مباشر

ديميتروف.. حصن عريق ومرآة مصغّرة للتاريخ الروسي (صور)

تابعوا RT على
تُعدّ مدينة ديميتروف الصغيرة، التي تبعد65 كيلومترا شمال موسكو، واحدة من أبرز مدن منطقة موسكو التي احتفظت بملامحها التاريخية العائدة إلى العصور الوسطى.

البدايات والنشأة

تكشف الحفريات الأثرية بالقرب من القلعة عن وجود استيطان بشري يعود إلى عصور ما قبل التاريخ. أما التحصينات الترابية الضخمة، التي لا تزال قائمة حتى اليوم، فترجع إلى القرن الثاني عشر، وكانت تدعم في الأصل حصنا خشبيا محاطا بأبراج وبوابات رئيسية.

تأسست المدينة رسميا عام 1154 على يد الأمير يوري دولغوروكي، الذي يُنسب إليه أيضا تأسيس موسكو. وقد أطلق عليها اسم "ديميتروف " احتفاء بميلاد ابنه فسيفولود، الذي عُمّد باسم ديمتري تيمّنا بالقديس ديمتريوس سالونيك.

بفضل موقعها على نهر ياخروما، تمكّنت ديميتروف من الارتباط بشبكة مائية واسعة تصل إلى نهر الفولغا، ما منحها أهمية استراتيجية وتجارية، فضلا عن كونها محطة على طرق برية تؤدي إلى الغابات الشمالية وإمارة فلاديمير.

قرون من الاضطرابات

على مدى القرنين التاليين لتأسيسها، كابدت المدينة تقلبات سياسية حادة وصراعات مريرة بين الإمارات الروسية. ورغم أنها نجت من الغزو المغولي في شتاء 1237-1238، إلا أنها استُبيحت مجددا عام 1294 على يد القائد المغولي "تودان" في خضم النزاعات بين الأمراء الروس. وفي أواخر القرن الثالث عشر، برزت ديميتروف كمركز لإمارة مستقلة لفترة وجيزة، قبل أن تُضم نهائيا إلى نفوذ موسكو عام 1364. ولم تتوقف سلسلة الدمار عند هذا الحد، إذ اجتاحها الخان "توختاميش" عام 1382، ثم واجهت غزوا آخر بقيادة "إديغو" عام 1408، وذلك في سياق التفكك الذي أصاب "القبيلة الذهبية".

ازدهار تجاري وعمراني

بلغت ديميتروف أوج ازدهارها خلال القرن السادس عشر، ولاسيما في عهد الأمير يوري إيفانوفيتش، ابن القيصر إيفان الثالث؛ إذ تحولت المدينة في تلك الحقبة إلى مركز تجاري محوري يربط المناطق الشمالية بالجنوب وصولا إلى بحر قزوين، وشهدت حركة دؤوبة للتجار الذين تبادلوا سلعا استراتيجية كالحبوب والفراء والملح.

 ولم يتوقف هذا الرخاء عند الجانب الاقتصادي، بل رافقته نهضة عمرانية كبرى كان من أبرز معالمها تشييد "كاتدرائية رقاد السيدة العذراء" عام 1509، وهي صرح معماري مهيب بجدران بيضاء وقباب خمس، يمثل نموذجا فريدا للعمارة الكنسية الروسية المتأثرة بنمط كاتدرائيات الكرملين. كما أُنشئت في الفترة ذاتها كاتدرائية "دير القديسين بوريس وغليب"، التي تميزت بالحفاظ على سقفها المقوس الأصلي، لتصبح لاحقا قطبا دينيا مهما استعاد حيويته مع إعادة إحيائه في تسعينيات القرن العشرين.

عهد إيفان الرهيب والتحولات الصعبة

انتهت عصور الرخاء في المدينة بشكل مفاجئ خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر، جراء الاضطرابات السياسية التي طبعت عهد القيصر إيفان الرهيب. ففي عام 1569، أُجبر الأمير فلاديمير ستاريتسكي على وضع حد لحياته انتحارا إثر اتهامه بالتآمر، وهو الحدث الذي أفضى إلى إلحاق ديميتروف بنظام "الأوبريتشنينا" السلطوي التابع للقيصر مباشرة. وقد تزامنت هذه التحولات السياسية مع تراجع حاد في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بلغت ذروتها عقب وفاة القيصر عام 1584، لتدخل المدينة بعد ذلك في أتون الحقبة المضطربة التي عُرفت تاريخيا بـ "زمن المحن".

الحقبة السوفيتية ومشروع القناة

رغم التحولات العميقة التي حملها القرن العشرين، نجحت ديميتروف في الحفاظ على ملامح من ماضيها عبر منازلها الخشبية القديمة، ومن أبرزها المنزل الذي ارتبط باسم المفكر والمنظر الشهير "بيوتر كروبوتكين". وفي ثلاثينيات القرن الماضي، أصبحت المدينة جزءا من مشروع هندسي ضخم لربط نهري الفولغا وموسكو عبر قناة مائية، وهو المشروع الذي نُفذ بسواعد عمال معسكرات "الغولاغ" وتحت إشراف "غينريخ ياغودا"، ليظل هذا الإنجاز العمراني شاهدا على أحد أكثر الفصول مأساوية وقسوة في تاريخ المدينة الحديث.

الحرب العالمية الثانية وما بعدها

خلال معركة موسكو التاريخية عام 1941، حاولت القوات الألمانية اختراق الدفاعات عبر منطقة القناة، إلا أن الجيش السوفيتي تمكن من صد الهجوم بضراوة، ونجح في تحرير المنطقة بحلول شهر ديسمبر من العام نفسه، ما شكل نقطة تحول استراتيجية ومهمة على الجبهة الشرقية.

ديميتروف اليوم

تُصنف ديميتروف اليوم كمدينة إقليمية مفعمة بالنشاط، مستفيدة من موقعها الحيوي بالقرب من العاصمة موسكو، وبعدد سكان يناهز 64 ألف نسمة. وقد استطاعت المدينة الموازنة بين الحداثة وبين إرثها العريق، حيث لا تزال معالمها التاريخية –وعلى رأسها القلعة وكاتدرائية رقاد السيدة العذراء– قائمة كشواهد حية تروي مسارا طويلا ومعقدا من فصول التاريخ الروسي.

المصدر: Gateway to Russia

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا