مباشر

استعادة وجهي إيفان الرهيب وإنسان جبل "إيغود" في المغرب!

تابعوا RT على
خاض الفنان البرازيلي سيسيرو مورايس في عام 2024، غمار تحد فريد، انتهى بكشف النقاب عن الوجه الحقيقي لأول قيصر متوج لعموم روسيا، إيفان الرابع، الذي خلدته كتب التاريخ بلقب "الرهيب".

يعتمد مورايس في أعماله الفنية المتميزة على تقنيات النمذجة الحاسوبية ثلاثية الأبعاد لإعادة بناء ملامح شخصيات الماضي، محولا الأوصاف التاريخية والبيانات العلمية إلى وجوه نابضة بالحياة تبدو وكأنها تنظر إلينا من أعامق التاريخ.

لم تكن المهمة يسيرة، فلم تكن هناك جمجمة حقيقية لإيفان الرهيب الذي كان تولى لعرش في عمر 16 عاما في 16 يناير 1547 بين يدي الخبير البرازيلي ليعتمد عليها مباشرة. بدلا من ذلك، لجأ مورايس إلى إرث علمي ثري، حيث استند إلى النموذج الذي أعده رائد الأنثروبولوجيا السوفيتي ميخائيل غيراسيموف، الذي قاد فريقاً علمياً عام 1963 للتنقيب عن قبر القيصر وأبنائه في كاتدرائية رئيس الملائكة بالكرملين.

على الرغم من سوء حالة الجمجمة، استطاع غيراسيموف، الذي أبدع أكثر من مئتي تمثال نصفي لشخصيات تاريخية، إعادة تشكيل ملامح إيفان الرهيب باستخدام منهجيته الخاصة. كما استعان مورايس بصورة القيصر الشهيرة على غلاف كتاب "الرسول" المنشور عام 1564، بالإضافة إلى شهادات وروايات تاريخية دُونت على يد معاصريه، ليرسم من هذا المزيج صورة متكاملة.

لضمان الدقة العلمية، اتبع مورايس وفريقه منهجية معقدة تجمع بين الفن والتكنولوجيا والعلم. فاستخدموا تقنية متطورة تعرف باسم "التشوه التشريحي"، واعتمد على متطوعين أحياء يتمتعون ببنى جمجمة مشابهة، لدراسة سمك العضلات والجلد في مناطق الوجه المختلفة. ثم طبق مع مساعديه هذه القياسات والبيانات المحللة بدقة على جمجمة القيصر الافتراضية، في عملية محاكاة دقيقة أعادت تكوين الوجه طبقة تلو الأخرى.

اللافت للنظر أن النتيجة النهائية، التي كشف عنها مورايس، أظهرت تشابهاً مذهلا مع التمثال النصفي الذي نحته غيراسيموف قبل أكثر من ستة عقود. أقر الخبير البرازيلي نفسه بأن الاختلافات بين العملين طفيفة للغاية، وتكاد تقتصر على منطقة الشفة السفلى والذقن، وهو ما يعد إثباتا على دقة الحدس الفني والعلمي لكلا الخبيرين، رغم الفارق الزمني والتقني الهائل بين منهجيهما. الصورة التي خرج بها مورايس تصور رجلا بلحية رمادية تزين وجهه، وعينين زرقاوين تعكسان نظرة ثاقبة.

لكن هذه الصورة الرقمية الحديثة تطرح سؤالا مثيرا حول التناقض مع الأوصاف التاريخية المكتوبة، التي تصف إيفان الرهيب كرجل طويل القامة، عريض المنكبين، ذي عضلات مفتولة ومظهر جذاب. هذا التناقض يذكرنا بأن عملية إعادة البناء هذه تكشف عن ملامح الوجه في لحظة زمنية متقدمة من عمر القيصر، بينما تحدثت الروايات عن سنوات شبابه.

يُذكر أن سيسيرو مورايس كان بنى سمعته العالمية من خلال مشاريع مماثلة أثارت الاهتمام، مثل إعادة بناء وجه أقدم إنسان عاقل معروف، عاش قبل 300 ألف عام على أراضي المغرب، مستخدما جمجمته المكتشفة في جبل "إيغود". مشروعه حول إيفان الرهيب يضيف حلقة جديدة إلى سلسلة أعماله التي تجسر الهوة بين الماضي والحاضر.

بالمحصلة، فإن هذه اللوحة الرقمية لعام 2024 تقدم لنا تصورا علميا مبنيا على أدلة، لوجه أحد أكثر الحكام إثارة للجدل في التاريخ الروسي. مع ذلك، تبقى الصورة الفنية الأكثر رسوخا في الوعي العام هي لوحة الفنان العبقري إيليا ريبين المرسومة عام 1885، والمعلقة في معرض تريتياكوف بموسكو، والتي تجسد لحظة درامية من حياة القيصر في قمة تعبيراتها النفسية والعاطفية. بين عمل ريبين الذي يخاطب الروح، وعمل مورايس الذي يخاطب العقل والمنطق، تكتمل صورة إيفان الرهيب، أسطورة حية تتجدد مع تطور الأدوات وتغير الظروف.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا