سقطرى في قلب موسكو.. نصف قرن من دراسات روسية تكشف أسرار الجزيرة اليمنية
احتضنت موسكو أمسية في معهد الدراسات الشرقية احتفاء بنصف قرن من عمل البعثات الروسية في جزيرة سقطرى، مسلطة الضوء على أبرز الإنجازات البحثية وتطور المشاريع العلمية هناك.
في العاصمة الروسية موسكو، احتضن معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية أمسية علمية احتفالية يوم 18 مارس 2026، حملت عنوان "نصف قرن وأكثر من الدراسات السقطرية في روسيا"، وذلك في مركزه الثقافي الشرقي، بحضور نخبة من الباحثين والمتخصصين في شؤون الشرق والدراسات العربية.
وشهدت الفعالية حضور الأكاديمي فيتالي نعومكين إلى جانب عدد من العلماء، حيث استُعرض المسار الطويل للبحث العلمي الروسي في جزيرة سقطرى اليمنية، والذي شكّل منذ سبعينيات القرن الماضي محورًا لاهتمام العلماء السوفييت ثم الروس. وقد تنوّعت هذه الدراسات لتشمل مجالات متعددة، من بينها الإثنوغرافيا، والتاريخ الثقافي، والأنثروبولوجيا، واللغويات، والآثار.
وأسفرت هذه الجهود العلمية المتواصلة عن إنتاج ثريّ من الدراسات التي حازت اعترافًا دوليًا واسعًا، وتناولت جوانب مختلفة من الحياة في سقطرى، بدءًا من تاريخ السكان ولغتهم، وصولًا إلى أنماط عيشهم التقليدية، وبنيتهم القبلية، وثقافتهم الروحية. ومن أبرز إنجازات الفريق البحثي تطوير نظام كتابة خاص باللغة السقطرية قائم على الحروف العربية، وهو ما أتاح إصدار مجلدات "مدوّنة الأدب الشفهي السقطري"، مع ترقّب صدور الجزء الثالث خلال العام الجاري.
وفي السنوات الأخيرة، لم تقتصر جهود البعثة الروسية هناك على هذه المجالات، بل توسّعت لتشمل استئناف دراسة الآثار في الجزيرة، إلى جانب إطلاق مشاريع جديدة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والسياسية، ما يعكس تطور الاهتمام البحثي واتساع آفاقه.
كما تضمّنت الأمسية معرضًا فوتوغرافيًا وثّق مسيرة البعثات العلمية منذ انطلاقها عام 1974، وقدّم صورة بصرية غنية عن تاريخ العمل الميداني في الجزيرة. وشهدت المناسبة كذلك تقديم كتاب جماعي بعنوان "سقطرى والمهرة وظفار"، صدر عام 2025 بمناسبة بلوغ فيتالي نعومكين عامه الثمانين، وشارك فيه عدد من أبرز الباحثين الدوليين المتخصصين في لغات وثقافات جنوب الجزيرة العربية.
في مستهل الفعالية، عبّر مدير المعهد الحالي ألكبير ألكبيروف عن سعادته باستقبال نعومكين، مؤسس المشروع السقطري، مشيدًا بشغفه العميق وعلاقته الودودة بسقطرى وسكانها، كما بدا واضحًا في صور المعرض. وأكد ألكبيروف أن تحويل الأدب الشفهي السقطري إلى نصوص مكتوبة بالحروف العربية عام 2014 يُعد من أبرز الإنجازات العلمية في ذلك العام على مستوى العالم، مشيرًا في الوقت ذاته إلى الدور الذي يضطلع به المعهد في خدمة البحث العلمي. واختتم كلمته بالقول إن سقطرى ليست مجرد كنز أدبي وأثري ولغوي، بل تمثل أيضًا عالمًا خياليًا مدهشًا.
من جانبه، أعرب فيتالي نعومكين عن امتنانه للحضور ولكل المهتمين بسقطرى، التي وصفها بالمكان الذي كرّس له أكثر من نصف قرن من حياته البحثية. وأكد استمرار العمل العلمي في الجزيرة رغم التحديات، مشيرًا إلى وجود أجيال متعددة من الباحثين المؤهلين القادرين على تطوير المشروع والبناء على منجزاته. كما لفت إلى أن الاضطرابات الراهنة في الشرق الأوسط تجعل ظروف البحث غير مثالية، لكنه أعرب عن أمله في تحسّن الأوضاع واستمرار الاهتمام بالعالم العربي وثقافته وآثاره.
بدوره، شدّد دينيس فولكوف، مدير معهد الدراسات الشرقية والكلاسيكية في المدرسة العليا للاقتصاد، على أهمية توحيد الجهود البحثية بين مؤسسته ومعهد الاستشراق، موضحًا أن هذا التعاون أسفر عن نتائج ملموسة، من بينها تأسيس مركز دراسات جنوب الجزيرة العربية، الذي يُعد تجسيدًا عمليًا لتكامل الخبرات، ويركّز على مشروع توثيق اللغة والأدب الشفهي في سقطرى. وأشار إلى أن هذا التعاون أثمر، خلال أقل من ثلاث سنوات، نشر أكثر من عشر دراسات مشتركة في دوريات دولية مرموقة، إضافة إلى إقامة شراكات مع مؤسسات أكاديمية في الشرق الأوسط، من بينها مؤسسة في الإمارات العربية المتحدة، مع توقع إبرام اتفاقيات جديدة قريبًا، واستئناف العمل الميداني في سقطرى خلال الخريف المقبل وفق توجهات بحثية جديدة.
كما قدّم ليونيد كوهن، الأستاذ في معهد الشرق القديم والآثار الكلاسيكية، كتاب "سقطرى والمهرة وظفار"، مؤكدًا أهميته كمرجع رئيس للباحثين الشباب. وأوضح أنه رغم التحديات المرتبطة بالعقوبات المفروضة على روسيا، فقد شارك في إعداد الكتاب باحثون بارزون من فرنسا وبريطانيا ودول أخرى في المنطقة.
وفي السياق ذاته، عبّر ألكسندر سيدوف، المدير العام لـ متحف الدولة للفنون الشرقية، عن اعتزازه بالمشاركة في هذا المشروع، مستذكرًا انطباعه الأول عند وصوله إلى سقطرى برفقة نعومكين عام 1985، حين وصف الجزيرة بأنها "جنة".
من جهته، أعرب أنور محمد علي الظرافي، رئيس رابطة خريجي روسيا اليمنيين، عن امتنانه لهذه الأمسية التي تحتفي باليمن وبجزيرة سقطرى، مشيدًا بالجهود العلمية المبذولة للحفاظ على تراث الجزيرة وتوثيق تاريخها.
وتخللت الأمسية فقرة فنية، حيث قدّم الفنان السوري يعرب الحسنة عزفًا على العود مصحوبًا بأغانٍ تراثية عربية ويمنية، قبل أن تُختتم الفعالية بحفل عشاء تضمن أطباقًا من المطبخ اليمني التقليدي، من بينها "المندي"، وقهوة "القشر"، وحلوى "قبضة القاضي".
وفي ختام الأمسية، أدلى الباحث ليونيد كوهن بتصريحات لفريق RT، استعرض فيها مسيرته ضمن البعثة، موضحًا أن المشروع الروسي في سقطرى انطلق في سبعينيات القرن الماضي بقيادة نعومكين، الذي يعدّ اليمن مشروع حياته. وأشار إلى انضمامه إلى البعثة عام 2010، حيث شارك في جهود تحويل التراث الشفهي السقطري إلى لغة مكتوبة عبر ابتكار نظام كتابي يستند إلى الحروف العربية مع إضافة رموز خاصة لتمثيل الأصوات غير الموجودة في العربية الفصحى، بما يسهم في ربط السكان بلغتهم ضمن إطار مألوف لهم.

غزو مهّد لسرقة القرن!
وحول آفاق البحث المستقبلي، أوضح كوهن أن مجالات العمل لا تزال واسعة، خصوصًا في ما يتعلق باللغة السقطرية، التي تنتمي إلى مجموعة اللغات العربية الجنوبية الحديثة، مثل المهرية في المهرة والشحرية في ظفار بسلطنة عُمان، إلى جانب مجالات الأدب الشفهي والآثار، ويضم الفريق علماء متخصصين في الآثار الرومانية والإسلامية المبكرة.
وفيما يتعلق بالتنوع الحيوي الفريد الذي تتمتع به الجزيرة، أشار إلى أن البعثة الروسية لا تضم حاليًا علماء أحياء، إلا أن بعثات أخرى تعمل في هذا المجال، لا سيما في دراسة النباتات والثروة السمكية الغنية بها سقطرى.
أما عن تأثير مظاهر الحياة الحديثة، فقد لفت إلى تنامي السياحة البيئية في السنوات الأخيرة، حيث يقصد الجزيرة سياح مهتمون بالبيئة، وهو ما ساهم في تعزيز وعي السكان المحليين بأهمية الحفاظ على الطبيعة، ودفعهم إلى إنشاء محميات بيئية، برية وبحرية، لحماية هذا التنوع الفريد.
من جانبه، تطرّق أنور الظرافي إلى التطورات التي شهدتها الجزيرة مؤخرًا، مشيرًا إلى افتتاح مزيدًا من المدارس والمراكز الصحية رغم الظروف غير المستقرة في اليمن، لكنه أشار أيضًا إلى أن الحرب أعاقت تنفيذ عدد من المشاريع السياحية، فضلًا عن صعوبة الوصول إلى الجزيرة في ظل غياب الرحلات الجوية المباشرة، وهو ما يشكّل تحديًا أمام تنشيط القطاع السياحي.
صفاء علي قرحيلي
إقرأ المزيد
صرح ثقافي عالمي في ماغادان يجمع بين الفنون والتاريخ في مجمع متاحف حديث
يبرز مشروع مجمع متاحف ماغادان كصرح حضاري يدمج الفنون بالتاريخ، مع تصميم هندسي عالمي يعزز المشهد الثقافي في منطقة غوروخوفوي بولي.
من بطرسبورغ.. رسائل "الثقافات المتحدة" في مواجهة تحديات العصر
تستعد مدينة سانت بطرسبرغ لاستضافة فعاليات النسخة الثانية عشرة من "منتدى سانت بطرسبرغ الدولي للثقافات المتحدة"، وذلك في الفترة الممتدة من 24 إلى 26 سبتمبر المقبل.
اكتشاف أكثر من 43 ألف قطعة فخارية تروي تفاصيل حياة المصريين قبل 2000 عام
عثرت بعثة تنقيب مشتركة بين وزارة السياحة والآثار المصرية وجامعة توبنغن الألمانية على أكثر من 43 ألف قطعة فخارية كتب عليها المصريون القدماء تفاصيل حياتهم اليومية.
التعليقات