وتسبب انسحاب "قسد" ارتباكا معنويا في بنيتها، تمثل في إظهارها عاجزة أمام قاعدتها الشعبية في الوقت الذي نالت فيه السلطة السورية زخما معنويا جديدا بادرت إلى توظيفه مباشرة في معركة دير حافر غرب الفرات تمهيدا للانتقال على ما يبدو إلى المعركة الكبرى شرقي النهر.
على أنه قد تكون هناك محاذير إقليمية ودولية سمحت لدمشق باجتراح نصر عسكري في حلب وحفزتها على إتمامه سياسيا في جغرافيا أخرى على قاعدة أن مناطق سيطرة قسد غربي الفرات قد تؤول للحكومة فيما تحافظ قسد على بنيتها السياسية والعسكرية شرقي الفرات باعتبارها شريكا في التحالف ضد الإرهاب دون إغلاق الباب في وجه التفاوض على آلية الاندماج ضمن شروط التفاهمات التي تلت اتفاق 10 مارس .
ضبط الصراع
وعليه فإن تحرك الحكومة السورية في حلب بقي محكوما بضوابط رسمت في الإقليم وخارجه لم تصل إلى حد ممارسة الضغوط الكبرى على دمشق فيما لم تضع "قسد" ثقلها العسكري الكامل في المعركة وكأنها فهمت عن ظهر قلب حدود الصراع الذي رسمته الدول المعنية كما يؤكد المحلل السياسي إبراهيم العلي لـ" RT"، مشيرا إلى أن وجه الخلل البنيوي الأكبر الذي عاشته "قسد" تمثل في تحريك دمشق لورقة العشائر العربية داخل صفوف التنظيم الذي يقوده الأكراد وهو الأمر الذي سمح بفتح ثغرة في حي الأشرفية تسلل منه مقاتلو وزارة الدفاع بعدما مهدت لهم الطريق عناصر من عشيرة البكارة التي كانت منضوية سابقا ضمن " لواء الباقر".
ورأى العلي أن التحرك الدولي المواكب لمعركة حلب قلل من صولات المعركة من خلال الدعوة إلى التهدئة فما خلا تركيا التي دفعت إلى التصعيد وقايضت عليه تنازلات سورية لإسرائيل في باريس بحضور وزير خارجيتها شخصيا، فإن فرنسا باشرت بفتح القنوات الدبلوماسية مباشرة مع الحكومة السورية مستندة إلى علاقتها الوثيقة مع "قسد" التي شملها الحضور الأبوي للزعيم الكردي مسعود بارزاني الذي اتصل بالرئيس الشرع وحثه على عدم الإخلال بالتوازنات القائمة.
أما مربط الفرس وفقا للمحلل السياسي فكان عند الأمريكيين الذين التزم رئيسهم الحذر حين سئل عما يجري في حلب فأشار إلى علاقة بلاده الدافئة مع الطرفين فيما تولى مبعوثه إلى سوريا توم باراك تفصيل الموقف بربط الصراع بالمرحلة الانتقالية مذكرا بـ" الفرصة" التي رافقت عملية رفع العقوبات عن سوريا مشددا على أهمية وجود دولة موحدة ومؤسسات وطنية تراعى فيها حقوق جميع مكونات الشعب بحيث لا غالب ولا مغلوب.
موقف يعزز الثقة بحكومة الرئيس الشرع، في الوقت الذي يبقي كفة "قسد" راجحة في الميزان الأمريكي عرفانا بجميلها المشهود أمريكيا بمحاربة تنظيم داعش والبقاء، كما يقول العلي على مرجعية اتفاق مارس 2025 وما تضمنه من تفاهمات بين الطرفين، مشيرا إلى أن واشنطن قد تكافئ الشرع على تعاونه في ملفات أخرى - تشمل تذليل العقبات مع إسرائيل والوصول معها إلى تفاهمات ترضيها - بالسماح له بالدخول إلى الأراضي التي تسيطر عليها "قسد" غرب نهر الفرات بدءا بدير حافر التي بدأ الجيش السوري عملية تحشيد كبيرة فيها في الوقت الذي يمكن أن تنسحب "قسد" منها كما فعلت في حيي الأشرفية والشيخ مقصود انسياقا مع قرار دولي ضمني يعيد حدود قوات سوريا الديمقراطية إلى ثقلها الطبيعي غرب الفرات و يرفع رصيد حكومة الرئيس الشرع عند جمهوره من خلال منحه انتصارات معنوية في هذه الجغرافيا الحساسة.
رسائل انزعاج أمريكية
المحلل السياسي سميح الفاضل أشار في حديثه لموقعنا إلى أن خيبة الأمل الأمريكية من فشل آخر في جولة المفاوضات بين دمشق و"قسد" في الرابع من يناير الحالي دفع واشنطن إلى توبيخ الجنرال مظلوم عبدي وإعطاء الضوء الأخضر لعملية وزارة الدفاع السورية في الأشرفية والشيخ مقصود معربا عن قناعته بأن هذا الضوء ما زال قائما تجاه بقية المناطق التي تسيطر عليها "قسد" غرب نهر الفرات.
وشكك الفاضل في إمكانية استمرار الشراكة على المديين المتوسط والطويل بين واشنطن و"قسد" في مكافحة الإرهاب على اعتبار أن الحكومة السورية تنهض اليوم بهذا الموضوع وتؤدي مهامها فيه على أكمل وجه بدليل حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت قادة وخلايا نائمة في ريف دمشق وحلب وغيرها من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، الأمر الذي سيدفع واشنطن إلى تبنيها كخيار أوحد في الشراكة ضد الإرهاب فيما ستصبح "قسد" من الماضي.
لازالت أوراق القوة في أيدينا
في المقابل يرى المفكر السوري الكردي كاوا مسعود أن قسد ستبقى رقماً صعباً في المعادلة السورية يجمع عليه كل من الأمريكيين والفرنسيين والأوروبيين ومعهم بعض العرب.
وفي حديثه لقناة RT أشار مسعود إلى أن انسحاب قسد من حيي الأشرفية والشيخ مقصود جاء من خلال تفاهمات دولية حفظت البعد المدني والاجتماعي للسكان ومنعت إلى حد ما - ورغم وجود العديد من الانتهاكات- من ارتكاب مجازر على النحو الذي حصل في الساحل والسويداء خاصةً وأن وجود قسد في الحيين كما يقول كان معدوما وانحصر تمثيلها على وحدات " الأسايش" وهي قوى أمن داخلي لا تمتلك السلاح الثقيل، لافتاً إلى أن "اللقمة قد لا تكون سائغة" في معارك دير حافر مع وجود قوات كردية متمرسة في القتال تستطيع رد الصاع صاعين.
وفيما يتعلق بإمكانية تجرؤ دمشق على فتح معركة شرق الفرات ضد قسد بغطاء دولي وبدعم عسكري تركي لفت المحلل السياسي الكردي إلى أن الأمر على غاية كبيرة من الصعوبة والتعقيد لاعتبارات تتعلق بوجود قواعد عسكرية أمريكية وقوات التحالف الدولي في منطقة شرقي الفرات وسجون تضم آلاف المقاتلين المنتسبين لتنظيم "داعش" والذي يمكن أن يتسبب أي تصرف غير مسؤول في إطلاقهم من السجن وتركهم يعيثون فسادا في المنطقة بالعمليات الإرهابية فضلاً عن وجود قاعدة روسية في مطار القامشلي الأمر الذي لا يسمح لدمشق بحرية العمل العسكري ضد "قسد" شرقي الفرات نتيجة التشابكات الدولية وخشية الدول على مصالحها هذا اذا لم تأخذ دمشق بعين الاعتبار جسارة تشكيلات قسد العسكرية التي باتت تقاتل كجيش محترف لديه خبرة طويلة في حرب العصابات ضد الإرهابيين.
وختم مسعود حديثه لموقعنا بالإشارة إلى أن واشنطن لن تسمح للمسار العسكري بأن يصل إلى شرقي الفرات لأنها تعي جيداً أن قوات سوريا الديمقراطية هي الجهة الوحيدة التي يمكن التعويل عليها في مسألة حسم الصراع مع "داعش"، معرباً عن قناعته بأن "قسد" ستفرض شروطها في نهاية المطاف بناء على القراءة الموضوعية للبيان الأمريكي الذي أعقب معارك الشيخ مقصود والذي كرس قوات سوريا الديمقراطية كشريك موثوق وورقة رابحة لا يمكن المغامرة بالتخلي عنها.
المصدر: RT