الموقد.. قلب البيت الروسي
لفهم مكانة الموقد في الحكايات الشعبية الروسية، لا بد من العودة إلى الحياة اليومية للفلاحين، حيث كان يحتل حيزا كبيرا من الكوخ، ويتمتع بأهمية تتجاوز وظيفته المنزلية. فقد وفر الدفء والطعام ومكانا للنوم، وكان الموقد المبني والمستخدم بطريقة صحيحة قادرا على الاحتفاظ بحرارته لأكثر من يوم.
وفيه يُخبر الخبز والفطائر، ويُطهى حساء الملفوف والعصيدة. كما ارتبطت به ممارسات شعبية تتعلق بالصحة والرعاية؛ إذ كان يُستخدم في بعض الطقوس لعلاج الرضع الضعفاء والمرضى، فيما كان الأطفال الأكبر سنا يُغسلون ويُعرّضون للبخار، ويجد المسنون عليه الدفء والراحة من متاعب الشيخوخة. كذلك ارتبط الموقد بمعتقدات منزلية، من بينها الاعتقاد بوجود روح حارسة للبيت تُعرف باسم"دوموفوي".
موقد يساعد الأبطال ويحميهم من الخطر
انعكست هذه المكانة في الحكايات الشعبية الروسية، التي ظهر فيها الموقد أحيانا كأنه كائن حكيم وطيب، يساعد بطل الحكاية ويوفر له الطعام والمأوى، بل يقدم له النصائح ويحميه من مطارديه.
ومن أشهر الأمثلة حكاية "الإوزات والبجع"، حيث تلجأ فتاة إلى الموقد في أثناء محاولتها إنقاذ أخيها. ويعرض عليها الموقد فطيرة من دقيق الجودار، ويتيح لها الاختباء داخله بعيدا عن الطيور الخطرة التي تطاردها.
وهكذا، لا يظهر الموقد مجرد عنصر من عناصر المنزل، بل يتحول إلى طرف فاعل في الحكاية، يمتلك القدرة على حماية الشخصيات ومساعدتها في تجاوز المحن.
بابا ياغا والاختبار بالنار
في حكايات أخرى، يتحول الموقد إلى مكان للخطر والاختبار. فالشخصية الأسطورية "بابا ياغا" تحاول في بعض الروايات وضع البطل داخل فرن الموقد لشوائه.
وترتبط هذه الصورة بطقس شعبي قديم يُعرف باسم "إعادة الخَبز" (بيريكاشيفانيه)، كان يُمارس، وفقا للمعتقدات الشعبية، بهدف معالجة الرضيع الضعيف أو المريض. وفي هذا الطقس، كان الطفل يوضع على مجرفة الخبز ويُقرّب من حرارة الفرن، في محاكاة رمزية لولادة ثانية يُفترض أن تمنحه الصحة والقوة.
وفي الحكايات، يتحول هذا التصور إلى اختبار قاس بالنار، يتعين على البطل اجتيازه كي ينجو ويخرج أقوى مما كان عليه.
إيمليا وإيليا موروميتس.. من الكسل إلى القوة
يظهر الموقد أيضا في قصص الأبطال الذين يمضون فترات طويلة مستلقين عليه، قبل أن تتكشف قدراتهم الاستثنائية. ومن هؤلاء إيفانوشكا وإيمليا، اللذان يبدوان في البداية شخصيتين خاملتين أو بعيدتين عن العمل المعتاد، لكن مسار الحكاية يقودهما إلى أدوار غير متوقعة.
في حكاية "بأمر من الكراكي"، يصبح الموقد وسيلة نقل سحرية تحمل إيمليا مباشرة إلى القصر الملكي. ويتحول هذا العنصر المنزلي، الذي ارتبط بالراحة والجمود، إلى أداة تمكّنه من الانتقال إلى عالم السلطة والأحداث الكبرى.
أما البطل إيليا موروميتس، فتروي سيرته الشعبية أنه ظل عاجزا عن الحركة مدة 33 عاما، جالسا على الموقد أو بالقرب منه، قبل أن يستعيد قدرته ويكتسب قوة استثنائية.
في هذه القصص، لا يعني البقاء على الموقد بالضرورة الضعف الدائم؛ فقد يكون مرحلة تسبق التحول، أو علامة على شخصية تختلف عن الآخرين، قبل أن تكشف الأحداث عن قدراتها الكامنة.
من الحياة اليومية إلى عالم الأساطير
تكشف صورة الموقد في الحكايات الشعبية الروسية عن تعدد دلالاته؛ فهو مصدر للدفء والطعام، وملاذ يحمي الأبطال، ومكان للاختبار والتحول، ووسيلة خارقة تتجاوز حدود الواقع المألوف.
وبذلك، يجمع الموقد بين تفاصيل الحياة اليومية والعالم الأسطوري، ويتجاوز وظيفته المنزلية ليصبح رمزا للحماية والتجدد والانتقال من حال إلى أخرى.
المصدر: gateway to Russia