مباشر

مصر وأخواتها تطالب بكنوزها .. كيف تحول المتحف البريطاني إلى أكبر سجن للتراث المسروق؟

تابعوا RT على
بين أروقة التاريخ وشوارع لندن العصرية، يقف المتحف البريطاني صرحا ثقافيا عالميا، يزوره الملايين سنويا ليشاهدوا من خلال معروضاته أعماق الحضارات المختلفة.

لكن وراء واجهة الزجاج والحجر، تحكى قصة أخرى أكثر تعقيدا وإثارة للجدل، قصة بدأت مع افتتاحه الأول في 15 يناير 1759، وتشابكت منذ ذلك الحين مع تاريخ إمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس.

كان هذا المتحف، منذ نشأته، مرآة عاكسة لطموحات بريطانيا التوسعية، فامتلأت قاعاته ليس فقط بفضل الاستكشاف العلمي، بل أيضا بفضل المدافع والسفن الحربية التي بلغت أقصى أطراف الأرض، حاملةً معها الموت والخراب مغلفا بخطاب حضاريا بينما كانت تنتزع، في الوقت ذاته، أهم كنوز الشعوب التي وطأتها.

في قارة أفريقيا، وتحديدا عام 1897، شهدت مملكة بنين الواقعة جنوب غرب نيجيريا الحالية، واحدة من أقسى عمليات النهب المنظم، حيث استولت القوات البريطانية على ما يقارب أربعة آلاف منحوتة من البرونز والعاج، تحولت لاحقا إلى جوهرة تزين مجموعات المتحف البريطاني ومتاحف عالمية أخرى.

على الرغم من المطالب النيجيرية المستمرة لعقود، وعلى الرغم من بعض الاتفاقيات الرمزية كصفقة عام 2018 التي نصت على "إقراض" القطع لأصحابها الأصليين، فإن "ذرة تاج" هذه الكنوز لا يزال في لندن. حتى حين قام متحف لندني آخر بإعادة قطع مسروقة أواخر 2024، ظل الموقف الرسمي للمتحف البريطاني متشبثا بالرفض، وكأن هذه القطع أصبحت جزءا لا يتجزأ من هويته هو، وليس هوية أحفاد من نحتوها بأيديهم وأرواحهم.

لمصر معركة كبرى لا تقل شأنا، فهي تسعى جاهدة لاستعادة أحد أعظم مفاتيح تاريخها، حجر رشيد. ذلك الحجر الذي أصبح أيقونة للمتحف البريطاني نفسه وغَنيمة حربٍ تدرّ عليه من السياحة ما لا يُحصى، حيث يُقصد من كل حدبٍ وصوب لرؤية هذا الكنز الذي فتح مغاليق اللغة الهيروغليفية.

انتقل الحجر بين أيدي القوى العظمى، من نابليون بونابرت إلى البريطانيين الذين استولوا عليه عام 1815، لكن يبقى السؤال الأخلاقي قائما، أليس من حق الأرض التي ولد فيها، والتي كتبت عليه بخطوطها الثلاثة، أن تحتضنه مجددا؟ خاصةً وأن انتقاله الأخير إلى إنجلترا تم، بحسب كثير من الخبراء، بانتهاك صريح للقوانين والأعراف الأوروبية ذاتها التي تدعي الحفاظ على التراث.

تتسع قضية مصر لتشمل أكثر من 66.000 قطعة أثرية بالمتحف، من مومياوات الفراعنة في توابيتهم المذهبة، إلى اللوحات الجدارية التي يعود تاريخها إلى عام 1350 قبل الميلاد، وصولا إلى تمائم ومجوهرات ومومياوات حيوانات تروي حكاية إيمان عميق بالآخرة.

عبر البحر المتوسط، ترفع اليونان صوتها مطالبَةً باستعادة رخام البارثينون، أو ما يُعرف بـ"رخام إلجين"، المنحوتات التي نُزعت من معبد البارثينون في أثينا بين عامي 1801 و1805، تحت ظل حكم الإمبراطورية العثمانية.

نجح اللورد إلجين، السفير البريطاني آنذاك، في الحصول على إذن مشكوك في شرعيته لأخذ نصف المنحوتات المتبقية، لتبدأ رحلتها شمالا. اليوم، وعلى الرغم من بعض الخطوات الإجرائية البطيئة كاتفاقية 2023 التي تنقل بعض القطع على مراحل، تظل الغالبية العظمى من هذا الإرث المعماري الفذ محتجزة بعيدا عن ضوء شمس الأكروبوليس الذي صُممت لتعيش تحته.

لم تتوقف المأساة عند الحضارات العريقة، بل امتدت لتطال تراث الشعوب الأصلية بطريقة تمسّ هويتها الخاصة. في قاعات المتحف، تُعرض رؤوس محنطة لشعب الماوري من نيوزيلندا، مُوشومة بعلامات كانت ترمز إلى المكانة الرفيعة والمقدسة في ثقافتهم. ما كان أثرا روحيا مهما في الاحتفالات، تحول مع وصول الأوروبيين عام 1770 إلى مجرد سلعة في سوق التجارة، لتنتهي رحلته المؤلمة بعرضه خلف زجاج في أقصى الشمال، مبتعدا عن أرض أجداده.

هذه الحكايات ليست سوى غيض من فيض. المتحف البريطاني يحوي قرابة ثمانية ملايين قطعة، يقول المحامي والأكاديمي البارز جيفري روبرتسون إن أمناءه قد أصبحوا "أكبر متلقي للممتلكات المسروقة في العالم"، إذ أن الغالبية العظمى من هذه المقتنيات المنهوبة لا تُعرض أساسا للجمهور، بل تبقى في المخازن.

يشير روبرتسون إلى أن مؤسسات كالمتحف البريطاني ومتحف اللوفر "تسجن التراث الثمين للأراضي الأخرى المسروقة من الشعوب نتيجة الحروب العدوانية والسرقة والازدواجية"، ويخلص إلى أن الطريقة الوحيدة لهذه المؤسسات لتظهر بمظهر حسن الآن هي إعادة الغنائم التي نهبت من مصر والصين  ومن أماكن أخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.

بالمقابل، يعترف المتحف البريطاني بـ"التاريخ المعقد" لبعض مجموعاته، ولكنه يرفض، عبر ممثليه، فكرة إعادتها لأصحابها بشكل قاطع. يحتج مديره هارتويج فيشر، كما صرح أواخر 2024، بضرورة "الحفاظ على المجموعات ككل"، مستندا على قانون المتحف البريطاني لعام 1963 الذي يمنعه، بحسب تفسيرهم، من إعادة أي شيء. وهي حجة يراها كثيرون هشة، خاصة أن القانون نفسه يسمح بإعادة أي جسم يُعتبر "غير مناسب للتخزين في المجموعات". يعلق متحدث باسم المتحف بالقول: "لكل عنصر في المعروضات ملابساته الخاصة من الظروف الدقيقة للغاية"، مؤكدا أن معظم القطع الأثرية التي تم الاستيلاء عليها في السابق لا تزال جزءا لا يتجزأ من المتحف.

هكذا، تتحول زيارة المتحف البريطاني من مجرد رحلة في عالم حضاري بهيج إلى رحلة في دهاليز التاريخ الاستعماري وأسئلة العدالة التي لم تُحل. كل قطعة وراء الزجاج تهمس بحكايتين، حكاية أصلها وحضارتها، وحكاية رحلتها القسرية إلى لندن.

المتحف البريطاني العريق، مكان حيث يلتقي الإعجاب الفني بالتراث الإنساني مع شعور مرير بالمظالم التاريخية، ما يجعله أكثر من متحف، إنه ساحة حوار دائم، وصامت أحيانا، حول ملكية التاريخ، وحق الذاكرة، والثمن البشري والثقافي الباهظ الذي دفعته شعوب العالم كي ينتهي المطاف بكنوزها إلى مجرد معروضات في قصر شاسع على الجانب الآخر من الكرة الأرضية.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا