مباشر

الروايات المتسلسلة.. كيف سبق الأدب الروسي عصر المسلسلات

تابعوا RT على
قبل ظهور التلفزيون بوقت طويل، عرف القرّاء الروس متعة انتظار "الحلقة التالية"، لكن ليس على الشاشة، بل في صفحات المجلات الأدبية.

في القرن التاسع عشر، ازدهر تقليد نشر الروايات على شكل أجزاء متسلسلة، ما جعل الأدب تجربة جماهيرية حيّة تشبه إلى حد كبير متابعة المسلسلات الحديثة.

اعتمد الكتّاب الروس آنذاك على نشر أعمالهم أولا في المجلات الدورية، حيث كانت الرواية تصدر فصلا بعد فصل، وأحيانا على مدى سنوات. هذا الأسلوب لم يكن مجرد خيار فني، بل نظاما متكاملا يخدم الأطراف جميعها: فالمجلات تجذب مزيدا من القرّاء والمشتركين، والكتّاب يحصلون على دخل مستمر أثناء الكتابة، بينما يعيش الجمهور حالة ترقّب مستمرة لمعرفة تطورات القصة. وهكذا، كان القرّاء ينتظرون بفارغ الصبر الفصل الجديد من "الحرب والسلام" تماما كما ينتظر المشاهدون اليوم موسما جديدا من مسلسل شهير.

من أبرز الأمثلة على هذا النمط رواية "يفغيني أونغين" لألكسندر بوشكين، التي نُشرت على مدار سبع سنوات بين 1825 و1832. اختار بوشكين طرح كل فصل بشكل منفصل مقابل سعر مرتفع نسبيا، ومع ذلك حققت الرواية نجاحا كبيرا. وقد درّت هذه الطريقة أرباحا ضخمة على الشاعر بمقاييس ذلك الزمن.

أما رواية "أوبلوموف" لإيفان غونشاروف، فقد استغرقت نحو عقد كامل لتظهر إلى النور. بدأ الكاتب بنشر فصل محوري بعنوان "حلم أوبلوموف" في مجلة أدبية، قبل أن يتوقف لفترة طويلة بسبب رحلاته، ومنها رحلته الشهيرة حول العالم على متن سفينة "بالادا". وعندما عاد إلى العمل، كتب أجزاء كبيرة دفعة واحدة، لتنشر الرواية لاحقا في عدة أعداد عام 1859.

 وقد أثارت الرواية ضجة واسعة، حتى أن النقاد صاغوا مصطلح "الأوبلوموفية" لوصف حالة الكسل والتردد التي يجسدها بطلها.

في المقابل، كان فيودور دوستويفسكي مثالا للكاتب الذي اضطرته ظروفه المالية إلى الالتزام الصارم بالنشر المتسلسل. فقد كان يحصل أحيانا على دفعات مسبقة مقابل أعمال لم يكتبها بعد. نُشرت روايته "الأبله" عام 1868 بشكل متقطع في مجلة "روسكي فيستنيك"، حيث كان يتقاضى أجرا عن كل صفحة. إلا أن عملية النشر لم تخلُ من التأخيرات، إذ كان يكتب الرواية أثناء إقامته في أوروبا، ما صعّب تسليم الفصول في مواعيدها. ومع ذلك، حقق العمل نجاحا كبيرا وأعيد نشره لاحقا في كتاب مستقل.

ولا يمكن الحديث عن هذا التقليد دون ذكر ليف تولستوي، الذي نشر رواية "آنا كارنينا" على أجزاء بين عامي 1875 و1877. ورغم خلافه مع الناشر حول الجزء الأخير، فإن الرواية حققت انتشارا واسعا، وحصل تولستوي على مقابل مالي كبير يؤكد أهمية هذا النمط من النشر في تلك الفترة.

في المحصلة، لم تكن الروايات المتسلسلة مجرد وسيلة نشر، بل شكلا مبكرا من "الدراما الطويلة" التي يعيشها الجمهور على مراحل. لقد ابتكر الكتّاب الروس تجربة سردية تفاعلية جعلت القارئ شريكا في انتظار الأحداث وتخيلها، وهو ما يماثل اليوم علاقة المشاهد بالمسلسلات التلفزيونية. بهذا المعنى، يمكن القول إن الأدب الروسي مهّد الطريق لثقافة "الحلقات قبل أن تولد الشاشة بوقت طويل.

المصدر: gateway to Russia

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا