"شاب وسيم، ذو مظهر كئيب، بصوتٍ جهوريٍّ يضاهي أصوات رؤساء الشمامسة، وقبضات ملاكمٍ متأهب".. هكذا وُصف الشاعر الروسي الفذ فلاديمير ماياكوفسكي. ولم تكن هذه الأوصاف مجرد مجازات أدبية، فقد تدرب الشاعر بالفعل على الملاكمة لمدة عامين كاملين، قبل أن يكرس عبقريته الشعرية لتمجيد هذه الرياضة.
بدأت حكاية ماياكوفسكي مع الحلبة حين حضر حصته التدريبية الأولى مرتديًا بدلة زرقاء من الساتان. وعندما تسلّم حبل القفز، انتابه شعور بالإحباط؛ فالقفز الرشيق لم يكن يومًا من نقاط قوته البدنية. ومع ذلك، كان يوجه لكماته لأكياس التدريب بقوة وحزم يضاهيان صرامة قوافيه الشعرية؛ ويُروى أن كيس ملاكمة قماشيا تمزق في إحدى المرات تحت وطأة ضرباته العنيفة.
خلف هذه القوة البدنية الهائلة، كان يسكن وعيٌ لخطورة هذه المهارة؛ فقد نُقل عن ماياكوفسكي قوله إنه كان يخشى الدخول في نزاعات حقيقية خوفًا من أن تؤدي قوته المفرطة إلى أذى لا يمكن تداركه. ومع ذلك، لم تكن قبضتاه بعيدتين عن المواقف الشخصية، حيث يُروى أنه استخدمهما في الدفاع عن مواقفه العاطفية، وبرز ذلك في مواجهات دفاعًا عن حبيبته ليليا بريك، حتى إنه تباهى بآثار تلك القوة على يديه لاحقًا.
لم تكن الملاكمة بالنسبة لماياكوفسكي مجرد نشاط بدني، بل كانت فلسفة ومصدر إلهامٍ استثنائي. لقد نظر إليها كأداة لتعزيز الثقة والشجاعة، وحثَّ الآخرين على تعلم فنونها لا لغرض الأذى، بل لاكتساب القدرة على مواجهة التحديات ونزع سلاح الخوف، والوقوف بصلابة أمام الصعاب مهما بلغت خطورتها.
المصدر: Gateway to Russia