مباشر

كيف فشلت مساعي إسرائيل للإستحواذ على المخطوطات العبرية والعربية النادرة في مكتبة لينين؟

تابعوا RT على
في بودكاست مع سلام مسافر يفتح د. محمود الحمزة مغاليق المخطوطات العربية الإسلامية في روسيا منذ قرون، ويتحدث عن الفوارق الجوهرية بين علوم الاستشراق الروسي والاستشراق الغربي.

يذكر أن د. محمود الحمزة مؤلف عدد من الكتب منها "الرياضيات العربية في القرون الوسطى".

وشغل موقع أستاذ جامعي وباحث علمي في معهد تاريخ العلوم والتكنولوجيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية.

فيما يلي النص الكامل للحوار: 

Your browser does not support audio tag.

سلام مسافر: الدكتور محمود الحمزة، متعدد المواهب والإمكانيات، بدأ مسيرته كمدرس لمادة الرياضيات، ثم أصبح أستاذًا جامعيًا، وانتقل لاحقًا إلى علم الاستشراق، دخلتم الى علم الاستشراق من خلال الرياضيات، لماذا تُعتبر الرياضيات صعبة للطلاب العرب، علماً أن العقل العربي قدم إسهامات كبيرة في هذا المجال؟

محمود الحمزة: بالفعل يتصور الكثيرون أن الرياضيات علم جاف وصعب، لأنهم يربطونها بالحسابات الأساسية مثل الكسور والضرب والجمع والطرح، وهناك عالمة روسية تدعى صوفيا كوفاليفسكايا، عاشت في نهاية القرن التاسع عشر، وقد قالت عبارة جميلة: "إن البعض يخلط بين الرياضيات والحساب ويظن أن الرياضيات علمٌ جاف، لكن في الواقع، تتطلب الرياضيات موهبة ومخيلة، وينبغي لعالم الرياضيات أن يكون شاعراً في نفسه"، بينما الحساب هو الذي يدرّس في المرحلة الابتدائية والذي يعاني كثير من الطلاب منه.

بشكل عام، تعتمد الرياضيات على المنطق، مما يساعد الإنسان على التعامل مع قضايا الحياة اليومية، وليس فقط مسائل الرياضيات، لذا نجد أن العديد من علماء الرياضيات يشغلون مناصب قيادية في الجامعات وحتى في الحكومات بسبب قدراتهم على التفكير المنطقي.

سلام مسافر: بالعودة إلى الأرقام والحساب، فإنه من المعروف أن للعرب فضلا كبيرا في تعليم العالم الأرقام العربية التي نستخدمها اليوم، هذه الأرقام كم خدمت علم الحساب؟
محمود الحمزة: في القرن الثامن الميلادي، وُجد بيت الحكمة في بغداد، وكان هناك عالم بارز من خوارزم يُدعى محمد بن موسى الخوارزمي، الذي ألّف كتابًا بعنوان "فن الجبر والمقابلة" خلال فترة الخليفة العباسي المأمون، واستخدم لأول مرة مصطلح الجبر، الذي انتشر لاحقا في جميع لغات العالم.

في هذا الكتاب، قدم الخوارزمي الأرقام الهندية ونظام العد العشري، والذي يتضمن الأرقام من صفر إلى تسعة، قبل ذلك، كان الناس يستخدمون نظام الأبجدية، حيث يمثل كل حرف عددًا معينًا، في أوروبا كانوا يستخدمون الأعداد الرومانية، التي كانت معقدة وغير مفهومة للكثيرين، وكان هناك نظامان للعد: النظام العشري الذي بقي مستخدمًا في المشرق العربي، والنظام الآخر الذي انتقل إلى المغرب العربي ثم إلى الأندلس، ومنها إلى أوروبا، وسُميت بالأرقام العربية نسبةً للدول العربية، لكن وفق معلوماتي فإن أصل النظامين يعود للهند.

سلام مسافر: بما فيها نظرية الأرقام بناءً على الزوايا، فرقم (1) زاوية واحدة وهكذا؟

محمود الحمزة: هناك تفسيرات مختلفة حول كيفية ابتكار هذا النظام العددي، ومع ذلك، تبقى هذه التفسيرات مجرد توقعات وليست مثبتة بشكل قاطع.

سلام مسافر: دكتور، انتقلت أيضا من علم الرياضيات إلى علم الاستشراق، وسنتحدث عن ذلك بعد قليل. ولكن قبل ذلك، ما هي الإنجازات التي قدمها العلماء العرب في مجال الحساب والرياضيات، خاصة في سوريا، موطنكم الأصلي؟

محمود الحمزة: في القرون الوسطى، وخاصة من القرن الثامن إلى التاسع، كانت تلك الفترة تُعرف بالعصور الذهبية للحضارة العربية الإسلامية، حيث ساهم العرب بشكل كبير ليس فقط في الرياضيات بل في مجالات أخرى كالطب والصيدلة والفلك، في مجال الرياضيات بالذات لقد بدأنا بالخوارزمي، الذي يُعتبر أول من استخدم مصطلح "الجبر"، والذي أصبح لاحقا فرعا أساسيا من فروع الرياضيات، وقد أُدرج اسم الخوارزمي في اللغة اللاتينية تحت مسمى "آلجاريسمو" الذي تطور ليصبح "algorithm" باللغة الإنجليزية و"алгоритм" باللغة الروسية، ويعني الطريقة المنطقية المتسلسلة المستخدمة في حل المشكلات.

