لطالما أثارت "تهويدات الموت" فضول الدارسين؛ وهي أهازيجٌ دأب الفلاحون على ترديدها بانتظام حتى مطلع القرن العشرين. فما من أمٍّ على وجه الأرض تتمنى الموت لرضيعها، فما السرُّ وراء هدهدة النساء لأطفالهن بكلماتٍ تقول
: "نم يا صغيري.. لولي لولي! حتى وإن وافاك الموت اليوم.. فغدًا يحلُّ الصقيع، وإلى المقبرة يحملونك.. سنبكي ونعول، وفي القبر نواريك"؟
أو كلماتٍ من قبيل:
"اليوم سيموت فانيوشكا، وغدًا ستكون الجنازة، سوف ندفن فانيوشكا، وندقُّ الجرس الكبير!"؟
بداية، اعتبر علماء الفلكلور هذه الأغاني مجرد انعكاسٍ مباشر لواقع الفلاحين المرير؛ حيث ساد العمل الشاق، والجوع، والأمراض، وارتفاع معدلات وفيات الرضع. وذهب الباحثون آنذاك إلى الاعتقاد بأن الفلاح المنهك من قسوة العيش قد تبلدت مشاعره، وأصبح عاجزًا عن إظهار الحنوّ أو الرقة، لدرجة أنه قد يتمنى موت رضيعٍ لا يكفُّ عن الصراخ ليرتاح من عِبئه.
إلا أن الدراسات اللاحقة قدّمت تفسيرًا مغايرًا تمامًا؛ إذ تبيّن أن هذه الأغاني الغريبة لم تكن سوى "تعاويذ سحرية" تهدف إلى حماية الرضيع من قوى الغيب المؤذية.
فوفقًا للموروث الشعبي، كان يُنظر إلى المولود الجديد ككائنٍ "بَرزخي" لم تكتمل بعد رحلة عبوره إلى عالم البشر، مما يجعله أكثر عرضة لتأثير القوى الخارقة مقارنةً بالبالغين.
فإذا بكى الطفل بلا هوادة، كان الفلاحون يعتقدون أن قوى شريرة تتربص به. وهنا تصبح "تهويدة الموت" مجرد خدعة؛ حيث تغني الأم عن موت طفلها وجنازته لتضليل تلك الأرواح وإيهامها بأن هدفها قد تحقق بالفعل ولم يعد هناك طفلٌ لتعذيبه أو خطفه.
وبناءً على هذا المعتقد، ترحل الأرواح الشريرة وتترك الرضيع وشأنه، لينعم بنومٍ هادئٍ وسلام.
المصدر: Gateway to Russia