"العامل وامرأة الكولخوز".. خمسة أسرار وراء أشهر منحوتات موسكو
يجسّد تمثال "العامل وامرأة الكولخوز" أحد أشهر رموز الحقبة السوفيتية، ويحمل وراء تصميمه وتنفيذه ورحلته إلى باريس قصصا تتجاوز مظهره الضخم.
يرتفع التمثال اليوم فوق جناح خاص في مركز "معارض عموم روسيا – في دي إن خا" في موسكو، لكن قصة المنحوتة بدأت قبل نحو تسعة عقود، حين أُعدّت لتتوج الجناح السوفيتي في المعرض العالمي بباريس عام 1937.
1. صممته نحاتة لم تنحدر من الطبقة العاملة
صنعت النحاتة فيرا موخينا التمثال الذي أصبح لاحقا أحد أبرز رموز الفن السوفيتي في القرن العشرين. وُلدت موخينا في ريغا عام 1889 لعائلة تجارية، واهتمت في شبابها بالانطباعية واتجاهات الفن الطليعي، قبل أن تدرس النحت في باريس، ومن بين أساتذتها النحات الفرنسي إميل أنطوان بورديل.
بعد الثورة البلشفية عام 1917، عملت موخينا في عدد من المشاريع الفنية المرتبطة بالدولة السوفيتية، فصممت نماذج لملابس نسائية عملية، وأنجزت أعمالا لشخصيات ثورية وثقافية، قبل أن تصبح من أبرز ممثلي الواقعية الاشتراكية في النحت.
أما فكرة التكوين المعماري الأساسي فارتبطت بالمهندس المعماري بوريس يوفان، الذي صمم الجناح السوفيتي، بينما قدمت موخينا الحل النحتي الذي توّج المبنى.
2. ظهر للمرة الأولى في باريس عام 1937
ظهرت منحوتة "العامل وامرأة الكولخوز" للمرة الأولى أمام الجمهور في المعرض العالمي بباريس عام 1937، حيث توّج الجناح السوفيتي بارتفاعه الهائل وحركته المتجهة إلى الأمام.
بلغ ارتفاع المجموعة النحتية نحو 24.5 متر، وصُممت لتبدو وكأن شخصيتي العامل وامرأة الكولخوز تندفعان إلى الأمام، فيما ترفعان المطرقة والمنجل فوق رأسيهما.
وزاد الوشاح الطويل المتطاير خلف الشخصيتين من الإحساس بالحركة والخفة، رغم الحجم الهائل للمنحوتة. وقد استقرت المجموعة فوق جناح سوفيتي بلغ ارتفاعه أكثر من 30 مترا، ما جعلها مرئية من مسافات بعيدة داخل أرض المعرض.
وكان الجناح السوفيتي يقع مقابل الجناح الألماني، الذي تصدره نسر ضخم. وترى مصادر عن تاريخ المعرض أن وضع التمثال في مواجهة الجناح الألماني اكتسب أيضا دلالة سياسية ورمزية في أجواء المنافسة بين البلدين.
وحظي العمل باهتمام كبير خلال المعرض، فيما وصفته بعض الكتابات الصحفية والفنية لاحقا بأنه من أبرز الأعمال النحتية في القرن العشرين، كما أُعجب به عدد من الفنانين، ومن بينهم بابلو بيكاسو الذي أُعجب "بطريقة ظهورها أمام سماء باريس البنفسجية".
3. صُنع من فولاذ غير تقليدي في عالم النحت
لم تُصنع المنحوتة من البرونز أو الحجر كما في كثير من الأعمال النحتية الضخمة، بل من فولاذ مقاوم للصدأ من نوع الكروم والنيكل.
وشُكّلت المجموعة فوق هيكل معدني، ثم غُطي هذا الهيكل بصفائح فولاذية رقيقة جرى وصلها باستخدام تقنيات اللحام، وهي طريقة ارتبطت في ذلك الوقت بتقنيات صناعة الطائرات. وكان اختيار المادة مرتبطا أيضا بقدرتها العالية على عكس الضوء، وهو ما منح التمثال سطحه الفضي اللامع ومظهره المتحرك تحت أشعة الشمس.
وكان الوشاح المتطاير أحد أصعب عناصر التصميم، إذ كان مطلوبا أن يبدو خفيفا ومندفعا في الهواء، رغم حجمه الكبير، لذلك احتاج إلى هيكل داخلي خاص.
ولنقل التمثال إلى باريس، قُسم إلى 65 قطعة، ونُقلت أجزاؤه بالقطار في 28 عربة وفق المصادر التي توثق عملية النقل. كما أُرسلت إلى باريس فرق من المهندسين والعمال للمشاركة في إعادة تركيب المجموعة.
4. استلهمت موخينا التكوين من الفن اليوناني القديم
لم تولد هيئة "العامل وامرأة الكولخوز" من فراغ، فقد استند تصميمها إلى نماذج فنية أقدم.
ومن أبرز مصادر الإلهام مجموعة "قتلة الطغاة" الإغريقية القديمة، التي تصور هارموديوس وأريستوجيتون في حركة اندفاعية إلى الأمام. كما استلهمت موخينا من "نيكي ساموثراكي" الديناميكية التي تظهر في وضعية المرأة وحركتها.
ولم تعتمد النحاتة على خيالها وحده في رسم الشخصيات، بل استعانت بأشخاص حقيقيين كنماذج. فبالنسبة إلى شخصية العامل، استُخدم راقص الباليه إيغور باسينكو نموذجا للجسد، بينما استُلهم الوجه من عامل بناء في مترو موسكو شاهدته موخينا خلال أحد الاستعراضات الرياضية، في حين تشير مصادر أخرى إلى أنها استلهمت وجه العامل من الممثل السوفيتي سيرغي ستولياروف.
أما شخصية امرأة الكولخوز، فكانت نموذجها فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، وُصفت بأنها رياضية وعضوة في منظمة "كومسومول" الشبابية. وتذكر مصادر روسية اسمها آنا بوغويافلينسكايا.
5. عاد التمثال إلى موسكو بقاعدة أصغر مما كان مخططا له
بعد انتهاء معرض باريس، عاد التمثال إلى الاتحاد السوفيتي، وفي عام 1939 نُصب أمام المدخل الرئيسي للمعرض الزراعي لعموم الاتحاد، الذي أصبح لاحقا مركز معارض عموم روسيا
لكن المنحوتة لم تستعد في موسكو المكانة المعمارية نفسها التي كانت لها في باريس. فقد وُضعت على قاعدة منخفضة، وهو ما أثّر في الطريقة التي تظهر بها المجموعة من الأسفل إلى الأعلى، ولم ينسجم مع التصور الأصلي لتكوينها.
وبقي التمثال على هذه القاعدة لعقود، إلى أن خضع بين عامي 2003 و2009 لعملية ترميم واسعة. وبعد انتهاء الترميم، أُقيم على جناح جديد صُمم بما يحاكي في خطوطه الأساسية الجناح السوفيتي الذي صممه يوفان لمعرض باريس.
وفي عام 2009 عاد "العامل وامرأة الكولخوز" إلى مكانه فوق المبنى الجديد، ليصبح ارتفاع المجموعة مع جناحها وقاعدتها قريبا من التكوين الأصلي الذي ظهرت به في باريس. ويبلغ ارتفاع المنحوتة نفسها اليوم نحو 24.5 مترا، فيما يصل ارتفاع الجناح-القاعدة إلى نحو 34.5 مترا.
وهكذا، لم يعد "العامل وامرأة الكولخوز" مجرد منحوتة مرتبطة بتاريخ الاتحاد السوفيتي، بل أصبح عملا فنيا ارتبط بصورة موسكو نفسها، وظل حاضرا في الثقافة الروسية أيضا بوصفه شعارا لاستوديو "موس فيلم" منذ أواخر أربعينيات القرن العشرين.
المصدر: Gateway to Russia
إقرأ المزيد
عودة تماثيل "أبو الهول" التاريخية إلى الجسر المصري في بطرسبورغ بعد ترميم شامل
عادت تماثيل أبو الهول الأربعة المصنوعة من الحديد الزهر إلى مواقعها التاريخية على الجسر المصري فوق قناة فونتانكا في بطرسبورغ.
كيف انتهى المطاف ببوابة مصرية في ضاحية من ضواحي بطرسبورغ؟
تستقبل بوابة مصرية زوار مدينة بوشكين، حيث يقع مجمع «تسارسكوي سيلو» الإمبراطوري السابق، فما قصتها ولماذا شُيدت بهذا الطراز؟
من عربات الخيول إلى الطائرات المسيّرة.. متحف جديد يروي تاريخ النقل في موسكو
افتتح متحف موسكو للنقل مبنى مُجددا يتيح للزوار استكشاف تاريخ المواصلات في المدينة وتطور الترام والحافلات والمترو في فضاء واحد متكامل.
لماذا تُعرف قلعة شليسلبورغ باسم "باستيل روسيا"؟
اشتهرت قلعة شليسلبورغ بلقب "باستيل روسيا" بعدما تحولت من حصن استراتيجي على نهر نيفا إلى سجن سياسي احتُجز فيه قيصر معزول عن العرش ونبلاء وثوار، وأُعدم فيها شقيق لينين الأكبر.
موسكو تحتفي بالنحاتة السوفيتية فيرا موخينا مبدعة "العامل وامرأة الكولخوز" (صور)
افتتح المتحف الروسي للفنون الزخرفية معرضا استثنائيا بعنوان "فيرا موخينا: حوارات، جوانب"، يقدم نظرة معاصرة ومبتكرة للنحاتة صاحبة النصب التذكاري الشهير "العامل وامرأة الكولخوز".
التعليقات