أما بالنسبة لمصطلح "صفر"، فالعرب هم من وضعوا رمزه وانتقل إلى العديد من اللغات، حيث انتقلت الكلمة إلى اللاتينية، وفي اللغة الروسية تُستخدم كلمة "цифра" المستمدة من "صفر".

في مجالات مختلفة، أسهم العلماء العرب في العديد من الاكتشافات، من بينها الكسور العشرية التي اكتشفها السموأل المغربي في القرن الثاني عشر، وهو عالم يهودي من المغرب اعتنق الإسلام وعاش فترة في الجزيرة العربية ثم انتقل إلى تركيا، كما اكتشفوا علم المثلثات الذي كان يستخدم في الفلك، والعرب قاموا بفصله عن الفلك لتأسيس علم المثلثات، مثل علم الجبر وعلم الهندسة والحساب.

كما اكتشف عمر الخيام طرقًا لحل المعادلات من الدرجة الثالثة باستخدام الطرق الهندسية المرتبطة بالمخروطات، وهناك إنجازات بارزة للعلماء العرب والمسلمين في علم الأعداد، حيث وضع الخيام قيمة تقريبية للعدد "π" (باي) المستخدم في حساب محيط ومساحة الدائرة، وتقترب قيمته بشكل كبير من القيم المكتشفة بعد قرون من الزمن.

كما درس العلماء العرب كيفية حل المعادلات الجبرية، واستكشفوا طرق تسمى ثنائي الحد والكثير من الأمورالتي تحتاج لتفصيل رياضي، اكتشفوها في القرن الثاني عشر ولم يآتي تطور نوعي مهم إلا بعد خمسة أو ستة قرون، ومن بين هؤلاء العلماء كان ابن البغدادي، في القرن الثاني عشر ترك مخطوطة حول المقاييس المتشابهة والمتباينة، والتي تُعتبر واحدة من أهم المخطوطات الرياضية، لأنها تناولت نظرية الأعداد الصماء لدى إقليدس في كتابه "الأصول"، وقد قدم تعريفًا للعدد الحقيقي يتشابه مع ما قدمه الفيلسوف الإنجليزي "برتراند راسل" بعده بعدة قرون.

كما تميز ابن البغدادي بقدرته على فصل الجبر عن الهندسة وربطها بالحساب، مما شكل نقلة نوعية في مجال الرياضيات.

سلام مسافر: الإدريسي، الذي رسم خارطة العالم القديم مستخدمًا الرياضيات والمثلثات، وهنالك العالم السوري الكبير ابن الشاطر الدمشقي، الذي قدم مساهمات كبيرة في العلوم

محمود الحمزة: الحديث عن ابن الشاطر الدمشقي يكفي لتبيان دور العرب في تطوير علم الفلك، حيث نقض نظرية بطليموس التي اعتبرت الأرض مركز الكون، حيث كتب مخطوطة تشير إلى أن الشمس هي المركز الحقيقي لدوران الكواكب وليس الأرض، وكانت مخطوطته قد ترجمت إلى اللاتينية، واطلع عليها عالم الفلك البولندي نيكولاس كوبرنيكوس في القرن الخامس عشر، وأثبت هذا المؤرخ الأمريكي ديفيد كينغ في الخمسينيات من القرن الماضي، وقد تم اكتشاف المخطوطة  في عام 1970 في وارسو، وبعد كوبرنيكوس جاء كبلر الإنجليزي، وكلاهما اعتمد على نظرية ابن الشاطر، ومع ذلك، لا يتم ذكر ابن الشاطر في الأوساط العلمية، بل يُعزا الفضل إلى كوبرنيكوس في إحداث ثورة في علم الفلك، رغم وجود أدلة قاطعة تثبت العكس، حيث حضرت محاضرة لجورج صليبا في مكتبة الإسكندرية بالقاهرة، حيث عرض لنا الصور التي رسمها ابن الشاطر والتي تتطابق حرفياً مع رسومات كوبرنيكوس، بل إن حرف الألف تُرجمت إلى "A" وحرف الباء إلى "B"، مما يدل على النقل المباشر للأفكار.

سلام مسافر: وأعتقد أن ابن الشاطر كان مؤذناً

محمود الحمزة: كان مؤقت الآذان

سلام مسافر: نعم وقد وضع نظاماً لتحديد مواعيد الصلاة بدقة، إذ لم يعتمد على الغروب والشروق والضحى، بل طور منهجية خاصة بذلك، وهو ما يُعتبر أيضاً من إنجازاته.

إذاً دراسة الرياضيات قادتكم إلى التوغل في الاستشراق لأنكم اكتشفتم دور العلماء العرب والمسلمين في بناء الحضارات، كيف تسنى لكم ذلك؟ وما أبرز سمات الاستشراق الروسي، وخاصة وأن لديكم مجموعة من الكتب حول هذا الموضوع؟

محمود الحمزة: أولاً ومتابعة لتاريخ الرياضيات عند العرب أحب أن أشيد بدور المستعربين الروس الذين اهتموا بدراسة المخطوطات الرياضية العربية، هناك العديد من المبدعين مثل أدولف يوشكيفيش وغالينا ماتفييفسكايا وبوريس روزنفيلد ومريم رجانسكيا، الذين درسوا هذه المخطوطات وقاموا بترجمتها إلى الروسية وبحثوا فيها بشكل علمي، على سبيل المثال، ماتفييفسكايا، التي توفيت بداية هذا العام، قضت ثلاثين عاماً في دراسة المخطوطات الرياضية العربية ولديها عشرات المؤلفات القيمة في هذا المجال، ومن الجدير بالذكر أن العلماء الروس المستعربين، في مجال تاريخ العلوم تحديداً، كانوا منصفين وموضوعيين تجاه الحضارة العربية ودور العلماء العرب، ولم يقللوا من شأن الحضارة العربية الإسلامية كما يفعل الكثير من المستعربين في الغرب، وهذا يعد نقطة إيجابية تحسب للروس.

