع أصدقاء سورية سوف يقدمون المساعدة لشعبها في هذه القضية لكنهم لن يقرروا قضاياها الداخلية ولن يتطلعوا بمهمة إعادة بنائها- هذا لا ينجزه إلا السوريين أنفسهم).
والشيء نفسه يقال بالنسبة للدفاع عن حدود سوريا وقد أعربت روسيا مراراً عن موقفها المبدئي وأكدت في الساحة الدولية على سلامة ورسوخ الحدود السورية وطالبت باحترام السيادة السورية ودعت المجتمع الدولي بأسره ووسائل الإعلام العالمية للعمل على حفظ سيادة سوريا على كل أراضيها والتنديد باغتصاب إسرائيل لمرتفعات الجولان. وطالبت روسيا دائماً بجلال القوات الأمريكية المتواجدة بشكل غير شرعي في الأراضي السورية وتمكين سوريا من استعادة سيادتها على الأراضي التي تحتلها القوات الأمريكية غصباً. ولعله من الجيد أن نذكر هنا بأن رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية لم يغفل عن التنويه إلى عدم شرعية تواجد القوات الأمريكية على الأراضي السورية وذلك خلال كلمته التي ألقاها في مؤتمر الأمن الدولي.
وفيما يخص تواجد القوات التركية في بعض المناطق السورية تنظر روسيا إلى هذا الواقع بعين التفهم نظراً لأن هذه القوات تقوم في حالات محددة بتنفيذ مهام متعلقة بأمنها القومي. بل وتنتشر هذه القوات في هذه المناطق بناءً على الاتفاق الثلاثي المبرم بين تركيا وروسيا وإيران ضمن اتفاق (أستانا). ولا يجب أن نغفل هنا في ذات الوقت أيضاً بأن تركيا بلد عضو في (الناتو) وبصفتها هذه فإنها مضطرة في بعض الأحيان إلى اللين في التعامل مع البلد الذي يحدد سياسة هذا الحلف. ومهما يكن الأمر فإن المهمة الرئيسية للأتراك على حد قولهم هي إقامة (حزام أمن) يمنع انتهاك حدود تركيا والتغلغل في أراضيها.
وأخيراً يحاول الأتراك الاتفاق مع الأمريكان وأيضاً مع دول الاتحاد الأوروبي بشأن تلك المشكلة التي تؤثر بقوة على الوضع السياسي الداخلي لتركيا وعلى الحياة الاقتصادية فيها والمرتبطة بتواجد ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ سوري داخل أراضيها. إنها مشكلة تقلق مضاجع تركيا وتزداد حدتها بمرور الوقت خاصةً في مدنية (اسطنبول) حيث تتزايد نقمة سكانها وغضبهم من هذا الوضع مما أسفر حتى عن عدم تأييدهم لمرشح الرئيس (رجب أردوغان) في الانتخابات البلدية لاسطنبول فخسر أمام منافسه.
لقد تملك التعب والإرهاق من سكان اسطنبول بسبب هذا التدفق الكبير للاجئين والمشكلات الاجتماعية التي يتمخض عنها وجودهم هناك وبالتالي فهم يرغبون في عودة هؤلاء اللاجئين إلى وطنهم وبهذا الصدد تنص إحدى وظائف (الحزام الأمني) على تخصيص منطقة داخله لإيواء اللاجئين العائدين مؤقتاً ومرحلياً باعتبارها مكان لتوفير المواصلات والمواد الغذائية والمستلزمات الأساسية لهؤلاء اللاجئين. ويجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أيضا بأنه في هذا الحزام الأمني يستطيع اللاجئون تحديد وجهة عودتهم نظراً لأن بعض المناطق السكنية في سوريا قد مُحيت من على وجه البسيطة.
وهناك ثمة واقع يعيه تماماً الساسة المخضرمون ورجال الاقتصاد الواعون مفاده إن من بين كل الدول المحيطة بسورية لا يوجد إلا تركيا- البلد الوحيد الذي يملك قدرات اقتصادية هائلة وإمكانيات ضخمة للبناء والتعمير وغيرها من الوسائل القادرة على تقديم العون الملموس في إعادة بناء سورية المدمرة بشدة من جراء الحرب. إنها في أمس الحاجة إلى جارٍ قادر على تقديم مساعدة لها ولو في المرحلة الأولى من هذه العملية الجبارة. هذه هي حقيقة الموقف حول سورية وهذا هو الواقع المحيط بها من جراء الحرب السائرة إلى وضع أوزارها.
ومع ذلك أدعوكم للعودة إلى قضية السوريين أنفسهم وعمل كل منهم من أجل تحسين الوضع داخل البلد وعلى حدودها فمن الواضح لكل ذي عينين إن كل شيء تقريباً يتوقف على مدى تلاحمهم في تنفيذ المهام الشاخصة أمامهم سواء في السياسة أو الاقتصاد على حد سواء. أمامهم مهام عملاقة! وعلينا ألا نسقط من حساباتنا وضع الدول الأخرى المتورطة بدرجة أو بأخرى في النزاع السوري فهي أيضاً تواجه مشاكل خطيرة فعلى سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية لا تقدم على سحب قواتها من الأراضي السورية ليس بسبب رغبتها في البقاء هناك بقدر حاجتها إلى إبقاء هذه القوات في سورية كسند ودعم لقواتها في العراق التي تواجه هناك وضعاً صعباً للغاية بغض النظر عن أسباب وجودها هناك فهذه قضية أخرى. كما تواجه إيران العديد من المشاكل مثلها مثل روسيا أيضاً في نهاية المطاف. ولا يجب أبداً الاعتقاد بأن روسيا طالما هي أنقذت سورية من براثن (داعش) فإنها قادرة على تحقيق الرخاء فوراً في سورية. لاشك أنها ستقدم لها كل الممكن من المساعدات وهذا أمرٌ لا جدال فيه لكن روسيا لا تملك عصا سحرية لتؤشر بها فيظهر ألف قصر مشيد في دقائق معدودة!...
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى هناك وجه آخر للقضية السورية على درجة بالغة من الأهمية. فعندما نتحدث عن الشؤون السياسية والتنمية الاقتصادية سنجد أن أي بلد يرغب في تقديم المساعدة إلى سورية سيواجه وضعاً غريباً.. سيكتشف عدم وجود شريك واقعي وفعلي في سورية للتعاون معه حول هذا الأمر. ولإثبات صحة ما أقول أود التنويه إلى اتخاذ المجتمع الدولي القرار رقم 2254 وعندما شرعت الأجهزة التنفيذية المختلفة التابعة لهيئة الأمم المتحدة في تنفيذه في سورية اكتشفت عدم وجود أي طرف يمكنها التعاون معه على إنجاز هذه المهمة والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن ترتيب العمل المطلوب لتنفيذ هذه القرارات الصادرة؟ سنجد بالفعل ودون مبالغة غياب (الطرف السوري).
وهذا من جانبي ليس زعماً أو مجرد كلام! ما هذا الذي يجري داخل المعارضة؟! شيءٌ عصي على الفهم تماماً. لاأحد يعرف ماذا تريد هي وإلى ماذا تسعى وبشكل عام أين هي الآن؟ كأنها تبخرت بين ليلة وضحاها. فالبعض من القياديين داخل المعارضة أنطوى على نفسه أو- كما يقول المثل- (غسل يديه) بمعنى ترك القضية وإنزوى والبعض الأخر قرر الانتظار لآخر العمر لحين أن يتولى طرفٌ أخر القيام بما يجب عليهم تنفيذه أو للقيام بما يودون عمله بدلاً منه.
أما السلطة في دمشق فتبدو وكأنها لا تريد فعل أي شيء وتكتفي بالبهرجة بالنصر الذي بالمناسبة لم تجنيه بنفسها. وهذا أيضاً وضع لا يليق بالمرة. لكن رغماً عن كل هذه التناقضات الخطيرة التي ...9.. عن السلطات السورية والمعارضة معاً كان بوسع القيادة السورية أن تبدأ عملية إعادة بناء البلاد وأن تخوض مباحثاتها ومفاوضاتها مع ممثلي هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى بل ومع الدول الراغبة أيضاً في مساعدة سورية. نعم نرى أن المعارضة لا تريد التعاون مع دمشق . فليكن . نحن نرى في ذات الوقت بأن السلطات قادرة أن تبدأ بنفسها إجراءات تنفيذ القرار الصادر عن هيئة الأمم المتحدة رقم 2254. وأن تبدأ العمل بما ورد في نصه والحق كان بوسعها أن تطرح أية مبادرات وأن تدعو للتفاوض الشخصيات السورية المقيمة داخل دمشق أو خارج حدودها في الدول الأخرى وأن تتقدم بمبادرة لصياغة دستور جديد بدون المعارضة التي تتعمد إفشال وعرقلة هذه العملية في هذه العملية أو على الأقل البدء- في نهاية المطاف- في إدخال تعديلات على الدستور الحالي القائم حتى يومنا هذا. مثل هذه الخطوات قادرة بلا جدال على دفع المجتمع الدولي نحو الاهتمام والانخراط في هذه العملية المطلوبة والضرورية لإعادة بناء سورية وتعزيزها وتغيير وضعها الحالي.
هناك مثل شائع في روسيا يقول: (المياه لا تجري تحت حجر راقد!) .
وتقول الآية الكريمة" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
وبالفعل كيف يمكن أن نتوقع حدوث تغيرات أو تقدم أو أية خطوات من شأنها أن تؤدي إلى تحسين الوضع طالما نكتفي بالفرجة دون أي حراك وبالعكس قد يتدهور الوضع ويزداد سوءاً. وأنا شخصياً كصديق لشعب سورية يتمنى له الخير والمستقبل المضيء لا استطيع الصمت وغير قادر على كبت مشاعر القلق تجاه تلك التطورات المحتملة والتي- للأسف- لن تصب في مصلحة الشعب السوري. وإذا لا قدر الله ووقعت الطامة فلن يتعين على السوريين البحث عن المذنب في ذلك ولن يحتاجوا إلى توجيه الاتهام إلى الأمريكان أو الأتراك ولا حتى إلى الإسرائيليين والمجتمع الدولي عموماً. لأنه على مدى هذه ثلاث سنوات ونصف السنة كان من الممكن لهذه الفصائل أن تنأى بالنفس عن هذا التكبر وأن ترى طموحاتها بعين الواقع لتتوصل إلى اجماع ما يخدم مصلحة البلد وشعبها وكما يقول المثل الروسي: (انقاذ الغريق بيده هو) إذا كان الشخص يرى بأن انقاذه أمرٌ ممكن بدون مشاركته بهذه العملية أو ضد إرادته بأن يتم انقاذه ففي هذه الحالة لن يكتب النجاح لأية جهود تبذل من أجل تحقيق هذا الإنجاز.
وهنا بوسعي القول ومن وجهة نظري بأن عزوف المعارضة عن طرح أي مبادرات وعن اتخاذ أية خطوات بناءة إنما يدل على تقاعس زعمائها وعدم سعيهم بالمرة في أي وقت سابق إلى إقامة دولة ديمقراطية أصيلة وإلى النهوض بسورية وتطويرها ومساعيهم كانت ترمي فقط للاستيلاء على السلطة. وهذا الانزواء الذي نلمسه اليوم يدل على تخليهم بالمرة عن فكرة التعاون المتعدد القوميات والمتعدد الأطراف الأمر الذي يعني شيئاً واحداً فقط: في ظل هذه الظروف التي تواجهها البلاد لن تتمكن أية مجموعة سياسية ولا أية نظام سلطوي من حكم كان في البلاد ومن ضمان سيادة الدولة وسلامة أراضيها وفي المحصلة ستتعرض البلاد للانقسام عرقياً ودينياً وقد تقسم بالأحرى إلى أربعة أجزاء بمباركة وشماتة كبيرة من واشنطن وتل أبيب. وهذا سيكون نصراً لأعداء سورية وأعداء التضامن العربي وأعداء التقدم في كل العالم العربي! هذا الوضع اسميه بـ (تجزئة الوعي القومي).
وللأسف لا يسعني إلا أن أقر بأن هذا الوضع قائم في وطني- في فلسطين- وقد تعين علي أن أجري في الآونة الأخيرة العديد من اللقاءات مع ممثلي مختلف التيارات السياسية والأحزاب والتجمعات وتنظيمات الشعب الفلسطيني وكلهم يطرحون سؤالاً واحداً: (ما هو رأيكم بشأن حل مشكلتهم. وما هي توقعاتكم لمصير الشعب الفلسطيني؟) أتلقى هذا السؤال في خطابات ورسائل عبر البريد الإلكتروني حتى في مكالمات هاتفية والمثير للغرابة إنه عقب هذا السؤال يطرح- كقاعدة- السؤال التالي: (لماذا لا تقدم روسيا على اتخاذ أية خطوات فعالة من أجل حل المشكلة الفلسطينية لماذا لا تطرح مبادرات جديدة بهدف تحقيق الحل العادل لها؟) وعادةً أرد في مثل هذه الأحوال هكذا: لقد مر حوالي ثلاثة شهور منذ دعوة روسيا لممثلي كل التيارات السياسية وتنظيماتها إلى موسكو من أجل أن يتمكنوا في لقاء مشترك من مناقشة مواقفهم بصورة مباشرة وبصراحة للتوصل إلى رأي موحد واتخاذ موقف مهادن من بعضهم البعض. في هذا اللقاء توفرت الفرصة لهم للإعراب عن موقفهم بشأن ما يجري حول فلسطين بما في ذلك مناقشة (صفقة العصر) المزعومة التي طرحت الولايات المتحدة الأمريكية مبادرتها والتي يؤيدها حلفاؤها وكذلك للتوصل إلى موقف مشترك يعكس تضامنهم ضد نوايا إسرائيل للاستيلاء بالكامل على قدس الشرقية وضمها إليها على عكس ما نص عليه القرار الصادر عن هيئة الأمم المتحدة باعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية.
فماذا حدث في هذا اللقاء؟ بدلاً من التوصل إلى رأي موحد بشأن أهم القضايا المرتبطة بمصير شعبهم هاجم الفلسطينيون من مختلف التنظيمات السياسية بعضهم البعض وتشاجروا وتشاتموا وفي المحصلة فشلوا في اتخاذ بيانٍ مشترك. وها قد مرت ثلاثة شهور وأجد نفسي مضطراً إلى سؤالهم: (ماذا فعلتم أنتم الفلسطينيون خلال هذه الفترة وبم أفدتم شعبكم؟ وما هي الاستنتاجات التي توصلتم إليها بعد اللقاء الذي انتهى بالفشل؟ ما هي المبادرات التي اقترحتموها وما هي خطوات المتخذة من قبلكم لتحقيق التضامن فيما بينكم؟) للأسف ما نراه هو العكس حيث يتعمق الانقسام في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية وتزداد حدةً التناقضات بين مختلف القوى والتجمعات السياسية. حيث يعلن زعماء حركة فتح الذين يمثلون الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية لنهر الأردن بين الاتفاق مع ممثلي حركة حماس في قطاع غزة مستحيل بينما يؤكد الأخرون أيضاً عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق مع قادة الفتح.
ومما يسترعي الانتباه أيضاً وجود الانقسام حتى داخل منظمة التحرير الفلسطينية التي تضم فتح ويعجز قادتها عن التوصل إلى اتفاق فيما بينهم. وهذا حسب رأيي وضع غير طبيعي وغير منطقي بالمرة ويخدم فقط مصالح تلك القوى التي تريد دفن الحل العادل للمشكلة الفلسطينية والقضاء الكامل على إمكانية التوصل إليه. وفي ظل هذا الوضع هل يعقل توجيه اللوم إلى روسيا؟ بينما تطالب هي دائماً بالحل العادل للمشكلة الفلسطينية وتؤكد أيضاً بأن هذا الحل يجب أن يقوم في أساسه على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعلى الأراضي التي كانت لدى الفلسطينيين في عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ولكن على الزعماء الفلسطينيون أن يدركوا هم وكل شعبنا بأنه في ظل هذا الانقسام الذي ينخر في عظام الحركة الفلسطينية وفي ظل هذا التدني لمستوى الوعي الوطني في مختلف التجمعات والأحزاب والقوى الفلسطينية التي ترفض حتى القيام بمحاولة لتوحيد جهودها لن نتوصل إلى أي حل. ولا يسعني هنا إلا أن أدق ناقوس الخطر محذراً بأن الوقت يمر ولا ينتظر ومع كل عام ومع كل شهر تتقلص فرص التوصل إلى الحل العادل. فهل يعقل أن القادة والزعماء الفلسطينيين لا يدركون هذا الأمر؟
وهنا تراودني الرغبة في سؤالهم بغض النظر عن انتمائهم الحزبي وسنهم ووضعهم: ألم يفكر أحد منهم بأي صيغة سيدخلون تاريخ بلدهم وتاريخ الإنسانية؟! كيف يمكن في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ شعبهم عندما يوضع مستقبل كل الفلسطينيين على المحك وعندما يحاول الأمريكان بكل قواهم فرض وتمرير (صفقة العصر) بل وعندما تشرع إسرائيل في اغتصاب القدس الشرقية بالكامل كيف يمكنهم مواصلة هذا الخلاف فيما بينهم وباستمرار في تعميقه بدلاً من تسويته وتخفيف حدته والدفع بجعلهم إلى المستقبل المجهول؟ وكيف سيكون تقييم الأجيال القادمة لهم؟!
إذا كان هناك ثمة أحد من هؤلاء الزعماء يعتقد بأنه في وقت من الأوقات سيظهر (العم الطيب المنتظر) الذي سيقوم بطرفة عين بإنجاز كل شيء بدلاً منه فإنني أقول لهم: لن يحدث شيء من ذلك أبداً؟ لن يتول أحدٌ حل كل مشاكلهم بدلاً منهم و نذكرهم في هذا الصدد بأن روسيا تنادي بالحل العادل للمشكلة الفلسطينية لكن الواقع يؤكد في ذات الوقت بأنها لن تستطيع حل هذه المشكلة بمفردها ولن تتمكن من وضع هذا الحل على طبق لتقدمه إلى الفلسطينيين مع القول: (هذا لكم خذوه وتولوا الحكم!) ومما يثير الحزن والأسف أن نرى عندما تطرح روسيا المشكلة الفلسطينية في المحافل الدولية نرى الأمريكان والأوروبيين على حدٍ سواء يعلنون على الملأ: (لا يوجد بين الفلسطينيين من يجدر بمناقشة القضايا الجادة معه!) وبالطبع هذا يعني عملياً عدم وجود قيادة لدى الفلسطينيين يمكنها اليوم أن تمثل كل الشعب الفلسطيني لكن مالا خلاف عليه هو أن قادة الفصائل الفلسطينية بخلافاتهم هذه وتكبرهم على بعضهم البعض وتشكيكهم الدائم في مواقف أبناء جلدتهم يتحملون المسؤولية بأنفسهم عن هذا الإثم: ترك شعبهم في مهب الريح من أجل أطماعهم وتطلعاتهم وأهوائهم.
واستخلاصاً مما سبق يمكن الخروج بالاستنتاج التالي على السوريين وعلى الفلسطينيين أن يدركوا بأن العالم يمر اليوم بمرحلة صعبة حيث تدور رحى الحرب المهجنة الشرسة التي لا هوادة فيها وتدور معها معارك الدعاية القوية على الهواء مباشرةً وفي الإنترنت. حربٌ تدور في كل الاتجاهات وعلى كل الجبهات ومن ورائها يهدف أعداء السلم والتقدم إلى تحقيق هدف أساسي وهو شق صفوف الحركة الوطنية وبالأخص في تلك البلدان التي تعارض الرضوخ لسطوة الدول والأحلاف الغربية. والسوريون والفلسطينيون يعدون هنا أحد هذه الأهداف وحتى روسيا تتعرض أيضاً لمثل هذه الحرب. ولا يسعني هنا إلا أن أحمد الرب عز وجل لكون روسيا دولة قوية وقادرة على التصدي لمحاولات شنّ الحرب المهجنة عليها وقادرة على تقويضها وإفشالها ولولا هذه الحقيقة لما تمكنت من تحقيق الاتفاق والوفاق الذي نشهده بين روسيا وتركيا وإيران وبفضل روسيا بالذات نجحت عملية (أستانا) ووحدت روسيا وتركيا وإيران لتتمكن عملياً من إنقاذ العالم الإسلامي من براثن الحريق المحيق به والتفتت والمجابهة المخيفة بين السنة والشيعة والتي حاول الأمريكان إشعال نيرانها هم وإسرائيل. وكنا قد ذكرنا من قبل بأن الانقسام والمجابهة هما جزء من المخطط الإستراتيجي الكبير للناتو لأن الخلاف الطائفي بالذات يوفر الذريعة للولايات المتحدة الأمريكية والحلف بأكمله لزيادة وجودهما العسكري في المنطقة مثلما يوفر لهما الحجة للتدخل في شؤون دول الشرق الأوسط وزيادة الضغوط الاقتصادية من قبلهما على هذه الدول وهما يستغلان أي نزاع مسلح يقع في هذه المنطقة الهامة للعالم من أجل إقامة المزيد من القواعد وحبك الدسائس التي تصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها فقط.
وبالمناسبة دوافعي لكتابة هذا المقال لم تكن مرتبطة فقط بالأحداث الجارية في سورية وفلسطين وإنما أيضاً بالتساؤلات الكثيرة التي أتلقاها في روسيا من مختلف فئات الناس ليس فقط من الدبلوماسيين والساسة ورجال الثقافة بل وأيضاً من الأطباء والمهندسين والعمال أي باختصار من ممثلي كل فئات الشعب الروسي. ويكمن جوهر تساؤلاتهم في الأمر التالي: هل يحق لروسيا أن تفسد علاقاتها مع الغرب من أجل مساعدة ودعم السوريين والفلسطينيين؟ في حين أن مصلحة روسيا تملي عليها تطوير علاقاتها مع الدول الغربية وذلك من أجل تطوير اقتصادها وحل العديد من المشاكل الحيوية لديها. خاصةً وأن روسيا تقوم أحياناً بمد يد العون لدول وحركات لا تريد أن تساعد نفسها. وكثيرون من الروس لا يستطيعون فهم السبب في وجود هذا الانقسام في صفوف السوريين ووجود هذه الخلافات الحادة بين الفلسطينيين ولماذا يتعين على روسيا أن تنقذهم طالما أن بعض زعمائهم واقعون تحت تأثير الدعاية الغربية وأجهزة الاستخبارات الغربية. كما أتلقى أيضاً أسئلة واستفسارات حول أسباب وقوع الخلافات الحادة بين دول الخليج بشكل مفاجئ وعدم تمكنها من توحيد مواقفها تجاه مشاكل عصرنا. ما الذي يمنعها من القيام بذلك خاصةً وأنها مجتمعة على ديانة واحدة ولديها مداخيل كبيرة من النفط وزعمائها على درجة عالية من التعليم فلماذا تعجز عن توحيد مواقفها من قضايا الحرب والسلم وعن مواجهة الدعاية الغربية وسياسة التدخل الفظ من الولايات المتحدة الأمريكية في شؤون المنطقة. ولماذا يتعين على روسيا أن تقدم الدعم السياسي والعسكري لبلدان لا تقوم باتخاذ أية خطوات لتحسين وضعها وهي بذلك تخاطر بأن تسوء علاقاتها مع العالم الغربي. أرد على هذه الأسئلة والاستفسارات بالقول بأن هذا الوضع تختلقه أجهزة الاستخبارات الغربية وتتخفى وراء شتى السبل وهي تشعل الخلفات والنزعات دون أن تغفل عن تحقيق هدفها الحقيقي من وراء هذه المؤامرات وهو العداء لروسيا والعمل ضدها.
وأحياناً يعارضني البعض ويقول بأن تصرفات الناتو هي في جوهرها خطوات للدفاع عن مصالحه في المنطقة وأن التصادم بين مصالح الغرب وروسيا في منطقة هو أمر واقع وموضوعي ونتيجته تدهور العلاقات بين روسيا والغرب. أليس من الأفضل لنا لو اتفقنا مع الغرب على تقسيم مجالات مصالحنا؟.
أبدي اعتراضي على هذا القول وأوكد بأن روسيا لن تقدم على ذلك بأي حال من الأحوال. وأنها على عكس سياسة الغرب وأمريكا بالذات الذين يضربون عرض الحائط بمبادئ القوانين الدولية على مدى سنوات عديدة. تبدي احترامها الدائم لحقوق الدول المستقلة ولسيادتها وسلامة أراضيها. وأيضاً تتمسك روسيا بمبادئ العالم المتعدد الأقطاب على عكس الولايات المتحدة الأمريكية التي نصبت نفسها زعيمةً للعالم وتحاول فرض هيمنتها على كل القارات من أجل خدمة مصالحها.
وفي الختام لا يسعني إلا القول بأن العالم الذي تراعى فيه حقوق ومصالح كل شعوب والدول وتمارس فيه الشعوب حقها في تقرير المصير الذي اقرته هيئة الأمم المتحدة وهو حجر الزاوية الأساسي لنشر السلام والعدل والتفاهم المتبادل في كل كوكبنا.
رامي الشاعر
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
التعليقات