مباشر

من شولوخوف إلى بريليبين.. الإبداع الذي يولد في أتون المعارك

تابعوا RT على
تتناول هذه السطور إشكالية "المسافة الزمنية" في الأدب الحربي، وتحديدا حول حرب دونباس؛ حيث يُطرح تساؤل جوهري: هل الكتابة أثناء المعركة "تسرُّع" أم "ضرورة"؟

بينما يرى بعض النقاد أن الإبداع الحقيقي يتطلب هدوءا وسنوات من التأمل، مستشهدين بأدب الحرب العالمية الثانية، يفنّد الكاتب زاخار بريليبين هذا الرأي. فهو يرى أن تأجيل الكتابة ليس قاعدة ثابتة، بل إن التوثيق الأدبي في قلب الحدث يمتلك مشروعية تاريخية وواقعية لا تقل أهمية عن الأعمال التي تُكتب بعد عقود.

يستند الكاتب في تفنيده لمقولة "ضرورة الانتظار" إلى استقراء دقيق لتاريخ الأدب الكلاسيكي الروسي؛ حيث يكشف أن المناهج التعليمية الروسية تعجّ بنصوص خالدة وُلدت في أتون المعركة لا في ظلال السلم. فالمبدع الكبير ميخائيل شولوخوف صاغ فصول روايته "لقد قاتلوا من أجل الوطن" بين عامي 1942 و1944 ونشرها تِباعا في الصحف تحت القصف، وكذلك فعل ليف سلافين في روايته "أبناء بلدي" (1943) التي تحولت سريعا إلى أيقونة سينمائية.

ولم يتوقف الأمر عندهما، بل إن العام 1943 شهد ولادة نصوص فارقة مثل "نحن يا رب" لـ قسطنطين فوروبيوف، بينما وثّق قسطنطين سيمونوف تجربته الحية في "أيام وليال" عام 1944. وفي ذات السياق الزمني، قدّم ليونيد ليونوف وفالنتين كاتاييف أعمالا محورية، بينما شرع فيكتور نيكراسوف في تدوين "في خنادق ستالينغراد" من سريره في المستشفى عام 1944. حتى الأعمال التي صدرت بعد الحرب بقليل، مثل "الحرس الشاب" لـ ألكسندر فادييف، كانت بداية إبداعية تشكلت في ذروة الصراع عام 1943.

وحتى حين يتطرق الكاتب إلى ما يُعرف بـ "نثر الملازمين" (أدب الضباط) الذي اشتهر به بونداريف وبيكوف وباكلانوف، فإنه يوضح أن هذه الأعمال لم تنتظر عقودا كما يُروج البعض، بل رأت النور بعد نحو 12 عاما فقط من نهاية الحرب، وكان العمل عليها قد بدأ قبل ذلك بسنوات.

وانطلاقا من هذه الشواهد، يعقد الكاتب مقارنة حادة مع الواقع الراهن، مشيرا إلى أن الفترة الزمنية التي انقضت منذ اندلاع صراع دونباس كافية جدّا للإنتاج الأدبي، متسائلا بإنكار: كم من الوقت يحتاج المبدع لـ "استيعاب" الواقع إذا كان العمالقة قد استوعبوه وهم في قلب الخنادق؟

ولا يستند الكاتب في دفاعه على الأدب الروسي فحسب، بل يستشهد بالأدب العالمي، مذكرا بـ إرنست همنغواي الذي لم ينتظر سوى عام واحد بعد الحرب الأهلية الإسبانية ليكتب "لمن تقرع الأجراس". وفي لفتة تهكمية، يشير إلى رواية "سبارتاكوس" التي كُتبت بعد ألفي عام من الحدث، ليؤكد أن منطق "الانتظار المفرط" قد يؤدي بنا إلى تأجيل الكتابة إلى ما لا نهاية.

يخلص النص إلى رؤية جوهرية مفادها أن الأدب ليس مجرد "صدى متأخر" للأحداث، بل هو أداة لفهم الواقع وصياغته أثناء حدوثه. فالكتابة في زمن الحرب ليست "تسرعًا" بقدر ما هي اقتناص للحقيقة في لحظتها الخام، لأن الزمن وحده لا يمنح العمل جودته، بل تمنحه إياها التجربة الحية والقدرة الفائقة على التقاط نبض اللحظة.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا