مشهد سرعان ما بدد من صورة القوة المتراكمة التي كانت تظهرها "قوات سوريا الديمقراطية" في شمال شرقي البلاد، ومعها ذلك الحبل السري الذي كان يربطها بواشنطن قبل أن تقدم هذه الأخيرة وعلى لسان توم باراك مبعوثها إلى دمشق وسفيرها في أنقرة - عدو قسد اللدود - إلى إعلان انتقاء حاجتها إلى قسد في حربها المعلنة على داعش وتلزيم حكومة دمشق وحدها بالأمر مكتفية بالمكاسب الثقافية والاجتماعية التي أباحها مرسوم الرئيس الشرع الأخير حول الأكراد وحقوقهم التاريخية ليعطيهم بيمينه فرادى ما كانوا قد انتزعوه على قهر من الدولة السورية مجتمعين.
أسباب الانهيار الكبير
يعرض المحلل السياسي السوري خالد الفطيم مجموعة من العوامل والأسباب التي أدت إلى انهيار "قوات سوريا الديمقراطية" وتسليمها مساحات شاسعة من المواقع والأراضي للجيش السوري قبيل انكفائها إلى المناطق الكردية في الحسكة والقامشلي.
وفي حديثه لـ RT أشار الفطيم إلى ما سماه "خطأ قسد التاريخي" الذي تمثل في عدم إدراكها لطبيعة العشائر العربية التي انحازت بشكل عفوي وعلى نحو متوقع إلى قوات الجيش السوري وسهلت له مهمة السيطرة على مناطقها التاريخية التي اعتقد الأكراد أن بإمكانهم حكمها وفصلها عن امتدادها الوطني والعربي.
وأضاف بأن دعم العشائر العربية للجيش السوري لم يأت فقط لأسباب وطنية ترتبط بوشائج الدم مع مؤسسة الجيش بل تتعلق كذلك بطبيعة الحكم المستبد الذي مارسته "قسد" ضد هؤلاء الأمر الذي أدى إلى تلقفهم زمام المبادرة بعدما أخذت قسد تترنح بعد اللحظات الأولى لمعركة الشيخ مقصود والأشرفية في حلب.
سوء التقدير
من جانبه يرى المحلل السياسي جمال رضوان أن "قسد" فرطت في الكثير من الفرص التي كان يمكن أن تمنحها مستويات عليا من المشاركة في الحكم السوري على مستوى اتخاذ القرار السياسي واتساع دائرة الاستقلال الإداري فضلا عن تقاسم إيرادات الثروة النفطية مع دمشق.
وفي حديثه لـ RT أشار رضوان إلى أن اتفاق 10 مارس كان قد منح "قسد" كل هذه المزايا مجتمعة بيد أن المماطلة والتسويف في تنفيذ الاتفاق بانتظار وضوح الدعم الأمريكي والإقليمي فضلا عن إبرام تحالفات محلية مع قوى معارضة لسلطة دمشق - ثبت في نهاية المطاف أنها مجرد قنابل صوتية - أدت إلى خسارتها الكبيرة من هذا الرصيد قبل أن تتحول الى كيان هش فاقد للفاعلية يقبل أقل بكثير مما كان قد عرض عليه حتى الأمس القريب.
ولفت المحلل السياسي إلى أن قرار "قسد" لم يكن يوماً وطنياً سوريا بل هيمن عليه الهوى السياسي لحزب العمال الكردستاني والذي ذوّب المطالب الوطنية المشروعة لمكون سوري مهم بأوهام قومية كردية تقف كل دول الإقليم – رغم تناقض علاقاتها البينية - على موقف رافض لها كما أن المجتمع الدولي لم يسمح أبدا بهذا التوجه ما خلا بعض الأوهام التي باعتها فرنسا للأكراد وعند احتدام المعارك وقفت تتفرج بصمت على ما يجري.
لم نخسر كل شيء
في المقابل يؤكد المفكر السوري الكردي جمال حمو أن "قسد" كانت حالة ديمقراطية متقدمة على مستوى سوريا وأن وعاءها السياسي شمل كل المكونات في الجزيرة السورية من عرب وكرد وسريان وآشوريين وأنها وإن لم تكن حالة مثالية بيد أنها سبقت وبأشواط في ميدان الحريات النظام الذي يمسك زمام السلطة بقبضة اللون الواحد.
وفي حديثه لـRT أشار حمو إلى أن حالة من الارتباك سادت في صفوف "قسد" بعد الانسحابات السريعة من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حين أن الصمود كان شبه مستحيل في مناطق واسعة تسكنها العشائر العربية التي اختارت - كما يقول - سلطة دمشق على التوجهات الديمقراطية التي رفعتها "قسد" خلال عقد من وجودها شمالي شرقي البلاد .
وشدّد المفكر السوري الكردي على أن "قسد" أخطأت في قراءتها السياسية واعتقدت على نحو جازم أن واشنطن لا يمكن أن تستغني عنها وأن صعود نجم حكام دمشق الجدد لن يحول دون بقائها حالة متفردة في محاربة "داعش" بينما زاد هجوم تدمر وسقوط قتلى أمريكيين من هذه القناعة لدى قادة "قسد".
فيما لزمت فرنسا حليفة "قسد" الأولى الصمت ووجدت إسرائيل في المكاسب الهائلة التي أعطاها إياها الشرع في الجنوب ما يمنعها من تقديم الدعم الذي حظي به أهل السويداء أثناء الحملة العسكرية عليهم صيف العام الماضي.
ومع ذلك يؤكد حمو أن القضية الكردية في سوريا لم تنته وأن ما تم تحصيله من حقوق للأكراد - رغم التحفظ على فكرة أنها جاءت بمرسوم رئاسي وليس كمادة في الدستور- كانت بسبب وجود جسم عسكري صلب اسمه " قسد" مشيراً إلى أن الأكراد الذين انكفؤوا إلى مناطقهم لا يزالون مع إخوانهم المنتشرين في بقية أنحاء سوريا جزءا من المعادلة الوطنية التي تمكنهم من نيل بقية حقوقهم ضمن الإطار الوطني السوري الجامع وبمعيته كذلك.
وختم حمو حديثه لموقعنا بالإشارة إلى أن وجود "قسد" كقوة على الأرض أعاد القضية الكردية إلى الواجهة مجدداً وإن جاءت الخواتيم على غير ما يشتهي الضمير الجمعي للأكراد في حين أن واشنطن قد تدرك خطأها التاريخي في فك الشراكة معهم إذا كانت "داعش" ستستفيد من تغييبهم عن المشهد الميداني المعقد والصعب في سوريا.
المصدر: RT