مباشر

لماذا عارض قدامى محاربي عام 1812 رواية تولستوي "الحرب والسلام"؟

تابعوا RT على
تعد "الحرب والسلام" من أشهر الروايات في الأدب الروسي، لكن استقبالها لم يكن إيجابيا لدى الجميع.

فقد رأى بعض قدامى المحاربين في حرب عام 1812 وأقاربهم أنها لا تمثل تجربتهم، بل تشوّه صورة الحرب التي خاضوها دفاعا عن روسيا. وكان وراء اعتراضهم خلاف عميق حول معنى الحرب ودور القادة في صنع التاريخ.

رواية كُتبت بعد الحرب بنصف قرن

بدأ نشر الأجزاء الأولى من "الحرب والسلام" عام 1865 في مجلة "الرسول الروسي"، بعد أكثر من خمسين عاما على انتهاء حرب 1812. وكان تولستوي قد أمضى ست سنوات في كتابة الرواية، درس خلالها الأرشيفات والرسائل والمذكرات، وزار ساحة معركة بورودينو. لكن منتقديه رأوا أنه انتقى المصادر التي تنسجم مع تصوره الخاص للحرب، فقدم لهم حربا مختلفة عن تلك التي عرفوها.

وكان اعتراضهم الأول أن تولستوي لم يعش تلك الأحداث؛ فقد وُلد عام 1828، أي بعد الحرب بست عشرة سنة. صحيح أنه شارك في حرب القرم ضابطا في المدفعية، لكنه خاض حربا مختلفة في ظروفها العسكرية والتقنية، ورأى المحاربون القدامى أنه أسقط تجاربه ومفاهيم عصره على زمن الحروب النابليونية.

معركة بورودينو: الفوضى بدلا من البطولة

أثار تصوير معركة بورودينو غضبا خاصا. فقد عرضها تولستوي بوصفها ساحة تعمها الفوضى، لا يحيط فيها أحد بمجمل ما يجري، ولا تتحدد نتيجتها بقرارات القادة وحدها، بل بحركة الجنود ومجموع أفعالهم.

أما المحاربون الذين استعادوا الأوامر والمناورات وتشكيلات الجيش في ذاكرتهم، فرأوا في هذا التصوير انتقاصا من تجربتهم ومن ذكرى الذين سقطوا في المعركة.

كوتوزوف الذي لم يقد المعركة؟

كان تصوير القائد ميخائيل كوتوزوف من أبرز نقاط الخلاف. فقد ظهر في الرواية مراقبا هادئا يكاد لا يتدخل في الأحداث، وينتظر أن تأخذ مجراها. وتضمنت الرواية مشاهد له وهو يغفو في مجلس الحرب أو يأكل دجاجة، وهي تفاصيل رأى فيها منتقدوه انتقاصا من قائد يعتبرونه منقذ روسيا.

ففي ذاكرتهم، كان كوتوزوف قائدا يتخذ القرارات الصعبة ويدير تحركات الجيش، من الانسحاب إلى الاستعداد للهجوم المضاد. واستشهد المؤرخ يفغيني تارله، في دراسته عن غزو نابليون لروسيا، بدوره الفاعل في قيادة الجيش، مؤكدا أن استراتيجيته أسهمت في تحقيق النصر.

لكن تولستوي قدّم كوتوزوف أيضا بوصفه رمزا لفكرته عن التاريخ: فمصير الحروب لا تصنعه إرادة قائد واحد، بل حصيلة عوامل وأفعال كثيرة تتجاوز قدرة الأفراد على التحكم فيها.

نابليون: خصم أقل من أسطورته

لم يمنح تولستوي نابليون الصورة البطولية التي ارتبطت به في ذاكرة كثير من معاصريه. فقد صوّره رجلا مغرورا محدود القدرة على فهم الأحداث التي يعتقد أنه يتحكم فيها.

وكان هذا التصوير مزعجا لبعض المحاربين الروس، الذين رأوا في نابليون خصما موهوبا وقويا، وكان الانتصار عليه مصدر فخر وطني. ومن وجهة نظرهم، فإن التقليل من شأن الخصم يقلل أيضا من قيمة الانتصار عليه.

وفي المقابل، كان القائد البروسي كارل فون كلاوزفيتز، الذي درس تولستوي أعماله عن حرب 1812، يعدّ نابليون قائدا استثنائيا. وهكذا لم يكن الخلاف حول صورة نابليون مجرد اختلاف في رسم شخصية تاريخية، بل تعلق أيضا بمعنى النصر الروسي ومكانته.

رواية مناهضة للحرب في مواجهة الذاكرة الوطنية

كتب تولستوي "الحرب والسلام" بعد حرب القرم وفي مرحلة إصلاحات الإسكندر الثاني. ولم يكن هدفه تمجيد الحرب، بل الكشف عن أهوالها: الدم والخوف والمعاناة والموت.

أما قدامى المحاربين، فرأوا في حرب 1812 معركة دفاع عن الوطن، أثبتوا فيها شجاعتهم واستحقوا بها المجد. لذلك بدا لهم تصوير تولستوي وكأنه ينزع عن تجربتهم معناها البطولي، ويردّ النصر إلى تضافر الظروف بدلا من إرادة القادة وبسالة الجنود.

وكان هذا الخلاف جزءا من نقاش أوسع في روسيا خلال ستينيات القرن التاسع عشر حول كيفية كتابة التاريخ الوطني: هل ينبغي تقديمه بوصفه سجلا للبطولات والانتصارات، أم النظر إليه من زاوية نقدية تشكك في دور الأبطال والقادة؟

اعتراضات من داخل جيل الحرب

تذكر روايات عن استقبال الكتاب أن بعض المعاصرين اعترضوا على تصوير تولستوي للحرب. فقد انتقد الشاعر بيوتر فيازيمسكي، الذي شارك في معركة بورودينو، معالجة الرواية لشخصية كوتوزوف، ورأى فيها تشويها لذكرى الحرب. كما اعترض فيودور غلينكا، أحد المشاركين في أحداث عام 1812، على ما اعتبره إساءة إلى مشاعر الذين عاشوا تلك المرحلة.

وحتى بعض الذين أقروا بالقيمة الأدبية للرواية شددوا على أنها عمل فني وليست مرجعا تاريخيا يمكن التعامل مع كل تفاصيله بوصفها وقائع ثابتة.

وقد واصل المؤرخون مناقشة التفاصيل التاريخية في الرواية، بما فيها توقيت أحداث معركة بورودينو ومواقع القوات وتسلسل الوقائع. لكن الخلاف الأعمق لم يكن متعلقا بالدقة وحدها، بل بفلسفة تولستوي في تفسير التاريخ.

حقيقتان عن الحرب

رفض تولستوي فكرة أن الأفراد العظماء وحدهم يصنعون التاريخ؛ ففي رؤيته، لم يكن نابليون أو الإسكندر الأول أو كوتوزوف أو باغراتيون قادرا على التحكم منفردا في مسار الأحداث. أما المحاربون القدامى، فكانوا يرون أنفسهم شهودا وصنّاعا لتاريخ صنعوه بأفعالهم وتضحياتهم.

وهكذا أصبحت "الحرب والسلام" رواية عظيمة، لكنها لم تعكس بالضرورة نظرة الذين خاضوا حرب 1812 إلى تجربتهم. فقد نظر تولستوي إلى الحرب من مسافة زمنية، باحثا عن حقيقة تتجاوز البطولة العسكرية، بينما استعادها المحاربون من موقع الذين رأوا فيها دفاعا عن الوطن وتضحية من أجله.

لم يكن الخلاف، إذن، مجرد نفور من رواية أو اعتراض على تصوير قائد، بل صراعا بين رؤيتين للحرب: رؤية أدبية تشكك في البطولة وتسلط الضوء على عبث العنف، وذاكرة وطنية ترى في التضحية والقتال مصدرا للمجد والمعنى.

المصدر: روسكايا سيموركا

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا