تخيل أنك تتجول بين أرصفة محطة "فيتيبسكي"، ثم تجد نفسك فجأة في بلدة إيطالية هادئة، أو تقف أمام مبنى "الرايخستاغ" في برلين، وصولا إلى أزقة العصور الوسطى؛ هذا التنوع المذهل ليس سحرا، بل هو واقع "منتزه موسكينو السينمائي" في موسكو الجديدة، الوجهة التي باتت تحقق أبعد خيالات المخرجين وكتاب السيناريو.
لقد خصصت العاصمة مئات الهكتارات لإنشاء مواقع تصوير بالحجم الطبيعي، حيث يعمل حاليا 36 موقعا مفتوحا، وفي هذا الصدد أكد العمدة سيرغي سوبيانين طموح المدينة لترسيخ مكانتها كمركز عالمي رائد لإنتاج الأفلام، علما أن "مجمع موسكو السينمائي" لا يقتصر على المنتزه فحسب، بل يضم استوديو "غوركي" الأسطوري ومصنع "موسكينو" وسلسلة دور السينما التابعة له.
أما الميزة الكبرى للمنتجين، فهي المرونة المطلقة؛ إذ توفر لجنة أفلام موسكو ومنصة "موسكينو" تصاريح فورية للتصوير في أي مكان، من أسوار الكرملين إلى شارع "تسفيتنوي"، وقد أثمرت هذه التسهيلات عن تصوير 870 مشروعا العام الماضي بزيادة قدرها 38%، شملت أفلاما عائلية وكليبات موسيقية.
ومع مطلع عام 2026، حصدت السينما الروسية ثمار هذا التطور بعرض فيلمي "بوراتينو" و"بروستوكفاشينو"، حيث حقق "بوراتينو" وحده ملياري روبل في أسبوعين بفضل براعة التصوير في المدينة الإيطالية التي شُيدت بكل تفاصيلها من القرن التاسع عشر.
وفي كواليس "موسكينو" الآن، تتحول المواقع الخيالية السابقة إلى "مدن أوروبية إقليمية" جاهزة لاستقبال قصص جديدة، حيث تُبنى هذه الديكورات بدقة فائقة تمكنها من الصمود لأكثر من نصف قرن، ولا تندثر بانتهاء التصوير بل تظل قائمة كأصول فنية مستدامة. ومن أحدث الإضافات التي أبصرت النور، ميناء متكامل وأحواض بناء سفن من عهد "بطرس الأكبر" صُممت لفيلم "خولوب 3"، حيث أكد المنتج فازجين خاتشاتريان أن المنتزه كان الحل المثالي والموفر بدلا من البحث المضني عن مواقع حقيقية.
كما استعاد مسلسل "الأمير أندريه" مجد القرن الثاني عشر ببناء مقر إقامته في "بوغوليوبوفو" داخل المجمع، وهو ما وصفه المخرج ديفيد تكيبوشافا بـ "طوق النجاة" الذي يتفوق بمراحل على استوديوهات "يونيفرسال" العالمية.
بالتوازي مع ذلك، يشهد استوديو "غوركي" للأفلام عملية إحياء شاملة بدعم حكومي، حيث تتحول المواقع المهجورة إلى مرافق إنتاج عصرية ستضاعف مساحة استوديوهات الصوت أكثر من عشر مرات لتصل إلى 106 آلاف متر مربع. وفي شارع "ريازانسكي بروسبكت"، يبرز استوديو "موسكينو" بتقنيات مذهلة عبر شاشات LED عملاقة تتجاوز 300 متر مربع، تحاكي الواقع بدقة تجعل من الصعب تمييزها عن المواقع الحقيقية، مما يقلل نفقات السفر والوقت.
وحول هذا التطور، يوضح المخرج أنطون ماسلوف أن البنية التحتية شهدت قفزة نوعية أتاحت تصوير مشاريع ضخمة مثل "الفارس الأخير"، مشيرا إلى أن الطلب المتزايد يتطلب حجز المواقع مسبقا بفترات طويلة، تماشيا مع رؤية سوبيانين بجعل مجمع "موسكينو" أحد أكبر المراكز السينمائية عالميا.
المصدر: روسيسكا غازيتا