أما كيف انتقلنا للاستشراق، فإن دراسة تاريخ العلوم طريق يؤدي إلى الاستشراق، فالاستشراق والاستعراب جزء من دراسة تاريخ المستعربين بأنواعهم المختلفة، فوجدت أنه من الضروري تناول دور العلماء في تاريخ الرياضيات، لذلك كتبت كتاب "تاريخ الرياضيات وتطورها الفلسفي"، وهو عمل نادر باللغة العربية وقد تمت ترجمته إلى الروسية وسينشر قريباً في مدرسة الاقتصاد العليا.
أما الكتاب الثاني فهو "الاستشراق الروسي والعالم الإسلامي"، كان هدفي منه إيصال صورة للقارئ العربي عن جهود العلماء الروس العلمية التي كانت إيجابية وموضوعية تجاه الحضارة العربية الإسلامية، كتبت هذا لأنني مختص في هذا المجال وأردت أن أنصف هؤلاء العلماء وأقول كلمة حق في حقهم، وقد تلقى الكتاب تقديراً كبيراً في عدد من الدول العربية والإسلامية، حيث أشار البعض إلى أنهم للمرة الأولى يجدون عملاً يتناول الاستشراق الروسي بتفاصيل دقيقة، حيث يوجد الكثير من الأعمال التي تتناول الاستشراق الغربي لكن الاستشراق الروسي لايوجد له الكثير من المصادر، وعملت على كلا الكتابين لأكثر من خمسة عشر عاماً.

 الاستشراق الروسي كان موضوعياً، ومن بين أبرز المستشرقين الروس كان إغناطيوس كراتشكوفسكي، الذي يُعتبر شيخ المستعربين

سلام مسافر: هو أول من ترجم القرآن للروسية؟
 محمود الحمزة: ليس أول مترجم للقرآن، لكن ترجمته اعتُبرت الأفضل لأنها كانت علمية.

 تعود بدايات الاستشراق الروسي إلى القرن الثامن عشر، في عهد بطرس الأول، حين زار حوض الفولغا وزار آثار مدينة بولغار الإسلامية القديمة، وعندما رأى الكتابات على الجدران، سأل عنها وعرف أنها بالعربية، فأمر بترجمتها وكان معه مستشاره المستعرب المعروف ديميتري كانتيمير، وشرحوا له عن إمارة بلغار، التي تأسست في القرن العاشر الميلادي، وقد اعتنق ملكها الإسلام وطلب إرسال بعثة تعليمية من الخليفة في بغداد لتعليمهم الإسلام، وكان أحمد بن فضلان، وكتب رسالته الرائعة التي تعتبر من أهم المراجع المهمة حول تاريخ روسيا، وترجمت إلى الروسية ودرست حيث أظهرت دقة الوصف الجغرافي الذي قدمه، لذا فإن بطرس الأول أمر لأول مرة بترجمة القرآن حيث أراد معرفة ديانة العثمانيين، حيث كانت تنشب معهم حروب وصراعات في بعض الأحيان، وقد قاموا بترجمة القرآن الكريم، لكن للأسف كانت الترجمة من اللغة الفرنسية، التي كانت ضعيفة وغير دقيقة، مما أدى إلى أخطاء جسيمة، حتى أنهم أطلقوا على القرآن اسم "الديانة المحمدية"، ولكن بعد ذلك، بدأت مجموعة من الروس المستعربين البارزين في تعلم اللغة العربية وبدأوا في ترجمة القرآن مباشرة منها، ومن بين هذه الترجمات، تبرز ترجمة كراتشكوفسكي، التي تُعتبر واحدة من أجمل الترجمات.

لقد درس المستعربون الروس الإسلام والثقافة العربية والتاريخ والأدب العربي، ولديهم دراسات مدهشة حول الأدب العربي، ألّف كراتشكوفسكي العديد من المؤلفات الرائعة، مثل كتابه "مع المخطوطات العربية"، حيث يروي كيف قضى سنوات في البحث عن مخطوطة عربية وعثر عليها، ومن الجدير بالذكر أنه ترجم "رسالة الغفران" لأبو العلاء المعري وكذلك أشعار أبي المعتز من العصر العباسي.

يجب أن نذكر أن كراتشكوفسكي تعرض لضغوط هائلة خلال عهد ستالين في عشرينيات القرن الماضي، حيث سُجن بتهمة التجسس لفنلندا بسبب علاقته بأحد أصدقائه الفنلنديين، وأُفرج عنه لاحقا، في الخمسينيات بدأت أكاديمية العلوم السوفيتية تضغط على المستعربين لعدم دراسة الإسلام، حيث كان الدين في تلك الفترة غير مرغوب فيه، ولم يرغبوا في دراسة الأدب القديم، بل طلبوا التركيز على الدراسات السياسية والاقتصادية المعاصرة لفهم كيفية التعامل مع الدول العربية والإسلامية، ومع ذلك وقف كراتشكوفسكي بشجاعة وقال:"لن نسيس الاستعراب"، مشددًا على أن دراسة الأدب والتاريخ والثقافة لا ينبغي أن تخضع للتسييس، رغم ما واجهه من تحديات وإهانات، وتوفي عام 1951 متأثراً بآلامه، لكنه حافظ على مدرسة الاستعراب في سان بطرسبرغ، بالمناسبة يوجد في روسيا مدرستان للاستعراب والاستشراق: معهد الدراسات الشرقية في موسكو، المتخصص في الدراسات السياسية والاقتصادية المعاصرة ويقدم استشارات للجهات الحكومية الروسية، وفي سان بطرسبرغ يوجد معهد المخطوطات الشرقية المتخصص في دراسة المخطوطات، حيث لا يتدخل في الأمور السياسية أو الاقتصادية، بل يركز على الأدب والتاريخ والثقافة والجغرافيا، وفي هذا المعهد، عثرت على مخطوطة في الرياضيات وقمت بترجمتها إلى الروسية، ونُشرت في مجلة "أبحاث في تاريخ الرياضيات" التابعة لمعهد تاريخ العلوم والتكنولوجيا في أكاديمية العلوم الروسية، حيث عملت لمدة 16 عامًا.

سلام مسافر: تقولون الاستشراق الروسي والاستشراق السوفيتي، هل هو امتداد أم أن هناك  قطيعة بين الأسلوبين؟
محمود الحمزة: يمكن القول أن تقاليد المدرسة السوفييتية استمرت في المدرسة الروسية المعاصرة، لكن أصبح هناك حرية أكبر في دراسة العلوم الإسلامية والعلوم الدينية والأدب القديم والتاريخ والجغرافيا، وبالمناسبة، يمتلك كراتشكوفسكي كتابًا رائعًا بعنوان "المؤلفات الجغرافية العربية"، قامت جامعة الدول العربية بترجمته إلى مجلدين، حيث يتناول جميع الرحالة العرب والمعلومات الجغرافية في الإسلام.

كما قام مؤرخي الرياضيات بإعداد موسوعات ضخمة، ومن بينهم ماتفييفسكايا التي ألفت موسوعة من ثلاثة مجلدات تناولت حوالي ألف عالم عربي ومسلم، وأحد هذه المجلدات ترجم إلى اللغة الإنكليزية حيث تعاون بوريس روزنفيلد مع أستاذ تركي وأضافوا معلومات عن المرحلة العثمانية إلى الموسوعة، ولم يُدرج اسم ماتفييفسكايا على الكتاب، وصدر باسم روزنفيلد والعالم التركي مما أثار شعور الحزن لديها لحذف اسمها عن الموسوعة التي كان لها الجهد الأساسي في تأليفها
لاحقا التقيت بالعالم التركي في مؤتمر الدوحة وقال أنا لا أعرف الروسية ولا أعرف القصة وروزنفيلد هو المسؤل

سلام مسافر: ألا ينبغي إعادة طبع الكتاب باسمها؟

محمود الحمزة: لقد كتبت لي بروفيسورة روسية من "سان بطرسبرغ" تقول إنها تبحث عن طريقة لإعادة الاعتبار ماتفييفسكايا، لأنه من الظلم عدم ذكر اسمها في الكتاب.

سلام مسافر: الاستشراق الروسي، استشراق حميم، يقدم رؤية موضوعية للتعامل مع الثقافة العربية الإسلامية، على عكس بعض الأبعاد الغربية التي قد تكون نظرتها متعالية، هل هذا صحيح؟

محمود الحمزة: بشكل عام، تعامل المستشرقون الروس والمستعربون بشكل منصف وكتبوا بأمانة عن محتويات المخطوطات التي درسوها، وهذا يختلف عما نجده في الغرب، حيث تمت ترجمة العديد من المخطوطات إلى اللغة اللاتينية، ونُسبت إلى علماء أوروبيين، ومن الأمثلة المشهورة في هذا السياق، النظرية الطبية لابن النفيس التي تم نسبها إلى عالم إنجليزي، حتى نظرية فيثاغورس الخاصة بالمثلث القائم، لم تكن جديدة في الواقع؛ إذ كانت معروفة لدى البابليين في بغداد، حيث وُجدت آثار تثبت ذلك، مثل الألواح الطينية التي تحمل هذه النظرية والموجودة في متحف قريب من بغداد، و هناك دلائل على أن هذه النظرية كانت معروفة أيضاً في مصر القديمة، لكن يُشار إليها دوماً باسم فيثاغورس.

هناك أمثلة أخرى عديدة، مثل المثلث المعروف بمثلث باسكال، الذي يعرض الأعداد بشكل هرم من الأرقام وله تطبيقات متعددة في علم الجبر، وقد عرف ابن السموأل في القرن الثاني عشر الميلادي هذا المثلث ورسمه، وتُظهر هذه القصص أن الأوروبيين لم يتعاملوا دائماً بأمانة، رغم وجود عدد من العلماء المستشرقين والمستعربين الذين كتبوا بموضوعية وأحيوا العديد من المخطوطات، وكان هدفهم علمياً بحتا.

لكن الاستشراق الغربي نشأ عمليا بعد ظهور الإسلام، كان الدافع الأساسي له دينياً، لمحاربة الإسلام حيث سعى الغرب لفهم الإسلام بعد انتشاره ووصوله إلى حدود فرنسا، مما أثار قلق الكنائس الغربية، لذا بدأت الدراسات الاستشراقية كوسيلة لفهم الإسلام وكيفية التعامل معه، وهو ما تعزز خلال الحروب الصليبية التي كانت ردة فعل من الكنيسة تجاه الدول الإسلامية لاستعادة السيطرة.

سلام مسافر: ورغم ذلك، أسفر غزو نابليون لمصر عن نتائج إيجابية، حيث أدخل المطبعة وهذا ما ساهم في تبادل حضاري بين الثقافتين.

محمود الحمزة: هنالك جوانب ايجابية للمستشرقين الأوروبيين. وبالنسبة للاستشراق الأوروبي، فقد بدأ قبل الاستشراق الروسي، حيث اعتمد الروس في البداية على مستشرقين ألمان وغيرهم من الأوروبيين في تطوير دراساتهم، ولكن بعد فترة أصبح الاستشراق الروسي يعتمد على جهوده الذاتية.

أما فيما يتعلق بمنهجيات الدراسة، فقد استخدم بعض المستشرقين الأوروبيين طرقاً علمية لدراسة المخطوطات والتعامل مع العلوم والأدب والثقافة والتاريخ الإسلامي، في حين كان البعض من العلماء المسلمين يفسرون كل شيء من منظور ديني، بينما كان الكثير من الأوروبيين يتعاملون بشكل علمي منهجي، بالمقابل هناك البعض منهم كان يتعمد التشويه، كما أن الروس قاموا بإحياء مخطوطات لم يكن أحد قد درسها بعد، ويجب أن نعترف بفضل هؤلاء العلماء

ولا يمكن تجاهل الإسهامات الهامة لبعض العلماء الأوروبيين الذين  خدموا الحضارة العربية والإسلامية، لكن هناك من شوه الحقائق مثل إرنست رينان والأخطر كان برنارد لويس، حيث كان صهيونيا وكان يتعمد التشويه وهو بريطاني وانتقل في سبعينيات القرن الماضي إلى أميركا حيث كان له تأثير كبير على السياسات الأمريكية والإسرائيلية حتى اليوم.

سلام مسافر: على الجانب الآخر، نجد مستشرقين مثل تيودور نولدكه الذين قدموا خدمة قيمة.

محمود الحمزة: بالمناسبة فاتني أن أشير إلى الأدباء الروس الكلاسيكيين في القرن التاسع عشر تأثروا بالإسلام، مثل ليو تولستوي ألكسندر بوشكين وميخائيل ليرمنتوف ومكسيم غوركي وإيفان بونين، حيث كتبوا قصائد تتناول مواضيع إسلامية، بوشكن لديه قصيدة "محاكاة القرآن".

سلام مسافر: يقال إن تولستوي في أواخر حياته كاد يعتنق الإسلام أو اعتنقه، ودُفن وفق الطريقة الإسلامية، بمعنى أن قبر تلستوي ليس له ضريح، وإنما بضع سانتيمرات من التراب، كما أن المتحف الخاص به، حين تدخل إلى غرفته الخاصة، فإنك تجد قرآن مفتوح.

محمود الحمزة: صحيح، هو كان يقرأ القرآن والحديث، وله عبارة مشهورة يقول فيها: "أتمنى أن أكون محمدياً"، أيّ مسلماً، لكن لا اعرف إن اعتنق الإسلام أم لا، كما أن له كتاب جمع به أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تتحدث عن العدالة والعمل وأخلاقياته.

سلام مسافر: إضافةً إلى ذلك، يقول أحد الكتاب الروس: "حين كانت أوروبا تسمم فلاسفتها كانت العرب تقول: (مداد العلماء كدماء الشهداء)"، مما يعكس الاحترام العميق للمعرفة والعلم في الثقافة العربية.

عدى عن التأليف والتدريس والتنقيب عن المخطوطات ودراسة دور العرب في الرياضيات والعلماء المستشرقين في روسيا، عملتم على مؤتمر الاستشراق الذي عُقد مؤخرا في عام 2025 في الدوحة، الذي اتسم بنهج جديد يهدف إلى إحياء مفهوم الاستشراق، وتسليط الضوء على المدارس المختلفة للاستشراق، أنا شخصياً تشرفت بالمشاركة فيه، ودهشت من العدد الكبير من المستشرقين الناطقين باللغة العربية من مختلف دول حول العالم، وهم للأسف ليسوا من الشباب ومعظم المشاركين تجاوزوا العقد السابع، لكنهم يتقنون اللغة العربية ويملكون شغفًا عميقًا للثقافة العربية، كيف بدأت فكرة المؤتمر، وهل سيكون لمرة واحدة أم أنه سيتكرر؟


محمود الحمزة: فكرة المؤتمر، بصراحة هذه الفكرة اقترحتها معالي السيدة لولوة الخاطر، التي شغلت منصب وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي في وزارة الخارجية، ثم تولت لاحقًا منصب وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي في دولة قطر، هي التي اقترحت عليّ أن نعقد مؤتمر حول الاستشراق، وقد يكون كتابي قد ساهم في هذه الفكرة، لكن هي لديها مطالعات ومساهمات كبيرة في هذا الموضوع، فالفكرة موجودة لديها سابقا ومع التعرف على كتابي "الاستشراق الروسي للعالم الإسلامي"، يبدو أن الفكرة نضجت لتتحول إلى مؤتمر تحت عنوان "المؤتمر الدولي للاستشراق في الدوحة"، وكان طرحنا أن يكرس للاستشراق الجديد، حيث عقد في أبريل 2025، والذي شهد مشاركة أكثر من 130 مستعربًا من 50 دولة، بما في ذلك الصين وأستراليا والسويد وماليزيا، وصولاً إلى أوروبا وأمريكا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، وقد حقق المؤتمر نجاحًا علميًا باهرًا، حيث اتفق الجميع على ذلك، وهناك فكرة لعقده كل سنتين.

وبالنسبة للاستشراق، يُشير التاريخ إلى وجود مؤتمرات دولية سابقة لهذا الموضوع، بدءًا من أول مؤتمر عُقد عام 1873 في فرنسا والمعروف باسم "المؤتمر الدولي للاستشراق"، تلت هذه الفعالية عدة مؤتمرات، بما في ذلك مؤتمران عُقدا في موسكو، وآخر مؤتمر عُقد في باريس عام 1973، وفي ذلك الوقت كان الاستشراق التقليدي الذي كان له دوافع دينية واقتصادية وسياسية وكان يخدم الاستعمار الأوروبي قد أصبح يعيش أزمة نتيجة ظهور علوم انسانية متخصصة، وبالتالي المستشرق لم يعد يستطيع أن يلم بها، فلابد له من أن يتخصص بأحد هذه المجالات، فمصطلح المستشرق أصبح غير مجدي، وبناءا على الأزمة التي عاشها الاستشراق نتيجة تاريخه المرتبط بجوانب سلبية، قرروا إلغاء مصطلح الاستشراق، وقاموا بتسمية المؤتمر بمؤتمر دراسة المناطق الآسيوية والإفريقية.

واليوم، ظهر ما يُعرف بالاستشراق الجديد، في أوروبا وأمريكا معاهد أبحاث ضخمة لا يقولون معاهد استشراق بل اصبحت تسمى معهد دراسات الشرق الأوسط، تدرس هذه المعاهد الأوضاع السياسية والاقتصادية في الدول الآسيوية والإفريقية وتقدم استشارات للحكومات والشركات الممولة لهم، وبالتالي، يمكن اعتبار الاستشراق الجديد استمرارًا للاستشراق القديم، ولكن بتسميات وغطاء جديد.

والمؤتمر المنعقد في الدوحة كان مكرساً للاستشراق الجديد وكان شعاره "من أجل حوار حضاري متوازن"، حيث هدف المؤتمر إلى خلق حوار بين الشرق والغرب، نحن لا نسعى للصراع الثقافي كما طرح الكاتب صامويل هنتنجتون، بل نرغب في تعزيز الحوار بين الحضارات والأديان والأفكار والثقافات، وأعتقد أن مؤتمر الدوحة كان إنجازًا نوعيًا كبيرًا، وآمل أن يستمر وينظم بشكل دوري.

سلام مسافر: هل من الممكن أن يتمخض عن المؤتمر مؤسسة أو معهد عالمي للاستشراق تحتضنه الدوحة، ومن المعروف أن دولة قطر صاحبة مبادرات، أم أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت أو الدراسة؟ بالمناسبة تحدثتم عن خبث بعض المستشرقين الغربيين، وهذا ما سلط عليه الضوء العالم الفلسطيني إدوارد سعيد وينبغي أن نتذكره الآن حين يتعرض الشعب الفلسطيني إلى الإبادة، وهو كان يدعوا للسلام والمحبة بين الشعب اليهودي والفلسطيني.

هل من الممكن أن نطلق اسم إدوارد سعيد على معهد أو قسم من أقسام دراسات الاستشراق؟

د.محمود الحمزة: بالنسبة للخطط المستقبلية فهذا موضوع  أعتقد أنه قيد الدراسة لانشاء هيكلية معينة تشرف على هذه المؤتمرات وتديرها واصدار وترجمة الكتب وتدريب الشباب في مجال العلوم وتبادل الخبرات وهناك أمور مختلفة لم تحسم بعد أعتقد أنه قريبا ستتضح هذه الأمور، أما بخصوص إدوارد سعيد، المفكر الفلسطيني الأمريكي اشتهر في العالم بكتابه "الاستشراق" الذي اصدره عام 1978 فقد شنّ هجوما قويا على المستشرقين الغربيين الذين يعاملون الشرق وفقا لرؤاهم الخاصة بشيء من التعالي، ويصورونه كما يحلو لهم بدلاً من تصويره كما هو في الواقع، لقد انتقد الاستشراق الغربي بشدة، وهناك من ينتقده ويقول إنه أجحف بحق الاستشراق الغربي، وهناك مفكرين عرب قالوا بهذا القول، وهناك دراسات غربية إيجابية، لكن يُعَدُّ كتابه عملاً قيما يحتوي على دراسات معمقة، وقد جرت بينه وبين برنارد لويس مناظرات قوية.

سلام مسافر: هذه العقلية الصهيونية والعقل العلمي العربي، بالإضافة إلى ذلك، ألقى سلسلة من المحاضرات عبر قناة بي بي سي، الإنجليزية ثم العربية، ونُشرت لاحقًا في كتاب تناول فيه اشارات مهمة حول مسافة التخيل بين العقل العربي والغربي، محاولاً تقديم فرضية تفيد بأن النظرة الغربية للعقل العربي تتضمن مسافة رمادية تتجاوز النوايا العلمية، وتستند إلى أحكام مسبقة ضد العقل العربي، وهناك أيضا عالم آخر، للأسف، لم يُذكر كثيرًا، وهو بندلي جوزي، الفلسطيني المولود في القدس، والذي ألف أول كتاب عن الإسلام من وجهة نظر ماركسية، على الرغم مما يحتوي عليه من مبالغات في تفسير ظهور الإسلام، ولكن كان له دور بارز في تمهيد الطريق أمام التفكير العلمي في دراسة الأديان، وبعد ذلك درس في ظل الجمعية الأرثوذكسية الإمبراطورية، وانتقل إلى الاتحاد السوفيتي، ويبدو أنه كان من الفلسطينيين المنتمين للحركة الشيوعية آنذاك، وتدرج في المناصب الأكاديمية حتى أصبح عميدًا لجامعة باكو، تاركا خلفه عددا كبيرا من المخطوطات والكتب، وكان أيضًا من أوائل من وضعوا القاموس العربي الروسي، لكن بعد حصوله على الجنسية الروسية، تغير اسم بندلي جوزي ليصبح بنتفيليون كرستوفيفيتش جوزيه، ولا يزال القاموس موجودًا، وقد سنحت لي الفرصة للتعرف على إحدى حفيداته، آسيا، التي كانت تمتلك العديد من المخطوطات، لا أعرف مصيرها حاليا، لكن هذا العالم يستحق أيضا الدراسة، هو وكلثوم عودة، كما ينبغي الإشارة إلى أن ميخائيل نعيمة درس على نفقة الجمعية الأرثوذكسية.

