مباشر

"اليتيم"… هل استطاع أن يعيد للحكاية الشامية نبضها؟!

تابعوا RT على
يأتي مسلسل اليتيم ضمن الأعمال التي تعود إلى فضاء البيئة الشامية، مقدّماً حكاية درامية تتقاطع فيها المصائر الإنسانية مع أجواء التشويق والغموض.

العمل من إخراج تامر إسحاق وتأليف قاسم الويس، وجمع نخبة من نجوم الدراما السورية في حكاية تتوزع على عدة خطوط درامية تتشابك أحداثها داخل مجتمع تقليدي تحكمه العلاقات العائلية والصراعات الاجتماعية.

ومن خلال هذه البنية الحكائية، يحاول المسلسل أن يستعيد روح الحكاية الشعبية الشامية، معتمداً على عناصر التشويق والتصاعد الدرامي، إضافة إلى توظيف الفلاش باك لكشف خيوط الماضي التي تتحكم بمصائر الشخصيات في الحاضر.

خلطة الدراما الشامية الناجحة

في قراءته للعمل، يرى المخرج زهير قنوع أن الدراما الشامية الجماهيرية تقوم على معادلة دقيقة تجمع بين المتعة الدرامية والبساطة والبعد الأخلاقي والإنساني. فالجمهور، بحسب رؤيته، يبحث في هذا النوع من المسلسلات عن الحكاية المشوقة والشخصيات القريبة من الواقع، من دون تعقيد أو افتعال.

ويشير قنوع إلى أن المخرج تامر إسحاق نجح في تقديم هذه المعادلة بمهارة، حيث استطاع أن يصوغ عملاً يمزج بين التشويق والحكايات المسلية والرومانسية والقيم الأخلاقية، ضمن قالب درامي جذاب يبتعد عن المبالغة أو "الفذلكة".

وعلى الرغم من أن قصة اليتيم قد تبدو من حيث المبدأ قريبة من العديد من الحكايات التي عرفتها الدراما الشامية، فإن طريقة صياغتها تكشف عن حضور كاتب يمتلك حساً سردياً ذكياً، إضافة إلى مخرج يعرف جيداً مفاتيح هذا النوع الدرامي وأسراره.

ويؤكد قنوع أن المسلسل أعاد إليه الحماسة لمتابعة عمل شامي بعد مرحلة ارتبطت في ذاكرة الجمهور بأعمال المخرج الراحل بسام الملا، وهو ما يعكس قدرة العمل على استعادة شيء من جاذبية هذا اللون الدرامي.

أداء تمثيلي يرسّخ صدقية الحكاية

ويولي قنوع اهتماماً خاصاً بالأداء التمثيلي في العمل، مشيراً إلى أن المسلسل يضم عدداً كبيراً من النجوم الذين قدّموا مستويات عالية من الحرفية. هذا التنوع في الطاقات التمثيلية انعكس على مجمل عناصر العمل، ليظهر متماسكاً في أدائه العام.

ويتوقف قنوع عند أداء الممثل سامر إسماعيل الذي يجسد شخصية "عرسان"، معتبراً أنه قدم نموذجاً جديداً للبطل الشعبي في الدراما الشامية. فالشخصية لم تُقدَّم في قالب بطولي مبالغ فيه، بل ظهرت بقدر من العفوية والصدق، ما منحها حضوراً إنسانياً واضحاً وجعلها أقرب إلى الواقع.

هذا الأداء المتوازن جعل الشخصية تبدو، وفق وصف قنوع، شخصية حقيقية “من لحم ودم”، وهو ما أسهم في تعزيز مصداقية الحكاية وقربها من وجدان المشاهد.

عودة إلى فنتازيا البيئة الشامية

من جهتها، ترى الناقدة الصحفية آمنة ملحم أن المسلسل يشكّل عودة لافتة للمخرج تامر إسحاق إلى عالم فنتازيا البيئة الشامية، وهو المجال الذي برز فيه سابقاً من خلال أعمال مثل وردة شامية وزقاق الجن.

وتشير ملحم إلى أن العمل يستعيد شيئاً من البريق البصري الذي عُرف به إسحاق، حيث تميل المعالجة الإخراجية إلى خلق أجواء مشحونة بالتشويق والغرابة، في إطار بصري يهدف إلى الإمتاع واستحضار روح الحكاية الشعبية.

كما يلفت النص الدرامي الذي كتبه قاسم الويس إلى تعدد الخطوط السردية، مع توزيع نسبي للبطولة بين الشخصيات. هذا التوزيع يمنح السرد حيوية واضحة ويمنع احتكار الحكاية من قبل شخصية واحدة، الأمر الذي يخلق شبكة من العلاقات المتقاطعة التي تدفع الأحداث إلى الأمام.

بين قوة السرد وبعض الهفوات الدرامية

ومع إشادتها بالبنية العامة للعمل، تشير ملحم إلى أن تعدد الخطوط الدرامية لم يخلُ من بعض الثغرات في الحبكة. فبعض المسارات السردية، برأيها، لم تُحكم بالشكل الكافي، ومن بينها الخط المرتبط بشخصية "وصال" وزواجها من خطيب لم تره من قبل، في حين تظهر أختها في علاقة أكثر انفتاحاً مع خطيبها، من دون وجود تفسير درامي واضح لهذا التناقض.

كما تتوقف ملحم عند هفوة تتعلق بعمر شخصية "عرسان" في طفولته، إذ يبدو الطفل أكبر من العمر المفترض في الحكاية، وهو ما يتعارض مع فكرة أن تصبح إحدى الشخصيات لاحقاً أمّه بالرضاعة.

ومع ذلك، ترى ملحم أن هذه الملاحظات لا تلغي ما يقدمه المسلسل من جرعة درامية مشوقة، خصوصاً مع التصاعد الملحوظ في الأحداث وتوظيف الفلاش باك الذي يضيف طبقات من الغموض إلى الحكاية.

عرسان… مركز الثقل الدرامي

وتؤكد ملحم أن أحد أكثر الخطوط الدرامية جذباً في العمل يتمثل في المسار الذي يجمع شخصية "عرسان" مع الممثلة شكران مرتجى والعائلة التي تولت تربيته، إضافة إلى علاقته بابنة الزعيم.

في هذا المسار تحديداً، يظهر الممثلون بدرجة عالية من الاحترافية والتبنّي الصادق للشخصيات، ما يمنحه ثقلاً درامياً واضحاً ويجعله من أكثر أجزاء العمل تأثيراً في المشاهد.

صياغة الحكاية الشعبية

بين قراءة المخرج زهير قنوع ورؤية الناقدة آمنة ملحم، يبدو أن مسلسل اليتيم نجح في تقديم تجربة درامية تحمل عناصر المتعة والتشويق، مستنداً إلى أداء تمثيلي قوي وبناء بصري يستحضر روح الحكاية الشامية.

وعلى الرغم من بعض الهفوات الدرامية التي لا تخلو منها معظم الأعمال الطويلة، فإن المسلسل يحافظ على إيقاع حكائي متصاعد وقدرة على شدّ انتباه المشاهد، مؤكداً أن الدراما الشامية ما تزال قادرة على التجدد حين تتوافر لها الرؤية الإخراجية الواضحة والنص القادر على إعادة صياغة الحكاية الشعبية بروح معاصرة.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا