وتبين أن الجسم يعيد ضبط عملياته الأيضية بشكل معقد قد يكون هو المفتاح الحقيقي لإطالة العمر.
ووجد فريق البحث من مركز "يو تي ساوث وسترن" الطبي، أن التأثير الإيجابي للصيام على العمر لا ينتج مباشرة عن الامتناع عن الطعام، بل عن التحولات البيولوجية التي تطرأ عند العودة إلى تناول الغذاء.
واعتمد الباحثون في نتائجهم على تجارب أُجريت على دودة Caenorhabditis elegans، وهي كائن حي بسيط يُستخدم على نطاق واسع في الأبحاث العلمية، مع احتمال أن تنعكس هذه النتائج مستقبلا على فهم صحة الإنسان والشيخوخة.
وعند الصيام، تبدأ الخلايا باستهلاك مخزونها من الغلوكوز سريعا، ثم تتحول إلى حرق الدهون المخزنة للحصول على الطاقة. وتتحكم في هذه العملية بروتينات أهمها بروتين يعرف باسم NHR-49، الذي ينشط عندما تنخفض مستويات الطاقة، فيحفّز الخلايا على استخدام الدهون كمصدر بديل.
لكن عند إعادة التغذية، يتغير المشهد تماما؛ إذ يتوقف نشاط هذا البروتين، فتقل عملية تكسير الدهون وتبدأ الخلايا بإعادة بناء مخزونها الطبيعي من الطاقة.
ويقول الباحثون إن التركيز العلمي لم يكن سابقا موجّها بشكل كاف إلى هذه المرحلة الانتقالية بين الصيام والأكل، رغم أنها قد تكون الأكثر أهمية في تحديد الفوائد الصحية.
وفي دراسة سابقة، اكتشف الفريق نفسه أن بروتين NHR-49 لا يقتصر دوره على تنظيم حرق الدهون، بل يعمل أيضا كمستشعر لمخزون الدهون داخل الخلايا، ما يجعله عنصرا محوريا في توازن الطاقة.
ولفهم دوره في إطالة العمر، أجرى الباحثون تعديلات وراثية على ديدان C. elegans لإزالة هذا البروتين، ثم عرضوها للصيام لمدة 24 ساعة. وجاءت النتائج مفاجئة، إذ لم يتراجع تأثير الصيام في إطالة العمر، بل استمر، حيث زاد متوسط عمر الديدان بنسبة وصلت إلى نحو 41%، كما ظهرت عليها علامات نشاط وحيوية أكبر حتى في مراحل الشيخوخة.
وبعد ذلك، اتجه الباحثون إلى مرحلة إعادة التغذية لفهم ما يحدث عند توقف نشاط البروتين. وتبين أن تعطيله يتم عبر إنزيم يُعرف باسم "CK1 ألفا 1"، الذي يقوم بتعديل كيميائي لبروتين NHR-49 عبر عملية تسمى الفسفرة، ما يؤدي إلى إيقاف نشاطه.
لكن عندما حاول الباحثون إبقاء هذا البروتين نشطا حتى بعد إعادة التغذية، اختفت الفوائد المرتبطة بإطالة العمر تماما، رغم استمرار الصيام في البداية.
وتشير هذه النتائج إلى أن القدرة على "إيقاف" نشاط بروتينات حرق الدهون بعد الصيام قد تكون عنصرا أساسيا في تحقيق الفوائد الصحية وطول العمر.
ويرى الباحثون أن فهم هذه الآلية قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات أو تدخلات غذائية تحاكي تأثير الصيام، دون الحاجة إلى الامتناع الطويل عن الطعام، بما قد يساعد مستقبلا في تحسين الصحة وإبطاء الشيخوخة لدى البشر.
نشرت الدراسة في مجلة Nature Communications.
المصدر: ميديكال إكسبريس