محمود الحمزة: والشيخ محمد عياد الطنطاوي، المصري الأزهري، فقد عاش أكثر من عشرين عاما يدرس في جامعة في بطرسبورغ، بالنسبة لبندلي جوزي، فقد وُلِد في القرن التاسع عشر وعاش حتى عام 1945 حيث توفي خلال الحرب العالمية الثانية، من الجدير بالذكر أنه هو وميخائيل نعيمة جاءا من فلسطين ولبنان عبر المدارس الروسية التبشيرية التابعة للجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الروسية، وقد اكتشفت مؤخرا أن بندلي الجوزي ألف كتابا تناول فيه أفكار الاستشراق وأزمة الاستشراق قبل إدوارد سعيد بخمسين عاما، مما يدل على أنه كان مفكرا رائدا حقا.

سلام مسافر: وقد أتقن ثماني لغات بشكل كامل، لقد اطلعت على بعض من مخطوطاته اليدوية التي تحتاج إلى فريق من الباحثين لتحليلها، إذ كان يعتمد على مصادر متنوعة باللغة الإنجليزية والفرنسية والروسية، وفي تلك الفترة لم يكن الحاسوب موجودا لذلك كان يستخدم ألوان مختلفة من الحبر لتمييز المعلومات.

ما هو المنهج الذي استخدمته في الدراسات؟ فقد لاحظت أن عددا من المستشرقين ومحققي الكتب الروس، من أصدقائنا، يواجهون صعوبات قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تستحق الذكر، كما تعلمون، المخطوطات غالبا ما تكون مكتوبة يدويا، وأحيانًا تفتقر إلى التنقيط، فحين تم في سنوات سابقة أو ربما عقود تحقيق هذه المخطوطات، المحقق لم ينتبه على بعض الحروف والكلمات، والمطبعة ارتكبت خطآ  فتصل إلى المترجم محمّلة بخطأين خطأ المترجم والأخطاء المطبعية هل واجهتكم هذه المشكلة؟ علما أن هذه الأخطاء قد تغير المعنى.

محمود الحمزة: صحيح، لقد عملت على ترجمة عدة مخطوطات إلى اللغة الروسية، وأحيانًا يستغرق الأمر أياما لترجمة سطر واحد بسبب عدم وضوح الخط واختلاف التعابير والمصطلحات وبعضها بدون تنقيط، الروس الذين بدأوا العمل على المخطوطات كانوا عادة متخصصين في اللغة العربية، لكنهم واجهوا صعوبة في ترجمة المواضيع الرياضية، لذا بدأ المستعربون الروس المتخصصون في الرياضيات بتعلم اللغة العربية لتسهيل عملية الترجمة والتأكد من دقتها.
وبتقديري الترجمات الروسية كانت دقيقة إلى حدٍ بعيد، هناك ترجمات قديمة، مثل الفرنسية التي اطلعت عليها، وكذلك الروسية التي تعود إلى ما قبل 100 أو 150 عاما، ومن الجدير بالذكر أن أول مخطوطة عربية تمت ترجمتها إلى اللغة الروسية كانت في عام 1865 بأمر من العالم الروسي الكبير في الرياضيات، بافنوتي تشيبيشيف، الذي دعا إلى نشر هذه المخطوطة في المدارس الروسية، ليتمكن الطلاب من تعلم الطرق الحسابية التي كتب العرب حولها، لكنهم ترجموها من اللغة الفرنسية التي احتوت على أخطاء عديدة، الترجمة كانت صعبة للغاية وفيها أخطاء، أمّا الترجمات الحديثة تحسنت كثيرا وأصبحت مكتوبة بدقة عالية وفق ما أعلمه عن اللغة الروسية، وفي أوروبا، معظم المترجمين الذين يتناولون المخطوطات إما قد تكون لهم جذور عربية، أو يتقنون اللغة العربية، أو يتعاونون مع باحثين عرب، مما يسهل تنظيم الأمور بشكل أفضل.

سلام مسافر: بالنسبة برأيكم كم نستطيع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في هذا المجال؟

محمود الحمزة: أعتقد أن المخطوطات المكتوبة بخط اليد لا يستطيع الذكاء الاصطناعي قرائتها، حيث يتطلب الأمر تحويلها أولاً إلى نصوص مطبوعة عبر الحاسوب، عندئذٍ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يترجمها ويتعامل معها، لكنني أعتقد أن الترجمة لن تكون سهلة، لأنها تحتوي على كلمات قد لا يكون الذكاء الاصطناعي مبرمجًا لفهمها، كونه يعتمد على معلومات حديثة وليس على المصطلحات التي تعود لقرون مضت، هناك العديد من المخطوطات العربية من القرن التاسع إلى السابع عشر التي تحتاج إلى شرح للمصطلحات غير المفهومة، ومع ذلك، هناك إمكانية لاستخدام التكنولوجيا الرقمية والموارد المتاحة لتحسين ترتيب وتصنيف المخطوطات وإجراء دراسات حولها، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في توفير معلومات مفيدة حول محتوياتها وتسهيل عملية البحث، على سبيل المثال، إذا قام أحدهم بالبحث عن مصطلح رياضي معين موجود في المخطوطات، يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدته في العثور عليه بسرعة، بينما عادةً ما نبحث في المخطوطات يدويًا، صفحةً صفحة وسطر سطر، لتحديد عدد مرات ظهور كلمة معينة مثل "معادلة"، لذلك، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي وعصر الرقمنة يمكن أن يلعبا دورًا كبيرًا في تطوير الدراسات الاستشراقية ودراسة تاريخ العلوم بشكل ملحوظ.

سلام مسافر: للأسف، هناك مشكلة كبيرة تتمثل في أن العديد من المخطوطات تعرضت للتلف بسبب الأحداث الدموية التي عانت منها دول الشرق الأوسط، مثل العراق وسوريا واليمن، هل لديكم معلومات حول مصائر هذه المخطوطات؟ وهل توجد إحصائيات بشأن عدد المخطوطات التي لا تزال موجودة منذ زمن طويل؟ هل هناك جهد علمي لإحصاء وتحديد عددها، هناك أيضا هواة يجمعون المخطوطات، ولكن غالبًا ما يكون اهتمامهم تجاريا بحتا، مثل جمع التحف الأثرية دون التعمق في الثقافة، كيف تنظرون إلى هذا الملف؟

محمود الحمزة: يقال إنه لم يُدرس أكثر من 10% من المخطوطات العربية الموجودة في العالم حتى الآن، وقد وُجدت هذه المخطوطات في أماكن مثل بغداد ودمشق والأندلس، حيث تم نقل جزء كبير منها إلى صقلية، وجزء آخر إلى أوروبا عبر الحروب الصليبية، كان السفراء والتجار الذين يعملون في العالم العربي الإسلامي يسعون للحصول على المخطوطات، وكثير منهم كانوا يطلبون من التجار شراء المخطوطات وإرسالها إلى بلدانهم، فترى في سان بطرسبورغ مخطوطات اشتراها القنصل الروسي في حلب من القنصل الفرنسي وهكذا، في سان بطرسبورغ مثلا، هناك مكتبة معهد المخطوطات الشرقية الغنية بالمخطوطات، وكذلك في داغستان حيث يحتفظ الأهالي بالكثير منها في منازلهم، وبالطبع، كانت هناك أيام الاتحاد السوفييتي مكتبات شهيرة مثل مكتبة طشقند ومكتبات أخرى في باكو وطاجيكستان.

أما في الدول العربية فقد أُقيمت مكتبات، لكن أغنى المكتبات في فرنسا وإسبانيا وأمريكا وبريطانيا، حيث تضم مجموعة كبيرة من المخطوطات، إذا قمت بزيارة متحف اللوفر، ستجد آثار تدمر وبابل محفوظة هناك

سلام مسافر: وهو أمر يستحق الشكر، خاصة بعد الدمار الذي تعرضت له هذه الثروات الوطنية والتاريخية على يد الجماعات الإرهابية.
محمود الحمزة: فيما يتعلق بموضوع المخطوطات، أود أن أُضيف نقطة مهمة، وهي أن العديد من المخطوطات فقدت أو دمرت نتيجة الحروب، كان لهجوم المغول على بغداد تأثير بالغ في تدمير المكتبات.

سلام مسافر: كما أن المغول الجدد، الأمريكان، كسروا بوابة مكتبة الأوقاف وفيها مخطوطات، وسمحوا للرعاع بدخولها، وحرقوا ودمّروا آلاف الكتب والصحف القديمة.

محمود الحمزة: لهذا التدمير هدف واضح يتمثل في محو التاريخ، على سبيل المثال، في الأندلس حورب ابن رشد وتعرضت كتبه للحرق.

سلام مسافر: ومن الجدير بالذكر أنه في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت هناك محاولة من قبل إسرائيل للاستحواذ على قسم المخطوطات العبرية والعربية في مكتبة لينين، التي تُعتبر واحدة من أكبر المكتبات في العالم، وحصلت على مرسوم موقع من الرئيس بوريس يلتسن، لكن أمين المكتبة، الذي تخونني الذاكرة في إيراد اسمه الآن، اتخذ موقفا قويا ورفض تسليم المخطوطات، مهددا بإحراقها وإحراق نفسه، وقد حصل على دعم من القوى الوطنية الروسية، وأعتقد أنه لم يتمكنوا من الاستيلاء عليها.

محمود الحمزة: هناك أيضا حادثة تتعلق بباحث يهودي في معهد تاريخ العلوم والتكنولوجيا، حيث قام بسرقة مئات المخطوطات واختفى، ويقال إنه موجود الآن في إسرائيل، هذا ما وصلني

سلام مسافر: بالإضافة إلى ذلك، خدنة الاحتلال في العراق، أيضا نقلوا الأرشيف اليهودي النادر إلى إسرائيل، وهو ما اعترف به ناتان شارانسكي في مقابلة مع مجلة إكسبيرت الروسية، حيث وصف تلك الشحنة التي كانت سبع حقائب كبيرة من الأرشيف اليهودي في العراق بأنها هدية لا تُقدّر بثمن من الأصدقاء الأمريكيين.

وشكرا لكم.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا