مباشر

من فلاديمير الأول إلى غورباتشوف.. خمسة حكّام سعوا إلى تغيير روسيا

تابعوا RT على
سعى حكام روسيا، من فلاديمير الأول إلى غورباتشوف، إلى إعادة تشكيل المجتمع والإنسان، عبر الدين والتعليم وتحديث الدولة، وصولا إلى إصلاحات سياسية واجتماعية غيّرت علاقة المواطن بالسلطة.

فلاديمير الأول.. توحيد البلاد عبر الإيمان

وفقا لـ"قصة السنوات الماضية"، اعتنق الأمير فلاديمير الأول المسيحية عام 988، وأمر بتعميد سكان روسيا القديمة. غير أن القرار سبقه مسار طويل من البحث والمفاوضات والصراع العسكري.

ففي عام 986، نظم فلاديمير ما عرف بـ"اختبار الأديان"، إذ استقبل مبعوثين من المسلمين واليهود والكاثوليك واليونانيين، واستمع إلى مناقشاتهم قبل أن يميل إلى الإيمان اليوناني، أي المسيحية الأرثوذكسية.

بعد ذلك، شن حملة عسكرية على مدينة كورسون البيزنطية، المعروفة باسم خيرسونيسوس في شبه جزيرة القرم، واستولى عليها، ثم طلب الزواج من آنا، شقيقة الإمبراطورين البيزنطيين، مشترطا أن يعتنق المسيحية. وفي كورسون، تعمد باسم فاسيلي، وتزوج آنا، ثم عاد إلى كييف.

هناك، أمر بتدمير الأصنام الوثنية، ودعا سكان المدينة إلى التجمع عند نهر الدنيبر لتعميد جماعي، مهددا بأن من لن يحضر في اليوم التالي، سواء أكان غنيا أم فقيرا، متسولا أم عبدا، سيصبح عدوا له.

ويفسر السجل هذا القرار بضرورته لتوطيد السلطة وتوحيد القبائل المتفرقة تحت حكم كييف. كما أن إقامة علاقات مع بيزنطة، القوة المؤثرة آنذاك، وإدخال ثقافة جديدة إلى روسيا القديمة، بما شملته من كتابة وكنائس وقوانين، حققت فوائد كبيرة للدولة.

بطرس الأكبر.. تحديث الدولة يبدأ من المظهر

بعد قرون، سعى بطرس الأكبر إلى تحويل روسيا إلى قوة أوروبية، ورأى أن ذلك يتطلب إعادة تشكيل الجيش وأجهزة الدولة، إلى جانب تغيير عادات الناس ومظهرهم.

وعقب عودته من رحلته الخارجية الأولى في أغسطس 1698، عمد القيصر بنفسه إلى قص لحى عدد من النبلاء، ثم أصدر مرسوما بعنوان "بشأن ارتداء الملابس الألمانية وحلق اللحى والشوارب"، وفرض ضريبة على الاحتفاظ باللحى.

ولم تتوقف التغييرات عند المظهر. ففي عام 1700، نقل البلاد إلى نظام تقويم جديد يؤرخ السنوات انطلاقا من ميلاد المسيح بدلا من خلق العالم، وأمر بالاحتفال برأس السنة في الأول من يناير.

وفي عام 1705، أدخل نظام التجنيد الإلزامي بهدف إنشاء جيش نظامي. كما أعاد تنظيم الإدارة الحكومية على غرار النموذج السويدي؛ فبين عامي 1717 و1718، حلت الهيئات الحكومية المعروفة باسم "الكوليغيا" محل أجهزة الإدارة القديمة المعروفة باسم "البريكازي"، فيما حل مجلس الشيوخ محل مجلس الدوما البوياري.

وامتد الإصلاح إلى الكنيسة، إذ أخضعها بطرس لسلطة الدولة، وألغى منصب البطريرك عام 1721، وأنشأ المجمع المقدس الحاكم للكنيسة، الذي خضع لإشراف المدعي العام الأعلى.

وفي العام التالي، أصدر "جدول الرتب"، وهو قانون فتح طريق الوصول إلى النبالة عبر الخدمة بدلا من الاعتماد على النسب وحده.

من خلال المراسيم والضرائب والتجنيد الإلزامي وفرض مظاهر التحديث الأوروبي على النخبة، سعى بطرس الأكبر إلى تكوين نوع جديد من الرعايا: أفراد يخدمون الدولة، ويتمتعون بالتعليم والانضباط.

كاترينا الثانية.. التعليم أداة لتغيير المجتمع

اختارت كاترينا الثانية مسارا مختلفا، مستندة إلى أفكار عصر التنوير، وجعلت التعليم وسيلتها الأساسية لإحداث التغيير الاجتماعي.

وكان معهد سمولني للفتيات النبيلات، الذي تأسس عام 1764، أبرز أدوات هذا التوجه. فقد كان أول مدرسة داخلية نخبوية مخصصة لبنات النبلاء بالوراثة، واستقبل الفتيات في سن السادسة، لتستمر دراستهن فيه 12 عاما.

تمثل الهدف في إعادة فتاة متعلمة ومهذبة إلى المجتمع، بحيث تنقل معايير جديدة للسلوك إلى الأسرة، وتسهم من خلالها في تهذيب العادات الاجتماعية.

وفي مرحلة لاحقة، بدأت كاترينا الثانية العمل على إنشاء نظام تعليمي على مستوى البلاد. فقد وضع مرسوم صدر عام 1781 أساسا لإنشاء المدارس في المدن، ثم ألزم "ميثاق المدارس العامة" الصادر عام 1786 بفتح مدارس عامة رئيسية في عواصم المقاطعات، ومدارس عامة أصغر في مراكز الأقضية.

وكانت هذه المدارس مفتوحة أمام أطفال مختلف الطبقات الاجتماعية، باستثناء الأقنان.

لينين.. إعادة بناء الإنسان والأسرة

مع الثورة البلشفية، اتسع نطاق التغيير ليشمل مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، بما فيها الأسرة والدين والتعليم. وكان الهدف إعادة تنظيم المجتمع وفق القواعد الجديدة التي أرادت السلطة السوفيتية ترسيخها.

ابتداء من ديسمبر 1917، فقد الزواج الكنسي صلاحيته القانونية، وأصبح الزواج المدني إلزاميا، كما خففت القيود المفروضة على الزواج. وبذلك، انتقلت سلطة تنظيم الأسرة من الكنيسة إلى الدولة، في إطار السعي إلى إعادة تشكيل هذه الوحدة الأساسية للمجتمع.

وفي الوقت نفسه، جُردت الكنيسة من وضعها القانوني، وأُبعد التعليم المدرسي عن التأثير الديني.

وفي أكتوبر 1918، أصدر مجلس مفوضي الشعب مرسوم "مدرسة العمل الموحدة"، الذي حدد هدفا يتمثل في تنشئة إنسان جديد، متكامل الشخصية، ومحب للعمل، ومستعد للمشاركة في بناء الاشتراكية.

وجعل النظام الجديد العمل المنتج أساسا للحياة المدرسية، فيما تصور المدرسة بوصفها "كومونة مدرسية" ترتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمع المحيط بها.

وهكذا، لم تعد المدرسة في هذا التصور مجرد مؤسسة لنقل المعارف، بل أصبحت جزءا من مشروع اجتماعي يستهدف إعداد الفرد للحياة في النظام الاشتراكي الجديد.

غورباتشوف.. المواطن بين حرية التعبير وانهيار المنظومة القديمة

على خلاف أسلافه، سعى ميخائيل غورباتشوف إلى تغيير المواطن السوفيتي من خلال إيقاظ شعوره بالاستقلال وتعزيز قدرته على التفكير النقدي.

وفي عام 1985، طرح شعار "علينا جميعا أن نعيد البناء"، لتصبح سياسة "الغلاسنوست"، أي الانفتاح والشفافية، الأداة الأساسية لهذا التوجه. وللمرة الأولى، أتيحت في البلاد مساحة أوسع لحرية التعبير، وأصبح بإمكان الناس إبداء آرائهم علنا.

وفي الوقت نفسه، أُفرج عن سجناء سياسيين ومعارضين، وأُعلن عن حرية الدين، وتوقف اضطهاد الكنيسة. كما شكلت الاحتفالات بالذكرى الألفية لمعمودية روسيا القديمة عام 1988 إشارة رمزية إلى التقارب مع المؤمنين.

لكن التغيير الأكثر جذرية كان سياسيا. ففي عام 1988، أُدخل نظام الانتخابات البديلة للهيئة التشريعية، وفي مارس 1989، جرت أول انتخابات تنافسية لمجلس نواب الشعب في الاتحاد السوفيتي.

وجد المواطن السوفيتي نفسه، نتيجة لذلك، أمام ظروف جديدة تماما: انهارت المثل القديمة، وأعيد تقييم المعايير الاجتماعية، ولم تعد البلاد موجودة ضمن حدودها السابقة.

لم يكن مشروع غورباتشوف، وفق هذا المسار، مجرد محاولة لتعديل آليات الحكم، بل فتح المجال أمام تحولات تجاوزت ما كان قائما من تصورات عن المجتمع والسلطة والهوية.

المصدر: Gateway to Russia

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا